لندن ـ «القدس العربي»: تمكن علماء سويديون من اختراع أول «كمبيوتر حي» في العالم مصنوع من أنسجة الدماغ البشري، لينجحوا بذلك في تحويل الخيال العلمي إلى حقيقة، فيما يقول القائمون على المشروع إن هذا الكمبيوتر الخارق من الممكن أن ينجح في حل أزمة الطاقة التي يواجهها العالم أو تعاني منها بعض البلدان.
وقال تقرير انفردت بنشره جريدة «دايلي ميل» البريطانية عن هذا الكمبيوتر الخارق، واطلعت عليه «القدس العربي» إن الجهاز المبتكر يتألف من 16 جزءا عضويا، أو كتل من خلايا الدماغ التي تمت زراعتها في المختبر، والتي ترسل المعلومات فيما بينها.
وتعمل هذه الأجزاء بشكل يشبه إلى حد كبير شريحة الكمبيوتر التقليدية، حيث ترسل وتستقبل الإشارات من خلال خلاياها العصبية التي تعمل مثل الدوائر. لكن ما يجعلها مميزة هو أن الآلة الحية تستخدم طاقة أقل لأن الخلايا العصبية الحية يمكنها استخدام طاقة أقل بمليون مرة من المعالجات الرقمية الحالية المستخدمة حالياً.
وعند مقارنة الجهاز الجديد بأفضل أجهزة الكمبيوتر في العالم وجد العلماء أنه بنفس السرعة وذاكرة أكبر بواقع ألف مرة، كما أنه يتفوق على الدماغ البشري الذي يستخدم ما بين 10 إلى 20 واط، مقارنة بالكمبيوتر الذي يستخدم 21 ميجاوات.
والميغاواط الواحد يساوي مليون واط. وتم تطوير الآلة الحية من قبل العلماء في «FinalSparks» والتي تركز على إيجاد حلول مع الشبكات العصبية البيولوجية.
وقال الدكتور فريد جوردان، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة «فاينال سبارك» وهي شركة ناشئة تركز على إيجاد حلول للشبكات العصبية البيولوجية، إن هذه الفكرة شائعة في الخيال العلمي، ولكن لم يكن هناك قدر كبير من الأبحاث الحقيقية حولها».
ويقول إن «العضوانيات» التي تم استخدامها في تطوير الجهاز هي عبارة عن مزارع أنسجة صغيرة ثلاثية الأبعاد ذاتية التنظيم مصنوعة من الخلايا الجذعية.
ويمكن تصميم مثل هذه المزارع لتكرار الكثير من تعقيد العضو، أو للتعبير عن جوانب مختارة منه مثل إنتاج أنواع معينة فقط من الخلايا.
ويأخذ العلماء الخلايا الجذعية ويزرعونها لمدة شهر تقريباً حتى تشكل ميزات مثل الخلايا العصبية.
وتم بناء أدمغة «فاينال سباركس» الصغيرة من ما يقدر بنحو عشرة آلاف خلية عصبية حية، يبلغ قطرها حوالي 0.5 ملم.
ويتم تدريب الكائنات العضوية بجرعات من الدوبامين، وعندما تؤدي المهام بشكل صحيح، فإنها تحصل على تدفق من المادة الكيميائية كمكافأة.
ويقوم العلماء بإدارة الدوبامين عن طريق تعريض منطقة معينة من عضوي الدماغ للضوء، على غرار كيفية إطلاقه في الدماغ البشري عندما يتم تنشيط منطقة معينة.
وتحيط بالأدمغة الصغيرة ثمانية أقطاب كهربائية تقيس النشاط في الأعضاء العضوية، ويمكن للباحثين إرسال تيار عبر القطب للتأثير على العصبون.
وتؤدي هذه الأقطاب الكهربائية دوراً مزدوجاً يتمثل في تحفيز الأعضاء العضوية وتسجيل البيانات التي تعالجها. ويتم أيضاً وضع الكائنات العضوية في حاضنة تعمل كنظام سباكة صغير لكميات صغيرة من السوائل، مما يوفر العناصر الغذائية للخلايا، ويتم توفير العناصر الغذائية اللازمة لإبقائها على قيد الحياة.
وتحافظ الحاضنة على الكائنات العضوية في درجة حرارة الجسم وتقوم بأتمتة تدفق وصيانة الوسائط الخلوية، مما يوفر بيئة مستقرة خالية من البكتيريا والفيروسات.
وتعيش الخلايا الموجودة في «الكمبيوتر الحي» وتموت خلال 100 يوم، وتتجمع معاً في بنية عضوية ثلاثية الأبعاد. ولكنها تشبه تلك الموجودة في أدمغة الإنسان الحقيقي، ولها نشاط كهربائي مماثل.
ويقول العلماء القائمون على المشروع: «ستعيش الخلايا العصبية في دماغك لمدة 80 عاماً تقريباً، وستكون لديك نفس الخلايا العصبية عندما تموت كما كانت عند ولادتك. نحن لسنا جيدين مثل الطبيعة في إبقائهم على قيد الحياة، لذا فهم يعيشون لمدة 100 يوم فقط».
ويقوم العلماء فقط بزراعة عضويات جديدة لتحل محل الكائنات الميتة.
وأطلق الفريق مؤخراً كمبيوتر الدماغ كمنصة عبر الإنترنت تمكن الباحثين العالميين من إجراء تجارب عن بعد على الخلايا العصبية البيولوجية في المختبر. وقد أعربت ثلاثين جامعة بالفعل عن اهتمامها باستخدام المنصة.
ووصف جوردان «الكمبيوتر الحي» بأنه «برامج رطبة» لأنه مثل العقول البشرية الفعلية يقع في مكان ما بين أجهزة الكمبيوتر (أي الرقائق التي تعالج المعلومات) والبرمجيات (البرامج التي تعمل على الأجهزة).
وقال جوردان: «نحن نسميها (wetware) ولا أعرف من ابتكر الكلمة، ولكن الدماغ يقع بين البرمجيات والأجهزة». وأضاف: «في أجهزة الكمبيوتر، يكون هناك فصل واضح، حيث تقوم بتشغيل برامج مختلفة على نفس الجهاز، ولكن في دماغنا، لكي تتعلم أي شيء، عليك تغيير الأجهزة التي تقوم بالاتصالات العصبية فعلياً. لذلك نحن بحاجة إلى كلمة جديدة، وكلمة «الأدوات الرطبة» تبدو منطقية لأن الخلايا تحتاج إلى بيئة رطبة للبقاء على قيد الحياة».
ومن المعروف أن العالم يواجه أزمة طاقة بسبب نقص الوقود وتعطل سلاسل التوريد والتوترات الجيوسياسية والانتقال إلى الطاقة المتجددة. ناهيك عن صعود الذكاء الاصطناعي الذي من المتوقع أن يستخدم 29.3 تيراواط ساعة سنوياً (تيراواط واحد يساوي تريليون واط).
وفي الوقت الحالي، ينصب تركيز الشركة على الحوسبة السحابية، ولا سيما مراكز البيانات المتعطشة للطاقة والتي تقود الذكاء الاصطناعي.
وتتصل المعامل والجامعات في جميع أنحاء العالم بالفعل بشركة «فاينال سباركس» لاختبار الأجهزة. وفي وقت لاحق من هذا الشهر، سيشارك جوردان في أول مؤتمر بالعالم حول «الحوسبة الحيوية» والذي سيعقد في فيينا هذا الشهر، بحضور مشاركين من أستراليا والولايات المتحدة.
وقال إنه منذ نشر النتائج التي توصل إليها، لم يتوقف الهاتف عن الرنين: «يتصل الكثير من الناس ليعرضوا علي المال».
ومن الإنجازات المحتملة الأخرى فهم جديد للدماغ البشري نفسه، مما قد يؤدي إلى علاج الكثير من الأمراض. وتعد تقنية إنشاء العضويات جديدة نسبياً، ولم يكن هناك سوى القليل من الأبحاث حول فكرة تحويل الخلايا العصبية البشرية إلى جهاز كمبيوتر من قبل.