القاهرة ـ «القدس العربي»: ” أضحى” لا يشبهه عيد آخر مرّ بالمصريين هذا العام، إذ أطل الفقر على مختلف المدن والقرى ليحول بين المواطنين وأدنى ما يتمنون.. مائدة عامرة باللحوم ليوم واحد في السنة، غير أن تلك الأمنية البسيطة لم تعرف طريقها بالنسبة للكثيرين الذين كانوا يعتمدون في الأساس على لحوم الأضاحي من قبل أهل الإحسان الذين تراجع عددهم لمستوى غير مسبوق، تشهد على ذلك ندرة الشوادر التي تبيع الماشية والأغنام في الشوارع، واختفاء القصابين الذين كان يمثل لهم “الأضحى” فرصة ذهبية لجني المال، لكن ارتفاع أسعار اللحوم، أسفر عن مقاطعة الكثير من المواطنين لها… باتت القاهرة تشبه غزة، هكذا يردد البعض حينما يستمعون لشهادات الغزيين التي تتوالى منذ أول أيام العيد، وكيف أنهم لم يضحوا بسبب ظروف الحر وندرة الخراف والمواشي ووصولها لأسعار فلكية.
والتقى الرئيس السيسي ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في مشعر منى، وعقب أداء مناسك الحج غادر الرئيس والوفد المرافق له، جدة أمس الاثنين، وكان في وداعه في مطار الملك عبدالعزيز الدولي، الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة، ونائب أمين محافظة جدة المهندس علي بن محمد القرني.
دشنت وزارة الصحة حملات رقابية مُكثفة لضمان سلامة الأغذية والمشروبات المتداولة في الأسواق، وأعلنت الجهات المختصة تفتيش 5119 منشأة غذائية، وسحب 1881 عينة من مختلف المواد الغذائية، لفحصها في المعامل المركزية التابعة للوزارة، للتأكد من سلامتها وصلاحيتها للاستخدام الآدمي. جاء ذلك خلال عدة حملات شنتها الإدارة المركزية لمراقبة الأغذية في مديريات الشؤون الصحية في جميع محافظات الجمهورية، خاصة أماكن بيع وعرض اللحوم ومصنعاتها، كخطوة استباقية وقائية، وضمن خطة التأمين الطبي لاحتفالات عيد الأضحي المبارك، وأكد الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن هذه الحملات تستهدف إحكام الرقابة على المنشآت الغذائية، وتكثيف الحملات الرقابية، للتأكد من سلامة الغذاء المقدم للمواطنين، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفات، التي يتم رصدها.
ومن أخبار الحكومة: أكد الدكتور محمد معيط وزير المالية، أن مشروع قانون الضريبة على الدخل، يهدف لتخفيف الأعباء الضريبية عن محدودي ومتوسطي الدخل من العاملين في الدولة والقطاع الخاص، من خلال العمل على إعادة هندسة الشرائح الضريبية للمرتبات؛ تحقيقا للعدالة الاجتماعية أخذا في الاعتبار إجراء مراجعة دورية لزيادة «الشريحة الصفرية المعفاة من الضريبة»، وفقا لمستويات ومعدلات التضخم، لافتا إلى أن مشروع القانون الجديد، لا يتضمن أي زيادة في أسعار الضريبة على الدخل، بما في ذلك «الشريحة العليا» التي ستظل ثابتة، ويستهدف تحديد الدخول الخاضعة للضريبة، لتكون أكثر وضوحا وتبسيطا وتعميقا لليقين الضريبي.
ومن حوادث العيد: تعرض الطيار المصري الكابتن حسن عدس لأزمة صحية مفاجئة لفظ على إثرها أنفاسه الأخيرة خلال طيرانه في رحلة جوية من مطار القاهرة إلى مطار الطائف بطيران نسما وقام على أثرها الطيار الثاني بالهبوط إضطراريا في مطار الملك عبدالعزيز في جدة بسلام.
سقوط الوهم
لم تستطع الرقابة العسكرية في الكيان الإسرائيلي منع انتشار الأنباء المتعلقة بطلب عدد متزايد من ضباط جيش الاحتلال التقاعد، سواء بشكل فوري، أو عقب انتهاء العدوان. منعُ النشر لم يحل على حد رأي الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام”، دون تسريب هذه الأنباء. وقل مثل ذلك عن الخلافات المتزايدة داخل هيئة الأركان العامة، وتبادل الاتهامات بشأن الفشل المزدوج في إحباط هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ثم في تحقيق أي من الأهداف المعلنة لعدوانٍ همجي. ولكن خسائر جيش الاحتلال لا تقتصر على الإحباط الذي أصاب الضباط والجنود، والصراعات بين كبارهم في هيئة الأركان. خسائرُه كثيرة، ولبعضها آثار مباشرة، وأخرى غير مباشرة على مستقبل هذا الكيان. فقد اعترفت قيادة الجيش بأنه يعاني نقصا في قواته يستلزم تجنيد المتدينين «الحريديم» المعفيين من الخدمة فيه. ويعود هذا النقص إلى ازدياد أعداد المُرهقين والمصابين، سواء جسديا أو نفسيا، إلى جانب القتلى. فقد وصلت أعدادُ المُعاقين والمرضى النفسيين إلى معدلاتٍ تثير قلقا متزايدا لدى قادة الكيان العسكرية والسياسية، على حد سواء. وثمة خسائر أخرى قد تكون أهم وأكثر تأثيرا، مثل خسارة قوة الردع التي بُنيت على مدى عقود بعد فقدها في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فضلا عن انكشافٍ عسكري غير مسبوق. فلم تمض أسابيعُ قليلة على بدء العدوان في غزة، حتى صارت خطط جيش الاحتلال العملياتية مكشوفة، الأمر الذي مكَّن فصائل المقاومة من استعادة زمام المبادرة، وتطوير أدائها وابتكار أشكال جديدة لمفاجأة قواته، ونصب كمائن بطرق غير تقليدية، إلى جانب إفشال هجماته على نحو يفرضُ عليه العودة لمهاجمة المناطق التي زعمت قيادته أنها أنجزت المهمة فيها، فضلا عن خسارة سمعة أسلحة إسرائيلية كان معتقدا تفوقها، مثل دبابات ميركافاه ـ 4. وهذه الخسارة أخطر من فقد كثيرٍ من هذه الدبابات، رغم أن تقارير عبرية تفيد بأن العدد الباقي منها بات أقل من «الخط الأحمر» الذي رسمته هيئة الأركان. وهكذا يغرق جيش الاحتلال في وحلٍ لا تعرف قيادته ولا حكومته كيف يمكن أن تنتشله منه، لأنهما لا تجيدان سوى القتل والتدمير.
نزهة قاتلة
ثانى عيد وغزة لا تزال تباد.. غالب سليمان قناوي في “الأخبار” يقول: غلبتني نفسى فما باليد والقلب والعقل حيلة. واذا كان المسلمون يرددون اليوم في جميع أرجاء الكون مع ارتداء ملابس العيد الجديدة دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “لبست جديدا وعشت سعيدا ومتّ شهيدا”. فهل يمكن لمن لا يتوفر له في غزة غذاء أو دواء، أو ماء، أو كساء، أو كهرباء أن يدعو “لبست جديدا وعشت سعيدا”، هو فقط وكل من لم يستشهد بعد سيقول “ومتّ شهيدا”. بالطبع لن يكون هناك أضاحٍ أو حتى شواء، فرائحة شواء اللحم البشري تغلف هواء غزة بفعل محرقة برابرة الصهيونية. ولم يعد الغزيون بحاجة لجزار، فهناك نتنياهو وغالانت وهاليفي وبن غفير وسموتيرتش، الذين ذبحوا بدم بارد ما يزيد عن 35 ألف بريء من الأطفال والنساء والشيوخ. لكنهم جزارون من نوع خسيس. كما أصبح أطفال غزة يرتعبون من الألعاب النارية والبمب والصواريخ، بعد أن عاشوا ليالي الرعب في غزة بفعل صواريخ وأحزمة نيران جيش العدو النازي. الشيء الطبيعي الوحيد لأهل غزة هو، أداء صلاة العيد في الخلاء حسب السنة، لكنهم سيصلونها جوار ركام المساجد، التي لم يترك جزارو تل أبيب مسجدا إلا وجابوه أرضا (دُمر أكثر من ألف مسجد حتى عيد الفطر الماضي) ولو مسّ أحد حجرا واحدا في معبد يهودي لقامت الدنيا على الإرهابيين المسلمين. أطفال غزة الأيتام وعددهم عشرات الآلاف لن يجدوا من يعطيهم العيدية، فحتى ملاجئ وجمعيات رعاية الأيتام الخيرية دمرت واستشهد معظم القائمين عليها.
سينتصرون كأجدادهم
العكس صحيح أيضا، كما يخبرنا سليمان قناوي، فالأمهات اللائي استشهد أطفالهن، لن يجدوا من يعطوهن العيدية. ربما تكون العادة الوحيدة التي سيمارسها أهل غزة في العيد، مثلما يجري في بعض الدول العربية هو، زيارة قبور الشهداء. أما الزيارات الأخرى فلن تكون لصلة الأرحام بعد أن فقدت معظم الأسر عددا كبيرا من أفرادها، وهناك أسر لم يعد فيها رحم واحد، بل ستكون هذه الزيارات من بعض الأهالي لعائلات الشهداء كنوع من التواد والتراحم، لإشعارهم بأن أتراحهم هي ترح كل غزي. وبعد أن كانت غزة تستيقظ صباح العيد على أصوات تكبيرات وتهليلات وتحميدات العيد، باتت تصحو على صوت الصواريخ والدانات وقصف الطائرات. الوضع في غزة يلخصه أحد أبنائها “كل عام وأنتم بخير كذب، لا أحد في غزة بخير”. ولأن المكان الوحيد الذي لم تمتد إليه آلة التدمير الصهيونية الجهنمية هو البحر، يفكر بعض الغزيين في نزهة إليه لأنه “الخروجة” الوحيدة المتاحة لهم في قيظ يونيو/حزيران الشرس، لكن كثيرين يخشون أن يكونوا صيدا سهلا لهجمات إسرائيل، فالعدو يستكثر عليهم أي إحساس بفرحة العيد ولو لسويعات. وقد استفز الصهاينة من قبل مشهد امتلاء شواطئ غزة بالناس في أحد أيام الحر الشديد. ورغم كل هذه الابتلاءات، لا يزال أهل غزة يدركون أن تكبيرات العيد، لم تعد تقتصر فقط على ما فيها من روحانيات التكبير والتهليل، بل تحمل كذلك وعدا بالنصر وهزيمة الأعداء، لا لرسول الله وصحابته فقط، بل للمسلمين كافة في كل زمان ومكان.
مفاجآت الحزب
يبدو وفق ما يرى فاروق جويدة في “الأهرام” أن حرب غزة سوف تكون لها توابع كثيرة، وأن تدمير غزة كان مجرد مقدمة، وهناك مواجهات أخرى أخطرها لم يأت بعد، وهو الحرب مع حزب الله.. وكل الشواهد تؤكد الآن، أن إسرائيل سوف تدفع الثمن أمام حزب الله.. لقد أشعلت صواريخ حزب الله الجبهة الشمالية في إسرائيل، وهناك أفواج تركت بيوتها من المستوطنين، ومنهم من هاجر إلى قبرص، وأصبح تهجير الإسرائيليين قضية مطروحة في الشارع الإسرائيلي.. ما حدث أخيرا واستخدام ما لديه من مخزون الصواريخ والمسيرات يمكن أن يغير كل الحسابات، لأن حزب الله في آخر التقديرات يمتلك مليون صاروخ، وهذه القوة تكفي لعودة الكيان الصهيوني إلى عصور ما قبل التاريخ.. إن تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل قد يتطلب دخول أمريكا إلى المعركة، وسيكون ذلك سببا في دخول إيران، وتشتعل المنطقة كلها. المفاوضات ما زالت متعثرة حول مبادرة الرئيس بايدن والانتخابات في أمريكا تقترب، وإذا دخلت أمريكا الحرب فسيكون الثمن غاليا، لأنه نهاية التاريخ السياسي للرئيس بايدن. دخول حزب الله المعركة وربما إيران سيشعل المنطقة كلها، ويصبح العالم أمام دائرة جهنمية أشعلتها إسرائيل، وسوف تدفع شعوب العالم الثمن دما وجوعا ودمارا.. اشتعال النيران في شمال إسرائيل سيكون مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الصهيونية، وقد تدخل الحرب دول أخرى كانت بعيدة وفي مقدمتها دول أوروبا وهي ليست بعيدة عن مرمى النيران.
تجميل القتلة
رغم ما قدمته الإدارة الأمريكية من مقترحات ضمن مشروع الرئيس بايدن إلا أن الواقع على الأرض يؤكد، حسب محمود الحضري في “المشهد” الانحياز الواضح للكيان الصهيوني. قبل أيام سعى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى تجميل الكيان الصهيوني، وتجميل وجه بلاده أيضا، ما يقوله بلينكن، تأكيد محاولات واشنطن لتبرئة الكيان الصهيوني المحتل من جرائمه بحق الفلسطينيين، وتبييض وجه محتل يتفنن في القتل والتهجير لأصحاب الأرض، وجرائمة على الهواء وليست وراء الكاميرات. وهذا ما كشفته نتائج تحقيق مستقل أجرته الأمم المتحدة، وتم الإعلان عنه الأربعاء الماضي 12 يونيو/حزيران 2024، وقد انتهى إلى أن السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن جرائم حرب مثل، التجويع كوسيلة حرب، أو القتل العمد وتوجيه الهجمات بشكل متعمد ضد المدنيين والنقل القسري والعنف الجنسي والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، أو القاسية والاحتجاز التعسفي والاعتداء على كرامة الشخص. وأثبت تقرير لجنة الأمم المتحدة أن تصريحات مسؤولين إسرائيليين ترقى إلى مستوى التحريض، وقد تُشكل جرائم دولية خطيرة أخرى، كذلك قامت إسرائيل بفرض “حصار كامل” يرقى إلى مستوى عقاب جماعي ضد السكان المدنيين. وفي جرائم صهيونية مؤكدة، جاءت تصريحات قالها وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش (سنسحل جثثهم في الشوارع حتى يكونوا عبرة)، ويقصد بذلك جثث الشهداء الفلسطينيين، وتلك هي الديمقراطية الصهيونية التي يتغنى بها المدعو بلينكن. وهذا المتطرف الصهيوني سموتريتش”، هو ذاته الذي أمر بخصم 35 مليون دولار أمريكي من أموال ضرائب السلطة الفلسطينية (المقاصة)، وتحويلها إلى عائلات إسرائيلية، تزعم أن أفرادا منها قتلوا بهجمات نفذها فلسطينيون… وفعلا إنها ديمقراطية أنتوني بلينكن، الذي يسعى إلى تجميل الوجه القبيح للصهيونية.
عدل معلق
في المنطقة نفسها التي شهدت «المحرقة الصهيونية» لأطفال فلسطين في مخيم تل السلطان عند رفح، جاءت الضربة التي صدمت إسرائيل واهتم بتفاصيلها جلال عارف في “الأخبار”، حين تم تدمير مدرعة كانوا يروجون أنها الأقوى، واحترق في داخلها ثمانية من الضباط والجنود الذين كانوا يشاركون في أعمال القتل والتدمير التي لم تتوقف منذ ثمانية شهور. الضربة جاءت لتزيد مشاعر الإحباط لدى الإسرائيليين من نتائج حرب كانوا يظنون أنها ستنتهي خلال أيام بسحق المقاومة الفلسطينية. فإذا بها – بعد 250 يوما لا تحقق لإسرائيل أمنا ولا تعيد أسرى.. بل تضاعف الهزيمة وتحيل إسرائيل إلى كيان منبوذ من العالم، يحاكم بتهمة الإبادة الجماعية ويطلب حُكامه للعدالة الدولية كمجرمي حرب، تحاصر المظاهرات الغاضبة نتنياهو وتتضاعف أعداد المتظاهرين وترتفع مطالب إسقاط الحكومة، وإيقاف الحرب وعودة الأسرى، لكن نتنياهو ماض في طريقه ومعه أغلبية برلمانية وحكومة من زعماء عصابات الإرهاب والتطرف وسيظل محافظا على تحالفه معهم مهما كانت الضغوط، ولهذا سيبقى الطريق إلى السلام الحقيقي مغلقا حتى تتغير الأوضاع، وسيبقى نتنياهو يناور لكسب الوقت، حتى إن أضاع فرص إنقاذ إسرائيل من الأسوأ الذي سيأتي على يديه حتما وكما يحذر كل عاقل يرى ما يجري، ويقرأ الواقع بعيدا عن الهستيريا الصهيونية، يتجاهل نتنياهو تحذيرات الجميع، لكنه – بعد الآن- لا يستطيع تجاهل قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، التي سبق لها أن حذرت من استمرار الحرب وتحولها إلى معركة استنزاف مريرة، كما يحدث الآن. هذه القيادات كان رأيها أن الحرب لم تعد مجدية وأنها وصلت لطريق مسدود منذ أربعة أشهر على الأقل، لكن نتنياهو رفض الاستماع لذلك، وأصر على مواصلة الحرب وأفسد كل الصفقات لوقف القتال.. والنتيجة هي المأزق الذي وصلت إليه إسرائيل، والثمن الذي أصبح فوق طاقتها. هل تستوعب إسرائيل الدرس وتذهب لصفقة إنهاء الحرب، أم تشعل باقي الجبهات وتدفع أثمانا لا تستطيع تحملها؟ الجيش أعلن موقفه مرارا وتكرارا، والحكومة تكتفى بأن عنوانها هو نتنياهو وبن غفير، والثقة منعدمة، والفوضى لم تعد مقصورة على لعبة السياسة ومناورات السياسيين؟
بعد الخراب
بعد حوالي ثلاثين سنة من الإبادة غير المسبوقة في تاريخ مصر ـ خصوصا السنوات العشر الأخيرة ـ لنعمة الأشجار، التى زينت وجملت، كما أشار محمود عبد المنعم القيسوني في “الشروق”، شوارعنا وطرقاتنا وحدائقنا. أشجار بعضها تعدى الألف سنة من العمر، تمت إزالتها لصالح الإنشاءات الإسمنتية وللإسفلت ولملايين الإعلانات ذات الأحجام المهولة، والمتراصة على مسافات متقاربة على كامل جنباب المحاور والشوارع والطرقات، لتشكل تلوثا بصريا غير مسبوق في حياة بشر اليوم. وحتى اليوم هناك تقارير كثيرة عن عمليات إزالة مستمرة بشكل مؤسف، ومتناقض لبنود الدستور الخاصة بحماية بيئة صحية للمواطنة والمواطن المصري، وبعد أكثر من خمسين سنة من البناء على الطين مصدر الإنتاج الزراعي الأساسي لحياتنا مع التقليص غير المسبوق لكامل المساحات الخضراء على أرض مصر، وتشويه كل ما هو جميل. أخيرا، تنبه أعضاء مجلس الشعب ومسؤولو الحكومة منتصف شهر يونيو/حزيران من العام الحالي 2024 لهذه الكارثة، التي عرّت أرض الوطن أمام الزحف المميت للتغيرات المناخية التي حاول المخلصون من خبراء البيئة التنبيه لمخاطرها وتوابعها المؤكدة، ووضعوا سبل المواجهة والحد من مخاطرها منذ عام 1995، وللأسف قوبلوا بالسخرية والاستخفاف، ورغم ذلك داوموا بوطنية وإيمان وبتصميم على التنبيه والإنذار عن طريق كل الوسائل الإعلامية، وفي المؤتمرات والمحاضرات دون جدوى، فتحقيق المكاسب المادية من كل هذه المخالفات الجسيمة، كان أقوى وأشرس وأهم من جهودهم الوطنية. اليوم أكتب عن أطول حياة لكائن على وجه الأرض، حياة تتعدى الخمسة آلاف سنة، أكتب عن الشجر. الشجر الذي له مكانة عظمية ومحترمة لدى معظم شعوب العالم، فهناك مثلا اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وهما يحتفلان سنويا بتفتح زهور الكرز ويتسابق المواطنون والمواطنات للتنزه أسفلها وحولها والتقاط الصور وتصوير الأفلام، فهي رمز للجمال ومناسبة مبهجة ينتظرها الجميع بشغف شديد. ودول أعلنت محميات طبيعية لمساحات تضم أشجارا نادرة وجميلة. الشجر هو نبات معمر ذو ساق أو جذع واحد تتفرع منه فروع على ارتفاع من الأرض تكسوها أوراق وزهور.. كانت كل الطرقات والشوارع التي كانت دائما تظهر في أفلام السينما قبل الخمسينيات محاطة بالأشجار المزهرة الجميلة على أجنابها مثل شارع الجبلاية، أمام النادي الأهلي، الذي كان مغطى بأفرع شجر البوانسيانا ذات تيجان الزهور الكثيفة الحمراء اللون رائعة الجمال.
ملائكة على عرفات
ما الذي يجعل بعض الحجاج المسلمين، وهم فوق جبل عرفات أقرب إلى السلوكيات المثالية، لكنهم لا يواصلون ذلك حينما يعودون لممارسة حياتهم العادية؟ وما الذي يمنع البلدان الإسلامية من الاستفادة من الطاقة الهادرة والجبارة لهؤلاء الحجاج من أجل تقدم هذه الدول ورفعتها؟ طرح عماد الدين حسين هذه الأسئلة بعد أن أكرمه الله ووقف فوق جبل عرفات هذا العام متابعا في “الشروق”: في كل مشاهداتي، رأيت الصورة المثلى التي يفترض أن يكون عليها المسلم، بل الإنسان بصفة عامة. الهدوء والسكينة والدعاء والإيثار والكرم والشهامة وإغاثة الضعيف والفقير والمحتاج ونجدة الملهوف. رأيت حجاجا كثيرين يقدمون زجاجات المياه والعصائر ووجبات طعام ومظلات للوقاية من الشمس، مجانا، للحجاج. والسؤال ما الذي يمنع هؤلاء أو بعضهم عن الاستمرار في ممارسة السلوك نفسه طوال الوقت، وليس فقط في موسم الحج؟ لو أن هؤلاء الحجاج أو معظمهم استمروا في ممارسة هذا السلوك طوال حياتهم، فأغلب الظن أن الأمة الإسلامية سوف تكون في مستوى متقدم جدا عما هي عليه الآن. لا أعمم وأقول إن هذا التناقض موجود في كل البلدان الإسلامية، لأن هناك العديد من البلدان دمجت القول بالفعل، وحققت طفرات متنوعة علمية واجتماعية واقتصادية، بل إنسانية ملحوظة. وبلدان أخرى صارت في مصاف الدول الكبرى وأعضاء في مجموعة العشرين الأكثر غنى. لكن أنا هنا أتحدث عن بقية الدول التي لم تستطع غالبية حكوماتها ومواطنيها دمج القول بالفعل.
طاقة معطلة
النقطة الثانية التي اهتم بها عماد الدين حسين تتعلق بكيفية الاستفادة من هذه القوة الهادرة والروح الوثابة الموجودة لدى الحجاج. وهذه النقطة لفت نظري لها صديق عزيز مهموم بأحوال المسلمين وتخلفهم في كثير من المجالات. هو يعتقد أنه لو تمكنت المجتمعات الإسلامية من استغلال هذه القوة الهادرة الروحية والعملية والإنسانية لحققت تقدما كبيرا في النمو والازدهار. كيف يمكن فك التناقض بين الطاقة الهادرة والروح المتوثبة والكرم والإقدام والشجاعة والتحمل، وما يسود العديد من المجتمعات الإسلامية من تخلف وتأخر وكسل وخمول وفقر؟ المؤكد في الإجابة عن السؤالين أن هناك جانبا يتحمله الفرد وجانبا آخر تتحمله الحكومات والمجتمعات. الفرد أو الحاج مطلوب منه أن يكون سلوكه في الحج مماثلا أو ـ على الأقل ـ مقاربا لسلوكه في الأيام العادية، سواء في تعامله مع أسرته أو عمله أو مجتمعه. مطلوب منه أن يضرب المثل الأعلى في كل شيء، ينبغي لحاج مثلا أن لا يعطل مصالح الناس بحجج واهية، أو يطلب منهم مقابل أداء عمل يتقاضى عنه أجرا بالفعل. وتتحمل المجتمعات والحكومات مسؤولية مهمة تبني سياسات تستغل هذه القوة والطاقة الهادرة لمصلحة عموم الناس في هذه البلدان. وهذا جانب مهم، لأنه سيؤدي إلى شيوع روح العمل والنظام والمسؤولية ومحاربة كل المظاهر السلبية التي ينهى عنها ديننا الحنيف. أتمنى أن تتطابق سلوكياتنا في الحج، مع سلوكياتنا في الأيام العادية. ومرة أخرى عيد مبارك وسعيد للجميع في مصر والدول العربية والإسلامية وسائر بلدان العالم.
كساد في العيد
قد يكون هناك من يعزف عن التضحية بما يملك من مال أو ممتلكات، ويؤثر الاحتفاظ بما يملك وفق ما أشارت إليه سناء السعيد في “الوفد”، بعد أن هيمن عليه شعور التفرد بما لديه، والرغبة في عدم التفريط فيه حتى لو كان ذلك عبر تضحية يبذلها لوجه الله تعالى. وهنا نورد قصة سيدنا إبراهيم كنموذج يؤكد لنا أن قرار التضحية يجب أن يكون بشكل طوعي وعن اقتناع تام، ليكون من يقوم به قد تخلى عما يعطيه للآخر. لتكون التضحية هنا هي عملية تتضمن اتخاذ خيار واحد، والتضحية في المقابل بخيارات أخرى، وهو ما اجتازه سيدنا إبراهيم بكل نجاح داخل نطاق جغرافي محدود له معانٍ كونية تشمل كل البشر. اليوم مطالبون باتخاذ خيارات مصيرية تجاه الأوضاع التي يعيشها الفقير، الذي يكون في أمس الحاجة للمساعدة. فإذا سعينا إلى بذل المساعدة كان هذا في الواقع اختبارا لقدرتنا على التضحية لما لها من معانٍ نبيلة ومقاصد سامية في مناسبة دينية مهمة مثل عيد الأضحى. وقد يكون هناك من يشكك في شعائر العطاء ويتصدى لها مشككا في تطبيقها، إلا أن الاحتفاء بعيد الأضحى يكون بالاقتراب أكثر من الحقيقة التي تدعو إلى البر والعطاء، والابتعاد بالتالى عن الزيف والكذب الذي يتلقفه البعض ويحاول بنشره أن يطمر هذا العمل الخيري. يأتي عيد الأضحى المبارك بشارة خير للجميع، وتزكية نفوسنا. إنه اليوم الذي يعبر فيه المرء عن شكره لله سبحانه وتعالى على ما أنعم به علينا من إنزال القرآن الكريم في ذلك الشهر، وشكره على توفيقه لنا في التزامنا بأوامره واجتناب نواهيه. إنه عيد الأضحى يوم فرح وسرور وزينة.
دون إسراف
يحب الله في ذلك العيد الذي يحتفل به العالم الإسلامي حاليا أن تظهر النعم على عباده، من خلال رداء جديد وتناول الطيب من الطعام، ولكن وفق ما حذرتنا سناء السعيد، دون إسراف ودون خيلاء. وفي هذا اليوم أحل الله الطيبات من الطعام واللباس، شريطة عدم الإسراف، لأن معنى العيد هو في الأساس شكر الله على نعمائه وعطائه، ولهذا فإن الإسراف من شأنه أن يخرج المرء عن حد المألوف المباح إلى دائرة المكروه والمحرم. الاحتفاء بعيد الأضحى يكون بالاقتراب أكثر من الحقيقة التي تدعو إلى البر والعطاء، والابتعاد بالتالي عن الزيف والكذب الذي يتلقفه البعض ويحاول بنشره أن يطمر هذا العمل الخير. يأتي العيد كبشارة خير للجميع، ولهذا يتعين على كل فرد أن يفرح ويسعد، ويعيش بهجة العيد ويسقط من اعتباره مشاعر الحزن والأسى. ويتعين عليه أن ينعم بالمناسبة السعيدة التي يتوجها عيد الأضحى المبارك بنسماته الرطبة. إنه عيد الأضحى الذي يعد إحياء لذكرى نجاة سيدنا إسماعيل عليه السلام من الذبح على يد سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما امتثل لأمر ربه وهم بذبحه، فناداه الله بألا يفعل، وقال تعالى في كتابه الكريم: (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين).
لحسن الحظ
يقول العنوان الذي لا يزال يشد اهتمام كارم يحيى في “المشهد”، منذ قبل إجازة عيد الأضحى أن “صندوق النقد الدولي يؤكد: مصر حققت نجاحا متميزا وعالميا في الإصلاح الاقتصادي”. وفي الخبر بشرى بالنجاح في تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال برنامج الصندوق. وكذا إشادة بتنفيذ البرنامج، وبأنه قصة نجاح متميزة، وتتصدر قائمة النجاحات في العالم ما أدى إلى رفع مستوى معيشة المصريين. أفخاخ تنصبها لمصر بالإضافة لبلدان أخرى باتت الديون تكبلها: هل تتذكر عزيزي القارئ كم مرة امتدح صندوق النقد الدولي الرئيس مبارك؟ وأشاد ببرنامج حكوماته “للإصلاح الاقتصادي”، وحتى إلى ما قبل أيام من ثورة يناير/كانون الثاني 2011. على أي حال “وإن كنت ناسي أفكرك” بتقاليد الصندوق ومسؤوليه العريقة في هذا المديح والإشادة، التي طالما تتلقفه وتتلهف عليه الصفحات الأولى للصحف التي تمتدح بدورها “الريس” وحكمته وحكومته. أفكرك لأن هذا الخبر “الطازة” قرأته مرات من قبل، وستقرأه كثيرا. والعنوان هنا منقول بالحرف من خبر منشور في عدد 14 أبريل/نيسان 1998 في جريدة “الأهرام”. ويحتفظ بصورة منه لحسن الحظ “أرشيف الصحافة المصرية” في الموقع الإلكتروني لمؤسسة “السيداج” الفرنسية بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية. وأقول لحسن الحظ لأن أرشيف “الأهرام” المفتوح داخل مصر أصبح يبدأ من عام 2013. ولعله حسنا فعل لأن الخبر يظل “طازه”.. ودوما.
مجرد أمنيات
جميل جدا على حد رأي أمينة خيري في “الوطن”، أن نحتفل بموائد فيها ما “سفرة العيد” قدر المستطاع، وفي حدود الإمكانيات. ورائع جدا أن نزور الأهل والأحباب ونحظى بلقاء من نحبهم في مناسبة سعيدة كهذه. وشكرا جزيلا لمن يحاول تعظيم فرحة العيد، لاسيما في ضوء الأوضاع الصعبة للجميع في مصر والإقليم، وذلك بطرح كميات إضافية من اللحوم، والتأكيد على سير المواصلات بكفاءة ومراقبة الأسواق قدر الإمكان، والتأكد من أن المستشفيات تعمل بكامل طاقتها تحسبا لأي طوارئ واستضافة الأطباء ليحدثونا عن مضار الإفراط في الطعام (ولندع اللحوم وشأنها)، لكن تبقى أمنيات الصحة والرضا والأمل في غد أفضل والعمل من أجل تحقيقه هي أفضل ما يمكن تبادله في العيد. وفي العيد يحظى كثيرون بفرصة راحة ما يعيد قدرا، ولو قليلا من الصفاء الذهني المفقود في زحمة الحياة وتواتر الأحداث بيننا وحولنا. الحكومة استقالت، وبينما نحن في انتظار الحكومة الجديدة الذي يقودها المقاتل الدكتور مصطفى مدبولي نفكر ونتأمل ونحلم. وفي الأوقات الصعبة، تشطح الآمال والأحلام، أو يهبط سقف التوقعات لدرجة تهدد بارتطامها بالأرض. الأوقات صعبة، لا في مصر وحدها، ولا حتى في الإقليم ونيرانه المشتعلة منذ قررت “حماس” القيام بعملية يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما تبعها من اشتعال جبهات موازية عدة من حوثيين إلى حزب الله ومنهما إلى إيران وغيرها، ولا باقي المنطقة من حرب ضروس في السودان، وبقاء الحال على ما هو عليه في ليبيا، وصفيح العراق الساخن، وحال لبنان بالغ الصعوبة، ناهيك عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، دون أي بوادر لحل ولو نصف عادل، مع العلم أن الاشتعال الحالي للحرب في غزة لم ولن يخدم القضية.
قفزة أمنية
يرى بلال الدوي في “الوطن” أن الاستقرار الأمني هو رقم واحد لأي دولة وأي شعب، ولا بد أن يكون هدفنا جميعا – دولة وشعبا – البحث عن (الأمن) والعمل على استمراره، «الأمن» هو المطلب الأساسي للشعوب، العيش في أمان هدف أسمى تسعى له جميع شعوب الأرض. مؤخرا أصبح «الأمن» أغلى ما تبحث عنه الشعوب بعد أن شاهدنا بأعيننا دولا شقيقة تضيع وشعبها لا يجد من يحميه، ولا يجد من ينجده ولا يجد من يغيثه، ضاعت دول شقيقة في خضم الفوضى الخلاقة وضاع معها الأمن والأمان والاستقرار، وضاع معها مستقبل شعب كان يحلم بالعيش الكريم الآمن، ضاعت دول بسهولة جدا. وضاعت معها أحلام شباب وأطفال كانوا يطمحون لمستقبل باهر يُخرجون فيه طاقاتهم ويفيدون بلادهم لكن «قدّر الله وما شاء فعل»، ضاعت دول في لحظات سهو كانت فيها الشعارات الجوفاء هي السمة السائدة بين أُناس تخلوا عن مبادئهم ومصالح بلادهم في سبيل تحقيق مصلحة شخصية مدفوعة بالدولار، وهو أسوأ دولار في تاريخ الشعوب والخونة الذين باعوا أوطانهم ببضع دولارات. أقول ذلك بعد أن حاول المغرضون إشاعة الفوضى في مصر، لكن الله حافظها، ووعى شعبها وصل للذروة، وجهازها الأمني وقف على قدمه بعد أن دفع رجاله الثمن غاليا من دم شهدائه الأبطال الذين ضربوا أروع الأمثلة في الفداء والتضحية من أجل أمن الوطن. أقول ذلك بعد أن شاهدت خطة وزارة الداخلية لتأمين مصر خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، خطة مُحكمة بها من الاحترافية الكثير ومن الهدوء المزيد ومن الانتشار الجيد الرائع ومن الوجود الأمني اللافت، دوريات أمنية مُتنقلة في كل مكان، كمائن ثابتة ومتحركة في كل مكان. الطرق السريعة يوجد فيها رجال الشرطة بكثافة، الطرق الواصلة بين المحافظات تم تأمينها بكفاءة عالية، رجال النجدة على أهبة الاستعداد لاستقبال البلاغات في كل المحافظات، رجال المطافئ مستعدون دائما لأي حالة طارئة.