جان بول سارتر
يمكن تعريف الفنان أنه الشخص الذي يستطيع أن يتعلّم احتمال كلّ شيء ما عدا أن يتغيّر نمط حياته. عندما يتبدّل شيء ولو بسيط في يومنا يختلف كلّ شيء معه. يذكر زياد الرحباني في حوار صحافيّ عن طفولته، أنه عاشها في بيت كان عبارة عن مشغل للكتابة والتلحين والغناء في كلّ وقت. أبوه يكتب الشعر وعمّه يوزّعه في ألحان، أو بالعكس، أو أن الاثنين يكتبان ويلحّنان في الوقت نفسه، وأمه فيروز تؤدي دائما. وفي أحد الأعياد قامت العائلة بسفرة استجمام إلى البحر والجبل، يقول زياد: «وهناك لم يختلف الأمر علينا أبدا. القصائد كانت تُطبخ على مهل مع أسياخ الشواء على النار، والتلحين على العود يتمّ في الحال، والمغنّي لا يملّ أو يتعب».
هو البحث عن الدهشة واكتشاف الوجود، وهذه حال لا تُدرك إلا بقلّة الرضا عن النفس، وترك التكاسل والبلادة، لأن اليوم الذي يتوقف فيه عملنا الدؤوب، تنشر الشيخوخة معطفها الأسود الثخين على سمائنا، نرتديه، ونتأهب للارتحال عبر الطريق الأخير. الفنّانون جميعا في الهوى سواء، وما زال القرطاس والقلم بين يديّ، فإن النهار والليل في اليوم لا يكفيان من أجل أن يسدّا خاطر هذا، ويملآ عين الآخر. أنت تحتاج أن تكتب كلّ يوم، ومن أجل أن تكتب فيجب أن تقرأ، وتسرق الساعة من هنا وهناك، في سبيل تحقيق ذلك، ولهذا تجدنا نرتحل ونحن نطالع، وكذلك حين نأكل ونشرب ونتنزّه وننام ونقعد. من حياة إميلي برونتي أنقل إليكم هذا المشهد من كتاب سيرتها بقلم ماري. ف. روبنسون: «كانت تستيقظ صباحا قبل الجميع وتقوم بأعمال المنزل الشاقة، قبل نزول تابي، الخادمة المسنّة والمتعبة، من غرفتها. كانت تكوي وتطهو. تصنع الخبز، وكان خبزها جيدا. وأثناء عجنها للعجين تختلس نظرة على الكتاب المفتوح أمامها. وتتذكّر أولئك الفتيات، اللواتي كانت تدعوهنّ لمساعدتها في أعمال المطبخ، كيف كانت تحتفظ بقصاصة من الورق وبقلم إلى جانبها، وحين تأتي اللحظة التي تمكنها من التوقّف، عن الكيّ، أو الطهو كانت تدوّن بسرعة بعض الأفكار الملحّة ثم تتابع عملها». التعبير المناسب هنا هو أن لإميلي برونتي نشاطٌ أكّالٌ، وهو ما يجب توفّره لدى المرء ليكون فنانا.
التقى صديق لي بجان بول سارتر في السبعينيات، وسأله الفيلسوف الوجودي عن عدد ساعات قراءته في اليوم. يقول صديقي: خجلت من الرجل العبقريّ ورفعتُ العدد إلى 8. انتفض سارتر عندها وصاح به: ثماني ساعات فقط، وأنت في عزّ شبابك، فكم ساعة تعمل في اليوم حين تبلغ السبعين؟ بعد سنين العِشرة الطويلة مع اليراع، تبيّن لي أن التخلّص من مرارة أوهام الحياة الواقعيّة يحتاج منّا إلى 10 ساعات على الأقلّ في اليوم، أما الانقطاع الكامل للفنّ فيلزمه روتين ممنهج يستغرق الرقم الأقصى لساعات العمل في سيبيريا، وكان يقوم به المحكومون بالأشغال الشاقة أيام تشيخوف، وهو اثنتا عشرة ساعة ونصف الساعة، كما يخبرنا الكاتب في زيارته إلى جزيرة ساخالين، في كتابه الذي يحمل هذا العنوان.
إن شغف الكتابة ليس عملا فقط، بل هو حاجة ملحّة كالجوع والعطش والحبّ. لنتصوّر أن أحدا يظمأ ويجوع ويستغرق منه تناول الشراب والطعام اثنتي عشرة ساعة ونصف الساعة، ويطول لديه فعل الحبّ إلى مثل هذا العدد من الساعات. إنني لا أتّفق مع القائل (وهو ألبير كامو) واصفا حياته مع صنعة الأدب: «يجب تخيّل سيزيف سعيدا» فرغم هذا العناء والمشقّة يمكن للأدب أن يحيل أيّ بيت صغير إلى حديقة واسعة حافلة بالورد. ليس ثمة ما يدعو بوريس باسترناك أن يعلن في رواية «دكتور جيفاكو» غير الشغف بالعمل: «الحياة قبل كلّ شيء، عدم الاستسلام للأرق. عدم النوم. العمل طوال الليل حتى الخبل. حتى السقوط جثّة هامدة من التعب، ثم هذا. إشعال النار حالا في غرفة النوم كي يتجنّب البرد القارس هذه الليلة». الرغبة المحمومة لإنجاز الفن هي التي تدفع الكاتب إلى العمل في الطقس القارس، بلذّة لا توازيها لذّة، موفّرا الحطب إلى ساعات النوم: «كان يكتب أشعارا عن لارا، وكلما يشطب ويعيد الكتابة كانت لارا شعره تبتعد عن لارا الحقيقيّة». لكن لِمَ هذا العناء كلّه؟ ضمّني مجلس مع أصدقاء أدباء، سعد محمد رحيم وأسعد اللامي وعبد الزّهرة علي، الأوّلان ذهبا إلى دار البقاء، والثالث أطال الله في عمره، وكان أن توجّه أحدهم إلينا بالسّؤال:
– لمن نكتب؟
وكان جواب أحدنا أني أكتب للقارئ، وآخر أفتى بأن ما يهمّه بالدرجة الأولى هو النّاقد. لكني قلت لا أفكّر حين أكتب بالقارئ أو الناقد، وإنما بقومي الذين أنتمي إليهم، وهم الأدباء والعلماء والمفكّرون الذين تشكّلت مما أنجزوه خريطتي الجينيّة، في كلّ خليّة من بدني، وكذلك بالطبع أسلافي وأمي وأبي وخالتي جميلة، وأخواتي وإخوتي وبقيّة أسرتي وأصدقائي وعشيرتي وقومي ووطني، الذي هو كلّ العالم.
لكلّ شخص ميدانه، الآخرون يأكلون ويشربون ويتناسلون وينامون، ويقضون بقيّة الوقت في حالة توتر دائم، حتى في النوم. وتقع على الفنان مهمة تسلّق الجبل، والإطلالة على الوجود من هذا الموقع في وضع مستريح، وكتابته أو رسمه، أو نحت ما يدور على السفح وفي الوادي من أحداث، وتقييمها، وإبداء الرأي فيها إلى مجمع الآلهة. أهمّ ما في الأمر هو أن يكون العمل الأدبي غير شخصيّ، ويقوم به الكاتب بطريقة منظّمة ومُتقنة ودقيقة، تشبه طريقة الأشجار العالية في تركيب جذوعها البالغة المتانة، وأنهيت حديثي مع الأصدقاء الأدباء بهذه الجملة، التي عبّرتُ فيها عن مهادنتي للشّعور بالعجز الذي أتجرّع مرارته، كلّما قرأتُ عملا أدبيّا لامعا: «ونحن في الأخير لا نلحف في طلب المستحيل».
مثل زيز الحصاد
وضع إيتالو كالفينو قبل وفاته خمس وصايا للفنان في الألفيّة الجديدة: الخفّة والسرعة والدقّة والوضوح والتعددية، وهذا يأتي بالطبع مع الخبرة وانهمار السنين، في الكدّ والعمل، وتحمّل المشاقّ وتجاوز العقبات والحرائق في الطريق. كلّ هذا في كفّة، والوصيّة الأهمّ، في رأيي، في كفّة مقابلة، وهي شعور الفنان بالمتعة كاملة وغير منقوصة، لأيّ سبب كان خلال اشتغاله. يُنسب هذا الكلام الشريف إلى نبيّ المسلمين المصطفى: «اللهمّ اجعلني أحببُ عملي».
إذا أراد الفنّان أن يكون عمله أعجوبة فلا بدّ من أن يتّصل ببركة البارئ عزّ وجلّ، وهذه تحتاج إلى معجزة. هل نستطيع القول عن أعمال الفنّانين العظيمة إنها معجزات العصر؟ مثلما يحدث في نظرية الأواني المستطرقة، عندما يكون مستوى السائل فيها واحدا، كذلك متعة الفنّان أثناء تأدية عمله، فهي تذهب منه مباشرة إلى القارئ أو المتلقّي. إن كانت لديه منقوصة أو قليلة أو معدومة، جاءت صورتها لدى القارئ مطابقة تماما، وسعيد الحظّ منّا من استطاع نقلها إلى الناس من جميع المستويات، كاملة.
السرعة والدقّة والوضوح، والمتعة أثناء العمل؛ أنجز فان غوخ عشر لوحات في أسبوعين فقط، خلال زيارته مقاطعة بروفانس في الجنوب الفرنسي. كان يعمل بسرعة استثنائيّة وبأشدّ ما يستطيعه من «صدق وعبث وتشويه» لعناصر الواقع، من أجل «بلوغ حالة اللانهاية في الرسم». كتب في ذلك اليوم إلى أخيه ثيو: «سريعا، سريعا، سريعا ومستعجلا، مثلما يفعل الحصّاد، الذي يعمل صامتا تحت الشمس الحادّة ولا يهتم بشيء غير حصاده.. أعمل حتى خلال وقت الظهيرة، تحت الشمس، وأستمتع بذلك مثلما يستمتع زيز الحصاد» بالإضافة إلى ما تقدّم يُضيفُ بورخيس وصيّة أخرى للفنان: «العَرَضيّة» ويوجز شرحها بهذه الكلمات: «الطريقة الوحيدة لإنتاج عمل فنّي عظيم، تتمثّل في عدم أخذه على محمل الجِدّ الكثير، وعدم منحه أهميّة أكبر، بل بالتسلّي قليلا، أو مثلما يقول علماء النفس الحاليّين، بِتَرك اللاوعي ينساب، أو مثلما يقول آخرون ربّة الفنّ، أو الروح القدس، كلٌّ سواء».
لو فكّرنا بطبيعة التأليف الأدبي – والإبداع الفنّي بصورة عامة – على أنه ليس عملا ذهنيا أو عضليّا يقوم به الفنّان، وإنما هو جزء من ذاته سوف يظهر للعيان. بعبارة أقصر عمل الفنّان هو إحدى صفاته، كالطول ولون البشرة والشّعر والعينين، فهو يعمل من أجل أن يؤكّد ذاته، وأيّ تهاون تكون نتيجته التقصير في توقير الذات، وربما أدّى ذلك إلى التأثير بالسلب على إحدى صفاته، أي أنه سوف يستيقظ في الغد ويجد قامته قصرت، أو اختفى شَعره من ناصيته، ولا تعجبوا لكاتب انقطع عن هذا الروتين اللذيذ فجأة، فأطلق النار على نفسه، وقصّة انتحار همنغواي شهيرة.
كاتب عراقي