«الكتاب الذي يُهدى يُقرأ بعد سنوات» بهذه العبارة غير المكتوبة قدم لي الروائي العماني محمود الرحبي روايته «طبول الوادي» الصادرة عن محترف أوكسجين للنشر في طبعتها الأولى سنة 2023. وكأنه أراد من خلال تلك الجملة أن يعبر عن رأيه في الكتابة التي تكون بمثابة دعوة إلى فضاء مفتوح، إلى نفث دخان لا أكثر، أو إلى تخطي الزمن الذي غالباً ما يكون عائقاً في تلقي الحميم وفهم المشترك من صراعاتنا. قبل أن أبدأ قراءة الرواية، تساءلت: ما المُنتَظر من كاتب يقول لك «لا تقرأ روايتي الآن» وهو يشير في اللحظة ذاتها إلى طبول تُقرع في الخفاء؟
يبدأ الكاتب محمود الرحبي روايته بتخطي فكرة الزمن، منبهاً إلى أن هذا العمل لا يُقرأ «إلا بصفته رواية تستحضر زمناً لن يعود». هذه الـ»لن» الحادة التي تقف في منتصف ذاكرتنا عن العالم وصلاتنا به، متأهبة للسؤال الضمني عن المعنى من كتابة تعلن منذ البدء أنها كتابة عما سبق وتم فقدانه إلى الأبد. «استحضار ما لن يعود» يفتح الأبواب السرية للغة منفلتة من نفسها، في سرد يضيء الأماكن المجاورة لأحداث يبدو أنها نُسجت على مقاييس المصادفة واللامبالاة، طالما أن الغاية هي الهرب.
في هذه الرواية هناك أصوات وضجيج، سأم وحاجة إلى العيش. ثنائيات تتداخل بين مكانين: «وادي السحتن» القرية الهادئة التي ما زال «التمر فيها يزاحم النقود في شراء بعض السلع» و»وادي عدي» البلدة الأكثر تحضراً والتي «تعد نموذجاً مصغراً للتمازج بين الألسنة، وكثرة سكانها تجعل الأصوات فيها تتزاحم كأنها تخرج من حنجرة واحدة». يبدأ الصوت رحلته في هذه الرواية من الاستماع إلى أصوات الطبيعة في ظلام الكهوف، وهي الكهوف التي لجأ إليها بطل الرِواية «سالم بن محسن» مع أصدقائه لاكتشاف أصداء الحواس التي تتلمس العالم من حولها تحت شمس عارية. عاش سالم طفولته بين الصخور الموسيقية التي تحمل تاريخ الصوت الإنساني، ويمكن الاستماع إلى عزفها في الخلاء في كل مكان في العالم. من هناك بدأ الصوت رحلته تاركاً آثاره اللامرئية في أشكال وتصاوير كانت تُحدد بالأماكن التي تتردد عبرها الأصداء. في البحث عن آثار الصوت، ثمة أعمدة صخرية مزينة بنقاط حمر، تحمل كل العلامات التي تشير إلى تعرضها للضرب مراراً وتكراراً، لينظر إلى تلك الأماكن على أنها ممتلئة بالأرواح ومقدسة. وهذا ما لاحظه الكاتب ديفيد هندي في كتابه «الضجيج تاريخ إنساني للصوت والإصغاء» حين تحدث عن مراحل تطور الصوت منذ بداية خروجه من الأرض التي وُصفت بأنها أداة موسيقية كونية تشكل الكائنات أوركسترا الحيوانات الكبرى فيها، إلى المدن التي أصبحت أقرب إلى مستعمرات لأصوات الآلة والضجيج. يقول على لسان الملحن جون كيج «في أي مكان نكون فيه فإن ما نسمعه في الغالب هو الضجيج، يزعجنا عندما نتجاهله، ويطربنا حينما نصغي إليه».
يشير محمود الرحبي عبر «طبول الوادي» إلى أصوات متعددة، بدأت بالقرع الخفيف من الهواجس، والرغبات، والمخاوف، إلى هذيانات التمرد التي أطلقتها رصاصة الأب. في القرية استمع سالم إلى غرائزه الأولى، وهي تتأهب إلى الخروج من بين الصخور، والآبار، والأفلاج، واحتكاك الظلال ببعضها في بيئة قروية متقشفة تُتوارث فيها سلطة المكان، والعادات، والطاعة. هناك بدأ بحثه عن جحور أكثر إنسانية، وكهوف يتصاعد منها الغناء، في سرد مكثف يستنطق الأشياء، والانفعالات، والملامح، ويشغل فضاء النص بإحالات تستتبع يقظة القارئ وأحلامه.
يصف محمودالرحبي الفونيم الخاص للكلمات، بأنه لا يرتبط بالنطق وحده، وإنما يتشكل أيضاً عبر المكان الذي وجد فيه، فيبين اختلاف الكلمات الآتية من مكان الطفولة في «وادي السحتن»: حيث «كانت كل كلمة تحمل معناها كاملاً» و»يصل المعنى ما دامت الكلمة خرجت من الشفاه، ومن أي مكان يمكن أن تأتي منه. من خلف جدار طيني، أو من مياه ساقية، أو من حلق حفرة، أو من رأس نخلة، أو من بين أكمة الأشجار، أو حتى من عمق بئر». «والكلمات التي تشكلت في «وادي عدي» المكان الأكثر تحضراً، حيث «هذا الضجيج الذي يُسمع الآن متداخلاً بين العربية، والهندية، والافريقية، والبلوشية، وما بين هذا وذاك من لهجات عمانية». حتى الشخصيات في هذه الرواية تبدو آتية من مرايا الصوت. نتعرف في القرية على «عيسى المعتوه» الذي لم يعد له صوت مسموع بعد زواج حبيبته من رجل آخر، وسجنه لسنوات إثر حادثة قتال من أجلها، وقد تحول صوته إلى حركات مبهمة، يقوم بها وهو لا يكترث بنفث دخان السجائر، ورسم القلوب التي تخترقها السهام على الأرض الترابية. بينما تظهر شخصية أخرى مزدحمة بالأصوات التي لا غاية لها إلا إسكات الصمت الذي ينخر عظام الرأس، وهي شخصية «زهران» الذي «يلعلع بلسانه، ويداه تتحركان بلا توقف، والذي يصل به أمر كراهية الصمت إلى أن يحرك لسانه حتى لوجود القطط اللابدة أمام محله، حيث لا يجد من يصغي إليه من البشر».
نقرأ في هذه الرواية، الصوت الذي بدأ خافتاً تحت وقع ضربات العصا، وحيث تزحف ظلال الأم، وتخرج شجرة «القاو» المعمرة برأسها المتجهم، ثم ارتفعت وتيرته عندما اختُرق الطريق الترابي للمدينة من منتصفها، المدينة التي «تنبو من جدرانها حدبات أجهزة التكييف كطعنات في الأظهر». هناك تصاعدت أصوات طبول أخرى لم يكن سالم قد اكتشفها في حياته القروية التي يعرف فيها كل إنسان الآخر كجزء منه. هناك اكتشف طبول الجوع، والحيرة، واختراق المجهول، بعد أن خرج من حدود المحظور والضرب في القرية التي تبتلعها الجبال. لا تتوقف صراعات سالم مع أصوات الطبول بعد موت الأب، بل كأن الصوت العظيم للطبل الواحد قد تفرع إلى سلالة من الطبول الصغيرة التي تحفر الهواء حوله. تحت عنوان «الباب المفتوح» وهو عنوان الفصل الأخير من الرواية، يتحدث سالم عن «صوت أبيه الذي يميزه كل من في القرية». هذا الصوت الذي لم ينفع معه الهرب، ولم يغيبه الموت، ليبقى تائهاً في فراغ لا ينتهي.
محمود الرحبي، كاتب وروائي عماني، ولد في قرية سرور سنة 1969. درس الأدب العربي في جامعة الملك محمد الخامس في المغرب. من رواياته: «خريطة الحالم» 2010 و«فراشات الروحاني» 2013 و«أوراق الغريب» 2017 و«المموه» 2023. حصلت مجموعته القصصية «ساعة زوال» على جائزة السلطان قابوس في دورتها الأولى 2012. ووصلت مجموعتاه القصصيتان: «لم يكن ضحكاً فحسب» و«صرخة مونش» إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة العربية.
كاتبة وشاعرة سورية