منظمة العفو الدولية تتهم مصر بترحيل لاجئين سودانيين قسرا إلى بلادهم

تامر هنداوي
حجم الخط
3

القاهرة- “القدس العربي”:

قالت منظمة العفو الدولية، إن السلطات المصرية نفذت منذ سبتمبر/أيلول الماضي اعتقالات جماعية للاجئين سودانيين على خلفية دخول البلد أو الإقامة فيها بصورة غير نظامية.

وأكدت المنظمة، أن المعتقلين احتجزوا لمدد تراوحت بين بضعة أيام وست أسابيع، في ظل ظروف احتجاز قاسية ولا إنسانية قبل ترحيلهم قسرا إلى السودان بدون تقييم فردي للمخاطر المترتبة على الإعادة، أو إتاحة أي فرصة أمامهم لطلب اللجوء أو الطعن ضد قرارات ترحيلهم.

وواصلت المنظمة في تقريرها الذي حمل عنوان “كبلونا وكأننا مجرمين خطرين”: لا يزال عشرات الآلاف من المواطنين السودانيين الذين لا يحملون وثائق قانونية في مواجهة خطر الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية لمجرد وضعهم المتعلق بالهجرة.

وقالت المنظمة، إنها يساورها بواعث القلق البالغ بشأن الاعتقال والاحتجاز التعسفي لمواطنين سودانيين في مصر، لمجرد وضعهم كمهاجرين، وإعادتهم القسرية إلى السودان، حيث احتدم نزاع مسلح داخلي منذ أبريل/نيسان 2023.

 وأضافت: نفذت عمليات الترحيل غير المشروعة هذه بدون إجراء أي تقييمات فردية للمخاطر المترتبة أو إتاحة المجال لطلب اللجوء.

وأكدت المنظمة، ان عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين الذين لا يحملون وثائق قانونية بما فيهم أولئك الذين ينتظرون تحديد مواعيد مع المفوضية السامية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، خطر الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية إلى السودان.

وتابعت المنظمة في رسالتها: منذ سبتمبر/أيلول 2023، دأبت الشرطة المصرية وقوات حرس الحدود على تنفيذ اعتقالات جماعية اللاجئين سودانيين بناء على وضعهم كمهاجرين، بينما أعلنت المفوضية السامية ترحيل ما لا يقل عن 3 آلاف شخص في هذا الشهر وحده.

وزادت المنظمة: كان يجري أفراد الشرطة الذين في معظم الحالات يرتدون ملابس مدنية، عمليات فحص جماعية للهويات الشخصية مستهدفين الأشخاص السود في محافظتي القاهرة والجيزة؛ واعتقلوا كل من لم يحمل وثائق هوية أو تصاريح إقامة سارية.

وواصلت: في محافظة أسوان، قد يتعرض اللاجئون السودانيون للاعتقال، خلال السفر أو استقلال الحافلات، في شوارع مدينة أسوان وضواحيها، وفي المناطق النائية على الحدود مع السودان وفي المستشفيات العامة عند تلقيهم العلاج من الإصابات الناتجة عن حوادث الطرق خلال رحلتهم من إلى السودان.

وتابعت: بعد ذلك يحتجز المعتقلين في أقسام الشرطة ومعسكرات مكافحة الشغب ومنشآت مؤقتة أخرى مثل المستودعات والاسطبلات داخل المواقع العسكرية في أرجاء المحافظة لمدد تتراوح بين بضعة أيام إلى ستة أسابيع، قبل ترحيلهم قسرا.

وواصلت: يحتجزون في ظروف قاسية ولا إنسانية، بما في ذلك اكتظاظ أماكن الاحتجاز بالأشخاص، وعدم وجود مرافق للصرف الصحي والنظافة وعدم توفير الطعام الكافي والحرمان من الرعاية الصحية.

ولفتت المنظمة، إلى ان عمليات الاعتقال والطرد الجماعية بدأت بعد أن أصدر رئيس الوزراء المصري في 29 أغسطس/آب 2023، قرارا يلزم جميع المواطنين الأجانب في مصر بتنظيم أوضاعهم عبر إيجاد كفلاء مصريين الجنسية ودفع الغرامات، وفي ظل تصاعد الخطاب العنصري والمعادي للأجانب في وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات كبار المسؤولين حول الأعباء الاقتصادية التي تقع على مصر من جراء استضافة اللاجئين.

وقالت سارة حشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “من المستعصي فهم الإقدام على اعتقال النساء والرجال والأطفال السودانيين جماعيا بعدما عبروا الحدود فرارا من الصراع المسلح الدائر في بلادهم، وبحثا عن الملاذ الآمن في مصر، ثم احتجازهم تعسفيا في ظروف سيئة ولا إنسانية، وترحيلهم بصورة غير مشروعة.

500 ألف لاجئ سوداني

وأضافت حشاش: يجب على السلطات المصرية أن تضع حدا فوريا لهذه الحملة الخبيثة من الاعتقالات الجماعية والإبعاد الجماعي، وينبغي لها الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين التي تستوجب منها أن تكفل للفارين من الصراع في السودان عبورا آمنا وكريما إلى مصر، وسبل الوصول إلى إجراءات اللجوء دون أي قيود”.

وبحسب التقرير، فإن مصر على مدى عدة عقود، ظلت موطنا للملايين من السودانيين الذين يدرسون أو يعملون أو يستثمرون أو يتلقون الرعاية الصحية فيها، ويعفى من شروط الدخول النساء والفتيات السودانيات، والفتيان السودانيون دون 16 عامًا والرجال فوق سن الـ 49. وتشير التقديرات إلى أن نحو 500,000 لاجئ سوداني قد فروا إلى مصر في أعقاب اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل/نيسان 2023. ولكن خلال الأشهر التالية، فرضت الحكومة المصرية على جميع المواطنين السودانيين شرط الحصول على تأشيرة دخول قبل القدوم إلى مصر، مما اضطر الفارين من الصراع للهروب من خلال المعابر الحدودية غير النظامية.

محن الترحيل

ويوثق التقرير محن 27 لاجئا سودانيا اعتقلوا مع نحو 260 آخرين على يد قوات حرس الحدود التابعة لوزارة الدفاع وقوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية بصورة تعسفية، خلال الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومارس/آذار 2024.

كما يوثق كيف أعادت السلطات ما لا يقل عن 800 محتجز سوداني قسرا خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2024، وكيف حرموا جميعًا من إمكانية طلب اللجوء، بما في ذلك إتاحة الفرصة أمامهم للوصول إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أو الطعن في قرارات ترحيلهم.

ويستند التقرير إلى مقابلات أجريت مع لاجئين محتجزين، وأقاربهم، والقيادات المجتمعية بالجالية السودانية، ومحامين، ومهنيين طبيين.

التعاون مع الاتحاد الأوروبي

وتقول المنظمة: جاءت هذه الحملة على خلفية تزايد التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومصر على صعيد الهجرة ومراقبة الحدود، بالرغم من سجل مصر المزري في مجال حقوق الإنسان، وانتهاكاتها الموثقة توثيقا جيدًا ضد المهاجرين واللاجئين.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2022، وقع الاتحاد الأوروبي ومصر اتفاقا للتعاون تبلغ قيمته 80 مليون يورو، يشمل بناء قدرات قوات حرس الحدود المصرية لمكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر عبر الحدود المصرية. ويدّعي هذا الاتفاق أنه يطبق “مناهج قائمة على الحقوق وموجهة نحو الحماية ومراعية للنوع الاجتماعي”. غير أن التقرير الجديد لمنظمة العفو الدولية يوثق ضلوع قوات حرس الحدود في انتهاكات ضد اللاجئين السودانيين.

وفي مارس/آذار 2024، تم الاتفاق على حزمة أخرى من المعونات والاستثمارات، تُعدُّ الهجرة واحدة من ركائزها الرئيسية، في إطار شراكة استراتيجية وشاملة أعلن عنها حديثًا بين الاتحاد الأوروبي ومصر.

من خلال التعاون مع مصر في مجال الهجرة بدون ضمانات صارمة لحماية حقوق الإنسان، يخاطر الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها مصر.

 الاعتقال في المستشفيات

كما وثقت منظمة العفو الدولية اعتقال ما لا يقل عن 14 لاجئا أثناء وجودهم في مستشفيات حكومية في أسوان، حيث كانوا يتلقون العلاج الطبي لإصابات خطيرة تكبدوها في حوادث سير أثناء رحلاتهم من السودان إلى مصر، ونقلتهم السلطات – بخلاف نصائح الأطباء وقبل تماثلهم للشفاء التام – إلى مرافق الاحتجاز حيث أجبروا على النوم على الأرض بعد العمليات الجراحية التي أجريت لهم.

ومن بين هؤلاء أميرة، وهي امرأة سودانية عمرها 32 عامًا، فرت من الخرطوم مع أمها، وكانت تتلقى العلاج الطبي في أحد مستشفيات أسوان في أعقاب حادث تصادم سيارة في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدى إلى إصابتها بكسور في العنق والظهر. وقالت نورا، وهي إحدى قريبات أميرة، للمنظمة إن الأطباء أخبروها أنها بحاجة لرعاية طبية لمدة ثلاثة أشهر؛ ولكن بعد 18 يومًا فقط نقلتها الشرطة إلى أحد مراكز شرطة أسوان حيث أجبرت على النوم على الأرض لمدة نحو 10 أيام.

احتجاز أطفال

ولفتت المنظمة إلى احتجاز ما لا يقل عن 11 طفلا، بعضهم دون الرابعة من العمر، مع أمهاتهم في هذه المواقع.

وذكرت إسراء، التي تعاني من الربو، لمنظمة العفو الدولية أن الحراس في إسطبل الخيول المكتظ بالقرب من قرية نجع الكرور تجاهلوا طلبها الحصول على بخاخ استنشاق، حتى عندما طلبت منهم شراءه على نفقتها الخاصة.

كما قامت قوات حرس الحدود بإبعاد أحمد وزوجته، وطفلتهما البالغة من العمر عامين، ضمن مجموعة تتألف من نحو 200 محتجز، في 26 فبراير/شباط 2024، بعد احتجازهم طيلة ستة أيام في موقع أبو سمبل العسكري.

وقالت المنظمة، إنه منذ بدء الصراع في السودان، تقاعست السلطات المصرية عن تقديم بيانات إحصائية، أو الاعتراف بسياسة الترحيل التي تنتهجها.

وحثت المنظمة وزارة الداخلية المصرية، على وقف جميع عمليات الطرد الجماعي إلى السودان على الفور، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، بعدم نقل أي شخص إلى بلٍد كالسودان، حيثما يتهدده خطر حقيقي بالتعرض لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

وطالبت المنظمة بوضع حد للاعتقال والاحتجاز التعسفيين للمواطنين السودانيين، استنادا فقط لوضعهم كمهاجرين، والإفراج عن المحتجزين، ووضعهم في ظروف احتجاز تتماشى مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء، وإتاحة المجال أمامهم للاتصال بأسرهم ومحاميهم وتوفير أي رعاية طبية قد يحتاجونها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية