في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023 قام «حزب الله» بتوجيه ضربات الى شمال فلسطين المحتلة نصرة لغزة.. وبعد ثلاثة أيام من الهجوم، كانت دولة الاحتلال على وشك شن هجوم كاسح على لبنان تراجعت عنه في اللحظات الأخيرة. هكذا استمرت الضربات المتبادلة بين جيش الاحتلال والحزب على مدى ثمانية أشهر، ضمن قواعد اشتباك محددة التزم بها الطرفان، مع اختراقات محدودة تصاعدت وتيرتها في الأسبوعين الأخيرين بشكل ملحوظ.
ومع تزايد حدة الاشتباكات، تتجه الأنظار إلى السؤال الكبير: هل يمكن أن تتحول هذه إلى حرب شاملة؟
هناك عدة عوامل يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحليل هذه الإمكانية، ومنها الوضع العسكري والسياسي والاقتصادي لكل من إسرائيل ولبنان.
أولاً، تأزم الوضع العسكري لإسرائيل: بعد ثمانية أشهر من المعارك الشرسة في قطاع غزة، يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد استنزف جزءاً كبيراً من موارده النفسية والجسدية.
وقد كشفت التقارير العسكرية الصادرة مؤخراً، أن عدداً كبيراً من الجنود بدأوا يلجأون إلى المخدرات واستخدام الأدوية المسببة للإدمان وشرب الكحول لنسيان جحيم غزة. وهناك حالات انتحار بين الجنود، مما يعكس حالة الانهيار النفسي داخل الجيش، إضافة إلى ذلك، ظهرت دعوات من أهالي الجنود لأبنائهم برمي السلاح والعودة إلى المنازل. كما انتشرت تسريبات حول احتمال وقوع انقلاب داخل الجيش، مما يعكس أزمة ثقة داخل المؤسسة العسكرية.
من الجانب الاقتصادي، تعاني إسرائيل من تدهور ملحوظ. فقد حذر محافظ البنك المركزي الإسرائيلي، أمير يارون، من أن استمرار الحرب حتى سنة 2025 سيكلف البلاد حوالي 67 مليار دولار. هذا الرقم يُعتبر بسيطاً مقارنة بالتكلفة المتوقعة لحرب شاملة على لبنان، والتي تُقدّر بثلاثة أضعاف تكلفة الحرب على غزة، حسب ما أكده الباحث في الجامعة العبرية في القدس. حرب ستدخل إسرائيل في حالة ركود اقتصادي مشابه لما عانته بعد حرب 1973.. ركود لم تستطع تخطيه إلا بعد مرور أكثر من عشر سنوات.
هذه التكلفة الباهظة تضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الإسرائيلي المتضرر بالفعل.
أما لبنان، فيعيش أزمة اقتصادية مأساوية، حيث يتفاقم التدهور الاقتصادي بشكل مستمر وصادم. إنه يعاني من الأزمة الأسوأ على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. فمعظم سكانه دون خط الفقر، حسب تقارير البنك الدولي، علاوة على الأزمة السياسية الفاضحة، فاللبنانيون يعيشون في بلد لا رئيس فيه منذ شهور طويلة، بلد ينخره الفساد المتغلغل في كل القطاعات، بلد شيّعه زعماء الطوائف مراراً وتكرارا.
ففي ظل كل هذه الظروف، تبدو فكرة الحرب الشاملة مكلفة جداً وغير مستدامة لكلا الطرفين.
بالرغم من ذلك، لا يمكن تجاهل العوامل السياسية، وخاصة الوضع الداخلي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. نتنياهو يواجه ضغوطاً سياسية شديدة، حيث يصارع من أجل البقاء في منصبه وسط تراجع شعبيته.
في هذا السياق، قد يرى في الحرب الشاملة فرصة لتوحيد الصفوف الداخلية وتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأمد. أو قد يجد نفسه مضطراً لتقديم تنازلات أو قبول الوساطة الدولية لتجنب تفاقم الأوضاع.
أما «حزب الله» ، فرغم تهديداته المستمرة، يدرك جيداً التكاليف الباهظة لأي حرب شاملة على لبنان. واللبنانيون، المنهكون من الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، ليست لديهم مصلحة في اندلاع حرب جديدة. الضغط الشعبي يمكن أن يدفع «حزب الله» لاتخاذ مواقف أكثر مرونة. وقد يكون مستعداً للتفاوض إذا وجد أن هناك ضمانات حقيقية يمكن أن تحمي مصالحه وتحافظ على توازنه الداخلي.
في المجمل، فإن احتمالية شن حرب شاملة على لبنان تظل ضئيلة بسبب التكلفة العالية والمخاطر الكبيرة لكل من إسرائيل ولبنان. إلا أن الدوافع السياسية لنتنياهو قد تدفعه لاتخاذ قرارات غير متوقعة في محاولة لإنقاذ مستقبله السياسي. هكذا يبقى الوضع حساساً وقابلاً للتغير في أي لحظة، خاصة مع المساعي الأمريكية المستمرة للتوصل إلى تسوية بين «حزب الله» وإسرائيل.
فالولايات المتحدة، إلى جانب دول أخرى ذات نفوذ، تلعب دوراً محورياً في التوسط بين «حزب الله» وإسرائيل. وزيارة مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص، آموس هوكشتاين، إلى إسرائيل ولبنان تعد خطوة مهمة في هذا السياق، حيث تعكس جدية الجهود الدبلوماسية المبذولة لتهدئة الأوضاع. الدعم الدولي لمثل هذه الجهود يمكن أن يخلق ضغطاً على الطرفين للتوصل إلى حلول سلمية. فقد أكد هوكشتاين أن النزاع المستمر بين «حزب الله» وإسرائيل قد طال بما فيه الكفاية، وأنه يجب وضع حلول حاسمة لتجنب تصعيد الأمور إلى حرب أكبر.
بالتزامن مع زيارة هوكشتاين، نشر «حزب الله» مشاهد تتضمن تهديدات لأهداف متعددة في شمال إسرائيل، التقطتها طائرة مسيرة تابعة له، مما زاد من حدة التوترات. وقد رد وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بتصريحات تصعيدية، مشيراً إلى أن نصر الله يتفاخر بتصوير موانئ حيفا التي تديرها شركات عالمية ضخمة من الصين والهند ويهدد بتدميرها.
وأضاف كاتس أن إسرائيل تقترب من لحظة اتخاذ قرار بتغيير قواعد اللعبة ضد «حزب الله» ولبنان، مشيراً إلى أن أي حرب شاملة ستؤدي إلى تدمير «حزب الله» وتوجيه ضربة قاصمة للبنان. هذا التصعيد المتبادل يعكس مدى تعقيد الوضع وحساسيته.
في النهاية، نجاح الجهود الدبلوماسية يعتمد على قدرة جميع الأطراف على تقديم تنازلات مقبولة والتوصل إلى حلول وسطية تلبي الحد الأدنى من مصالحهم. التحديات كبيرة، ولكن الحلول الدبلوماسية تظل الخيار الأكثر واقعية وأقل تكلفة بالمقارنة مع الحرب الشاملة.
كيف يستعد اللبنانيون للحرب؟
بعد الحروب النفسية والعسكرية التي واجهها اللبنانيون على مدار سنوات طويلة، وصلوا إلى حالة من عدم الاكتراث بالتهديدات الخارجية، متبنين ثقافة عزل النفس عن البؤس والحروب والتشبث بالحياة. رغم التهديدات الإسرائيلية بحرب شاملة، تزايدت حركة الطائرات القادمة من بلاد الاغتراب إلى لبنان، حيث يستعد مطار بيروت الدولي لاستقبال آلاف المغتربين لقضاء عطلة الصيف.
وقد امتلأت الفنادق والشاليهات بالحجوزات، مما يعكس رغبة اللبنانيين والمغتربين في الاستمتاع بالصيف رغم كل التحديات. كما بدأت الحفلات الموسيقية والمهرجانات في العاصمة بيروت. هكذا أحيا النجم المصري عمرو دياب حفلاً ضخماً هذا الأسبوع حضره آلاف اللبنانيين، مما أدى إلى إغلاق أهم شوارع العاصمة.
وقد نشر اللبنانيّون الحاضرون عددا كبيراً من المقاطع المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهم يتمايلون على أنغام الموسيقى ويغنون معه.
هذا الإقبال الكبير على الحفلات والفعاليات الصيفية ما هو إلا انعكاس لروح المقاومة والصمود لدى اللبنانيين، الذين يفضلون الاستمتاع بالحياة ومواجهة التحديات بروح من التفاؤل والأمل.
إن هذا المشهد يعبر عن قوة الشعب اللبناني في مواجهة الأزمات والتمسك بالفرح، مهما كانت الظروف المحيطة بائسة.
كاتبة لبنانيّة