غزة ـ «القدس العربي»: أزمة عطش خانقة تضرب غزة، بسبب عدم توافر المياه النظيفة وحتى غير النظيفة لسكان القطاع، لإصرار الاحتلال على استهداف محطات التحلية والآبار والخزانات، إضافة إلى إغلاقه لمعبري رفح وكرم أبو سالم في وجه المساعدات الإنسانية، وبينها السولار اللازم لتشغيل المحطات.
ففي مدينة دير البلح، على شاطئ البحر المتوسط، تعطلت آخر محطة تحلية، التي تغذي وسط وجنوب قطاع غزة بالمياه النظيفة، عن العمل، بسبب نفاد الوقود المشغل للمولدات، الأمر الذي أدى لاستنزاف كميات المياه الموجودة داخل الخزانات، إثر اصطفاف طوابير العطشى أمامها.
ويومياً، يصطف المواطنون في طوابير أمام محطة تحلية دير البلح، منذ الفجر وحتى الظهيرة، على أمل الحصول على بعض اللترات من المياه، لا تروي ظمأهم وأسرهم، وقد يعود بعضهم خائباً، يحملون قواريرهم خالية على ظهورهم.
وقبل توغل القوات البرية للاحتلال في رفح، جنوبي غزة، واحتلالها لمعبر رفح، في السادس من مايو/ أيار الماضي، عندما كانت محطة تحلية دير البلح تعمل بشكل جزئي، بسبب شُح الوقود، كان إبراهيم معروف يملأ حوالي 20 لتراً من المياه يومياً، تكفي بالكاد أسرة تتكون من 10 أفراد لمدة 24 ساعة.
واليوم لا يستطيع الرجل الخمسيني الحصول على لتر ونصف اللتر فقط من المياه النظيفة رغم اصطفافه في الطابور منذ التاسعة صباحاً. ويقول لـ «القدس العربي» خلال حديثه «لقد ضاع أملي الوحيد في تعبئة قارورة صغيرة بالمياه، أروي بها عطش أطفالي. لا أدري ماذا أفعل؟ هذه نقطة المياه الحلوة الوحيدة هنا، كل الآبار هنا تضخ مياهاً مالحة». وأشار بحزن إلى محطة تحلية دير البلح المطلة على شاطئ بحر غزة، فيما يتراص الناس في كل شبر منها، بأوانٍ فارغة.
وأخذ علي الغلبان يصرخ: «أنا أقف هنا منذ السادسة صباحاً، وقد قارب الوقت على الظهيرة، ولم أحصل على قطرة ماء تسد عطشي، والله تعبنا مما يحدث فينا».
وقد أصيب الشاب الثلاثيني بالدوار من ارتفاع الحرارة وتخطيها 40 درجة وتعامد أشعة الشمس على رأسه مع حلول وقت الظهيرة.
وشرب علي من مياه البحر، عملابالمثل القائل: «اللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة» لكنه عاد ليؤكد على حرمانية ما يفعله الاحتلال في الشعب الفلسطيني منذ بدء العدوان على قطاع غزة، في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2023 وحتى الآن. ويقول لـ «القدس العربي» خلال حديثه «تعبنا، والله حرام الذي يحصل لنا، الناس تقف هنا منذ السادسة صباحًا، تريد شربة ماء فقط وليس طعام، ومنهم من أصيب بضربة شمس».
وفشلت سامية عبد الله، (36 عاماً) في ملء جركن مياه تسقي منه أطفالها. وتشعر ربة المنزل الغزية بالخيبة الشديدة إثر ذلك. وتقول لـ «القدس العربي»: «أولادي عطشى ينتظرون كوب مياه، لا أدري كيف سأرجع لهم بلا قطرة مياه واحدة؟ ماذا سأقول لهم؟ سأعود إلى البيت دون مياه للطبيخ أو الغسيل أو الشرب».
ونزح رفيق سلطان، (39 عاماً) من رفح، إلى دير البلح، بعد اجتياح الاحتلال للمدينة الواقعة أقصى جنوبي قطاع غزة، وبينما هو في الطريق برفقة عائلته، وجد محطة تحلية المياه، فظن أن بإمكانه ملء بعض عبوات المياه، قبل الوصول إلى مقصده، لكن قضى نحو 5 ساعات دون الوصول إلى نقطة مياه واحدة.
ويحزن الشاب الثلاثيني ليس على نفسه، وإنما على كبار السن والرضع، الذي سيقضون يومهم بل أيامهم المقبلة من دون مياه نظيفة: «أريد فقط لتر مياه واحدا، ولكنني لم أفلح في الحصول عليه. أنا شاب وأتحمل، لكن ماذا كبار السن والأطفال الرضع؟ والتي تريد تحضير لطفلها رضعة.. هل تذهب له وتسحب من مياه البحر وترضعه؟! هذا ما يحصل».
ويتمنى رفيق خلال حديثه لـ «القدس العربي» أن يصل صوته إلى جميع دول العالم، عسى أن يوجد فيهم من يهب لنجدة أهالي غزة.
ويكمل حديثه: «يا شعوب العالم ورؤساء الدول، نطالبكم بتوفير أقل مقومات الحياة لشعب غزة، أكثر من 1.5 مليون في وسط وجنوب قطاع غزة أصبحوا يلهثون وراء بعض اللترات القليلة من المياه، بعد أن نجح الاحتلال في تجويعنا، متجاهلاكل المطالب الدولية بضرورة إدخال السولار إلى محطة دير البلح، لإعادة تشغيلها، وإنقاذ المدنيين من الموت عطشاً».
ودمر الاحتلال جميع آبار المياه والصرف الصحي في شمال قطاع غزة، والبالغ عددها نحو 35 بئرًا، ما فاقم معاناة النازحين والسكان في الحصول على المياه النظيفة أو حتى غير الصالحة للشرب، فيما ينتظر المواطنون في شمال القطاع ومخيم جباليا شاحنات المياه التي توفرها بلدية مدينة غزة، لملء عبواتهم ببعض لترات من المياه، لا تروي ظمأهم مدة ساعة أو ساعتين وسط الحر الشديد.
وينجو محمد عليان من الجوع عن طريق تناول الزعتر دون خبز، ليصطدم بالعطش، وها هو يقف بفم جاف ومفتوح في الطابور أمام عربة المياه، التي تأتي مخيم جباليا أحياناً، وتغيب كثيرة، بسبب الأحزمة النارية التي يفرضها الاحتلال على المخيم، والتي تمنع المساعدات من الوصول إليهم.
يشعر عليان أيضاً بالأسى ليس على حاله وإنما على كثير من الأطفال والنساء الموجودين في الطابور، وقد أكل الجوع والعطش من أجسادهم النحيلة ما أكل.
ويقول لـ «القدس العربي» خلال حديثه: «والله حالنا مأساوي. لا أحد ينظر إلينا. إنها حرب إبادة تستخدم فيها جميع الأسلحة، دبابات وطائرات ورشاشات، بالإضافة إلى سلاح الجوع والعطش».
ويتمسك الشاب البالغ من العمر 33 عاماً، بالصمود أمام كل محاولات الاحتلال، لإنهاء الوجود الفلسطيني في قطاع غزة: «سنظل صامدين أمام آلة البطش الإسرائيلية، التي لا تعرف أي معنى للإنسانية، حتى وإن متنا من الجوع والعطش». وحذر مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة من تعرض مئات الآلاف في شمالي القطاع للعطش، نتيجة اشتداد أزمة نقص المياه الصالحة للشرب، بعد تدمير جيش الاحتلال محطات تحلية المياه والآبار في مدينة غزة وشمالي القطاع، إضافة إلى عدم توفر الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه.
ولم يقم الاحتلال بتدمير محطات وآبار المياه في قطاع غزة فحسب، بل وصل تغوله إلى سرقة مياه الشعب الفلسطيني من الخطوط الرئيسية في الضفة الغربية لفائدة المستعمرات، وهو ما كشفه أحمد مجدلاني، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني.
وقال خلال كلمته في أعمال القمة اليورومتوسطية للمجالس الاقتصادية والاجتماعية في جمهوريا مالطا، إن حكومة الاحتلال تقوم بعملية نهب منظمة للمياه لصالح المستعمرات.
وأوضح أن المستعمر يستهلك من المياه 13 ضعف المواطن الفلسطيني، فيما يسيطر الاحتلال على حوض مائي في الضفة الغربية يحتوي على 750 مليون كوب في السنة.
وأشار إلى الحوض المائي في منطقة سلفيت، حيث تسرق منه حكومة الاحتلال 300 ألف كوب لصالح خط عابر إلى النقب وخط إلى غزة. وأكد أن سيطرة الاحتلال على الموارد المائية يهدد الأمن الغذائي في فلسطين، والذي يترافق أيضا مع السيطرة على الأراضي الزراعية لمصلحة ما سماه «غول الاستعمار».