بعد طوفان الأقصى: إسرائيل ولعنة العقد الثامن الذي يخشى منه اليهود

حسين مجدوبي
حجم الخط
1

 لندن ـ «القدس العربي»: تستمر حرب قطاع غزة في الكشف عن الكثير من المفاجآت العسكرية التي تصب في غالبها في إضعاف إسرائيل رغم حرب الإبادة التي تمارسها ضد الفلسطينيين، ولعل آخرها التوتر وخشية الكيان من مفاجأة حقيقية بعدما نجح في إعداد ما يعرف بـ «سيناريو القيامة» الذي يتجلى في حرب شرسة يأتي بعدها نزوح الإسرائيليين نحو الغرب. الأمر الذي يعني بداية تفكك أهم عنصر تقوم عليه إسرائيل وهو تجميع الشتات وليس تشتيت اليهود.

وحشية ضد الفلسطينيين وحذر من لبنان

وتمارس إسرائيل نوعين من الحروب في مواجهة المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، ومتوحشة إلى مستوى الإبادة في حالة الثانية نظرا لصمت المنتظم الدولي على الجرائم ثم ضعف القوة العسكرية الفلسطينية في الوصول إلى قلب مدن الكيان. في الوقت ذاته، حذّرة بشكل كبير في حالة الأولى، ويعود هذا إلى الخوف من عواقب الحرب في مواجهة حزب الله. في هذا الصدد، كشف زعيم حزب الله حسن نصر الله في خطابه يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري أن الحرب إذا فُرضت على لبنان فإن مقاتلي الحزب سيخوضونها دون «قواعد أو أسقف» ولوح بأن «دخول المقاومة إلى الجليل الأمر الذي يبقى مطروحًا في حال تطور المواجهة… نحن كمقاومة حضرنا أنفسنا لأسوأ الأيام». وفي جملة أخرى «العدو يعرف أن ما ينتظره أيضًا في البحر المتوسط كبير جدًا وكل سواحله وبواخره وسفنه ستُستهدف».
وعلى ضوء هذا الخطاب التهديدي ثم التطورات المفاجئة التي تحملها حرب طوفان الأقصى، هل يمكن التأكيد على وجود إسرائيل أمام أكبر تحد لها منذ نشأتها في أواخر الأربعينات حتى يومنا هذا؟ في البدء، لا تلعب المفاوضات والدبلوماسية دورا كبيرا في ما يجري الآن في الشرق الأوسط، فقدت فشلت الدبلوماسية في إنهاء حرب غزة وتهدئة الأوضاع في الحدود مع لبنان. ولهذا، عملية الحسم تعود إلى نوعية السلاح ونوعية الهجمات التي ينفذها كل طرف. في هذا الصدد، من المعطيات البارزة التي ترتبت عن هذه الحرب انخراط أطراف بعيدة مثل الحوثيين في مهاجمة إسرائيل والسفن الغربية التي تمر من البحر الأحمر إلى مستوى إحداث تغيير حقيقي في الملاحة الدولية.
لقد قام حزب الله بتطوير ترسانته من الأسلحة وأساسا الصواريخ بشتى أنواعها ثم الطائرات المسيرة، وفي المرتبة الثانية أنظمة دفاع جوي لا بأس بها. وتفيد مختلف التقارير العسكرية خاصة الصادرة عن الغرب وإسرائيل امتلاك الحزب لترسانة من الأسلحة ذات المدى المختلف بين القصيرة والمتوسطة والبعيدة القادرة على ضرب معظم الأهداف على طول وعرض خريطة إسرائيل أو فلسطين المحتلة.

إسرائيل فضاء غير صالح للعيش

وتفيد المعطيات من خلال تصريحات حزب الله وتخوفات إسرائيل أن خطة المقاومة اللبنانية إلى جانب ضرب القدرة العسكرية الإسرائيلية للتقليل من ردود فعلها، سيكون تحويل مدن إسرائيل إلى فضاءات وأماكن صعبة للحياة بشكل كبير. في هذا الصدد، سيكون الهدف الرئيسي هو ضرب البنيات التحتية مثل محطات توليد الكهرباء والماء الصالح للشرب وشل حركة المطارات والموانئ لشل التواصل مع العالم الخارحي. وتدرك إسرائيل خطورة الصواريخ والمسيرات، إذ أن حاملة الطائرات الأمريكية إيزنهاور غادرت منذ أسبوعين منطقة جنوب البحر الأحمر نحو شماله خشية من مفاجأة من صواريخ الحوثيين، كما أن مسيرات حزب الله جابت سماء إسرائيل، وحالة شريط الهدهد وما قام بتصويره واضحة، وتعني تراجع الردع الإسرائيلي.

لعنة مصغرة للعقد الثامن

لأول مرة منذ بدء الحروب مع إسرائيل، يشهد الكيان نزوحا من المستوطنات نحو أماكن يعتبرونها آمنة خاصة من الشمال نحو الوسط. كما أنه لأول مرة، ارتفعت نسبة الإسرائيليين الذين استعادوا جوازات دولهم الأصلية في الغرب، وبدأوا تدريجيا يغادرون إليها. وإذا اندلعت الحرب، ونجح حزب الله في تطبيق استراتيجيته، وقتها ستكون الهجرة نحو الغرب قياسية.
وعي البنتاغون بهذه التحديات، جعل واشنطن تهدد حزب الله بالتدخل مباشرة خلال أكتوبر الماضي إذا انضم للحرب، وهو كان قد كشف عنه أمين حزب الله حسن نصر الله في خطاب له، وبالفعل نشر البنتاغون قطعا بحرية حربية كثيرة شرق لبنان وقتها. ثم قدمت واشنطن، وفق «سي إن إن» الجمعة من الأسبوع الجاري، ضمانات لإسرائيل بالتدخل لمساعدتها لمواجهة حزب الله إذا اندلعت الحرب. لقد قام البنتاغون بتسيير مئات الرحلات الجوية لحمل العتاد العسكري لإسرائيل منذ اندلاع طوفان الأقصى علاوة على شحنات من الأسلحة، ويعتقد أن الشحنات لا تكفي في حالة الحرب ضد حزب الله، ولهذا يراهن على التدخل العسكري مباشرة لضمان انتصار إسرائيل أو منع انهيارها النسبي.
كل هذه المعطيات قد تؤدي إلى القول إن إسرائيل بدأت تعيش سيناريو مصغرا للعنة العقد الثامن أو مقدمة للعنة العقد الثامن التي يخشاها الإسرائيليون ويتحدثون عنها بشكل ملفت خلال الشهور الأخيرة، لاسيما في ظل التخوف من اندلاع حرب مع حزب الله وإيران. ويؤمن اليهود بلعنة العقد الثامن بمن فيهم بعض سياسييها التقدميين مثل رئيس الحكومة الأسبق ووزير دفاعها إيهود باراك. وكان هذا الأخير قد حذّر السنة الماضية في مقال له في جريدة «يديعوت أحرنوت» مستشهدا في ذلك بـ«التاريخ اليهودي الذي يفيد بأنه لم تعمّر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين استثنائيتين» وكتب في هذا الصدد «على مرّ التاريخ اليهودي لم تعمر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين: فترة الملك داود وفترة الحشمونائيم، وكلتا الفترتين كانت بداية تفككها في العقد الثامن… إن تجربة الدولة العبرية الصهيونية الحالية هي التجربة الثالثة وهي الآن في عقدها الثامن، ونخشى أن تنزل بها لعنة العقد الثامن كما نزلت بسابقته».
إن قرار البنتاغون التعهد بالتدخل لمواجهة حزب الله يعتبر منعطفا حقيقيا في الشرق الأوسط، ويجعل من إسرائيل محمية عسكرية أمريكية أكثر من أي وقت مضى، وبدأ يجعل الإسرائيليين يعتقدون في قرب لعنة العقد الثامن، وهي حديثهم المستمر منذ طوفان الأقصى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية