رام الله ـ «القدس العربي»: لا شيء على صعيد الجبهة الداخلية الفلسطينية يسير للأمام، «مكانك سر» التي كانت تلخص الحكاية الفلسطينية لم تعد مناسبة للتوصيف هذه المرة، ففي ظل أنعدام التقدم في ملف الوحدة الفلسطينية تزداد حالة التراجع والتردي، وتحديدا بعد مرور أكثر من تسعة أشهر على الحرب الدموية على قطاع غزة.
ورغم أنه لم يعد يرق للشارع الفلسطيني الحديث عن ملف المصالحة الفلسطينية لفرط تكرار الحديث عنها من دون أي نتائج ملموسة، فأن الأخبار التي تداولت تأجيل لقاء المصالحة في بكين كرست عجزا وقهرا جديدين، حيث عكس قرار التأجيل مزيدا من الإشارات على استمرار حالة التردي السياسية.
يعلق الناشط الفلسطيني صالح الخواجا لـ«القدس العربي» حول تأجيل الحوار الفلسطيني في بكين برعاية الخارجية الصينية والذي كان يفترض أن ينعقد يومي 23 و24 حزيران/يونيو الجاري برعاية وزارة الخارجية الصينية، قائلا: «هذا التأجيل سيضر أكثر من أي وقت مضى بالقضية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني».
ويضيف: «الحوار الثنائي في بكين بين حركتي حماس وفتح كانت مخرجاته تعطي بصيص أمل نحن اليوم بأمس الحاجة لوحدة فلسطينية، لا يوجد في تاريخ الشعب الفلسطيني حالة وظرف كما نحن علية سواء من حيث ارتكاب الجرائم ضد شعبنا وفي نفس الوقت استنهاض لحالة دولية متراكمة داعمة للقضية الفلسطينية وتطورات داخلية هامه يجب أن تساهم في التأسيس لوحدة فلسطينية وطنية تدعم إطارا وطنيا جامع وموحدا وعلى أسس رافضة للمشروع الصهيوني وتحالفاته».
ويشدد على أن النقاش الصريح والجريء الذي حدث في المرات السابقة وتضمن الحديث عن أهم سبل توفير الأمان والدعم لقطاع غزة سواء بالدعم السياسي أو الإغاثي، كانت القضية الأبرز في هذا النقاش هي تشكيل حكومة توافق وطني وهو ما لم يحدث «لقد كان هناك توافق وطني حول أهمية أن يكون هناك برنامج للحكومة التي يشترط أن تكون توافقية ومن دون أي تمثيل حزبي، وليس أن تكون حكومة تكنوقراط معزولة عن الموضوع الوطني الفلسطيني، وغير قادرة على أداء مهماتها الوطنية».
وفي ذات السياق، انتقدت القيادية ماجدة المصري، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ورئيسة وفد الجبهة لحوار المصالحة في بكين، قرار التأجيل بطلب من الرسمية الفلسطينية، وذلك بالاستناد إلى النتائج الهامة والمشجعة للقاء الثنائي بين حركتي فتح وحماس في نهاية نيسان/ابريل الماضي في بكين، والبناء على تفاهمات حوار موسكو الذي تم أواخر شباط/فبراير الماضي.
واعتبرت المصري، في تصريح صحافي، قرار التأجيل بـ«المفاجئ وغير المبرر» حيث جاء بعد سلسلة من اللقاءات الثنائية والجماعية التي أدارها سفراء الصين وممثلو الخارجية الصينية مع جميع القوى الفلسطينية المدعوة للمشاركة في اجتماع بكين، سواء داخل الوطن في مدينة رام الله أو في عواصم عربية في الخارج، وذلك لضمان نجاح الحوار الفلسطيني والتقدم بخطوات جادة وملموسة نحو استعادة الوحدة الداخلية، الشرط الضروري والملزم في هذه المرحلة.
وبرأي المصري فإن «الوحدة بمثابة شرط مواجهة التحديات الكبرى التي تمر بها القضية الوطنية، ولمواجهة الخطط الخطرة التي يجري الإعداد لها من الإدارة الأمريكية الهادفة لإعادة ترتيب المنطقة وفقاً لمصالحها الاستراتيجية ومصالح إسرائيل».
ورأت المصري في التأجيل بإنه أمر «ضار بالعلاقات الصينية الفلسطينية، في وقت تسعى إلى جانب القيادة الروسية لعقد مؤتمر دولي للسلام تحت مظلة الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الأمر الذي يشكل مطلباً وطنياً فلسطينياً».
وختمت مطالبة باستدراك موعد عاجل لاستئناف الحوار الفلسطيني في بكين للخروج بتشكيل قيادة موحدة تقود الوضع الفلسطيني في مختلف القضايا المطروحة، في ظل أن المؤشرات الملموسة وما رشح من لقاءات موسكو وبكين تؤكد إمكانية الوصول إلى قواسم مشتركة واسعة تفتح الطريق نحو إنهاء الانقسام.
يجب عدم إضاعتها
وفي مقابل المصالحة الفلسطينية الحزبية المتعثرة، ينشط مستقلون وحزبيون فلسطينيون في مبادرة «المؤتمر الوطني الفلسطيني» والتي تطالب حسب تصريحات صحافية لعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر أحمد غنيم، بإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وطنية بما يضمن حق الشعب الفلسطيني في المشاركة في القرار السياسي، والدفع نحو عقد انتخابات المجلس الوطني حيث ما أمكن، وعقد الانتخابات التشريعية والرئاسية.
وتهدف المبادرة إلى إجراء تغيير عميق وشامل من داخل البيت الفلسطيني وفي إطار منظمة التحرير، بهدف تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.
وكان أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الفلسطيني قد قرروا عقد مؤتمر عام لأعضاء المؤتمر في مدينة رام الله خلال شهر تموز/يوليو المقبل، وذلك خلال اجتماع مغلق عقدته قبل نحو أسبوعين من دون توجيه دعوة للصحافيين.
وخلال الاجتماع التحضيري أكد المشاركون على أهمية تشكيل قيادة وطنية موحدة تضم كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، من أجل العمل معًا لمواجهة التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني في ظل حرب الإبادة.
كما أكدوا على ضرورة تشكل حكومة وحدة وطنية تتحمل مسؤولياتها الوطنية على كامل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بما يضمن العمل على وقف حرب الإبادة وإغاثة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وإعادة الإعمار.
أحد الموقعين على عريضة المؤتمر الوطني الفلسطيني هو المحلل السياسي هاني المصري يقف على الفرص والتحديات التي تواجه هذه المبادرة؛ أملا في تعظيم إمكانات نجاحها، ولكي تتوّج بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير، الإطار الجامع والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
ويرى المصري، وهو مدير مركز مسارات، أن المبادرة تستمد حضورها القوي من أن القضية الفلسطينية عادت إلى صدارة الأحداث والأزمات الدولية، وبات واضحًا أكثر من السابق استحالة القفز عنها وضرورة التوصل إلى حل لها. لذا، هناك فرصة لتحقيق إنجاز تاريخي، في ظل أن دولة الاحتلال تمر الآن في أسوأ حالاتها وأضعفها.
يكمل في حديثه عن الفرص: «ثمة فرصة أخرى تتمثل في أن مختلف الأطراف الفلسطينية في مأزق، بغض النظر عن أسبابه، وتبحث عن مخرج بلا جدوى. فالقيادة الرسمية وصلت إلى أسوأ أوضاعها، في ظل فشل برنامجها، وباتت مطالبة بخلق بديل لها أكثر اعتدالًا منها، وإلا ستُستبدل، وباتت كذلك مشلولة وغير مقبولة، ليس من شعبها ومعظم الفصائل فقط، وإنما من معظم أصدقائها وحلفائها، بمن فيهم دولة الاحتلال. وكذلك المقاومة في مأزق، وإن من طبيعة أخرى، فهي تمثّل نموذجًا بطوليًا، لكنها مطالبة بأن تتراجع، ولا تحكم غزة حتى يتم البناء وإعادة الإعمار ومن دون رؤية شاملة وبرنامج سياسي يركز في هذه المرحلة على إنهاء الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة وليس قطاع غزة فقط، وتمارس الكفاح المسلح من دون وحدة وطنية جامعة (والمقصود هنا وحدة بين الوطنيين) أو قيادة موحدة ذات أفق سياسي يتيح استثمار الصمود العظيم الأسطوري والمقاومة الباسلة».
ويشدد المصري أن ما يميز هذه المبادرة التي وقع عليها ما يزيد عن 1200 فلسطيني من الداخل والخارج، هو أن معظم الفصائل تؤيدها، فـ»هي تضم موقعين عليها ينتمون إلى عدد من الفصائل، وخاصة حركتي فتح وحماس، ومن المهم ما تشهده من مشاركة كبيرة وفاعلة من كوادر فتح».
ومن نقاط قوة المبادرة حسب المصري أنها مفتوحة لكل الوطنيين وتتوجه إلى الجميع، داخل الوطن وخارجه، لتحقيق وحدة تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، على أسس وطنية ديمقراطية كفاحية في إطار منظمة التحرير، وهي واقعية وطنية ابتعدت عن التطرف والإقصاء والإطاحة وطرح نفسها بوصفها بديلًا، وكذلك ابتعدت عن الميوعة والتعميم المخلّ والتعويم والمساومات غير المشروعة والشعارات الطنانة والتخوين والتكفير واحتكار الوطنية والدين والحقيقة، وتبنى خطوة خطوة.
على الرغم من الفرص المتاحة أمام المبادرة، فهناك تحديات عدة، أولها أنها ولدت إبان حرب إبادة لا تزال مستمرة وتستهدف تصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها، إلى جانب ضرورة مساهمتها في بلورة برنامج وطني جامع يجسد القواسم المشتركة، وعدم الاكتفاء بالحديث عن الوحدة والقيادة الموحدة والوفاق الوطني والانتخابات من دون إبراز المضمون ولتحقيق أي أهداف.
تفعيل المجلس الوطني
بدوره يتساءل الأكاديمي أحمد جميل عزم قائلا إنه من الغريب، أنّ الشّعب الفلسطيني يتعرض لحملة إبادة وتطهير عرقيين مكثّفتين ولا يَجتَمِع المَجلِس الوَطَني الفَلسطيني. ومن الغريب والمفاجئ معاً أنّ من يفاوض باسم الفلسطينيين في قضايا أساسية مثل وقف الحرب في قطاع غزة هو غير منظمة التحرير الفلسطينية وهذا لا يستفز المنظمة لتعبئة صفوفها ناهيك عن صفوف الشعب الفلسطيني.
ويضيف أنه وبعد 7 أكتوبر، كان متوقعاً أنّ لحظة استعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية، حانت، أي أن تتفاوض قيادة المنظمة نيابة عن الفلسطينيين لوقف الحرب ووقف «المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية» وبحيث «تضطر» قيادتا المنظمة، وحماس للعمل معاً. فالمنظمة مقبولة دولياً، وحماس هي القوة على الأرض في غزة. كان يمكن أن تتفاوض حماس عبر هذه القيادة، وأن تقود المنظمة حركة الشعب دبلوماسيا بالتنسيق مع «حماس» لحل مجموعة أزمات، منها القدس، وحصار غزة، وحصار السلطة، وجمود العملية السياسية.. إلخ.
ويشدد عزم على أنّ انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في هذا الظرف أمر مصيري. على ألا يكون مجلساً «احتفالياً» وشكلياً، أو لتمرير موقف سياسي معيّن، بل لإعادة النظر في عضوية المجلس، وإدخال القوى المؤثرة له، وفق نتائج نقاش وطني يسبقه، ويوحّد القرار الفلسطيني، فالمطلوب قرار وطني مستقل وموحد وملزم للجميع، بدءا من المفاوضات والعملية السياسية إلى المواجهة والنضال المسلّح.
ويخلص إلى أنه يستحق الواقع الفلسطيني الجديد «مؤتمراً شعبيّاً، ويمكن تشكيل لجنة وطنيّة حقيقية، تتشكل بمبادرة من القيادة الفلسطينية، ومن أطر منظمة التحرير الحالية، وتكون اللجنة من قوى فاعلة في الشتات والوطن، يتم التوافق عليها، بعد مشاورات وطنية، لاسترداد دور منظمة التحرير. ويمكن لأعضاء في المجلس الوطني، وبموجب النظام الأساسي، للمجلس أن يقوموا بالمبادرة، وطلب عقد جلسة خاصة لذلك. لكن في حالة تركت مسألة تعبئة الطاقات الوطنية، خارج يد المنظمة، وتخلت قيادة المنظمة عن هذا الدور أو رفضته، فإنّ هذا يعني أنّه ليس فقط قرار التهدئة والتصعيد ميدانياً (جزئيّا على الأقل) قد خرج من يدها، بل وأيضاً مسألة الحشد والتعبئة والتوحيد، فالشعب الفلسطيني، وقضيته، لا يحتملان الفراغ».