ضحالة السياسي وسطحية المواطن

حجم الخط
0

كما غيري من الكثيرين الذين تابعوا أو وصلهم خبر المعركة الكلامية التي حدثت في قبة البرلمان المغربي، بين رئيس الحكومة ورئيس أحد أحزاب المعارضة،والتي إلى هنا تبدو الأمور عادية ولا يوجد شيء مثير أو ملفت يستحق المتابعة في الأمر، لكن من تتبع الزخم والضجة الإعلامية غير المفهومة وغير المبررة، فسيخرج حتما بنتيجة أن هناك شيئا ما ليس على ما يرام، إما انه من شدة حرص سياسيينا عن أمورنا ومصالحنا أصبحوا يوصلون خطاباتهم ونقاشاتهم لهذا المستوى المثير للاهتمام، وإما أن المواطن عندنا أصبح ذا عقلية بسيطة جدا للدرجة التي يخلق من مثل هذه الأشياء التافهة قضايا رأي عام واهتمام إعلامي بكل هذه الهالة.
للإشارة وللأمانة فمثل هذه الأمور تكون عادية جدا في كل البلدان حتى ذات الديمقراطية العريقة بل أن عدم وجود مثل هذه الجدالات والنقاشات داخل مجلس -ممثلي الشعب- في البلدان المحترمة إنما قد ينم عن عدم وجود أي مبالاة أو اهتمام بمصالح المواطنين وحاجياتهم.
هذا في البلدان ذات الديمقراطيات العريقة، -ونحن لسنا معنيين بها – ،باستثناء طبعا سلوك «التصفير» الذي قام به احد من نواب الأمة، والذي لحد الآن ما زلت لم أجد بعد أدنى تبرير أو تفسير لهذا السلوك، سوى أن البرلماني تاه الطريق نحو ذلك المكان الذي هو فيه، إذا لم يكن تاه الطريق نحو شيء آخر.
نعود إلى حالتنا نحن الذين ما زلنا نبحث عن الطريق للكائن الغريب هذا الذي يطلقون عليه اسم «الديمقراطية « حيث إلى حد الآن ما زلنا نسمع به فقط ولم نجربه قط و لربما على ما يبدو أن هذا غير وارد في الأمد القريب على الأقل ، وبما أنه كذلك فلنطلق على أنفسنا «البلد المتدرب عن الديمقراطية»، وان كان هذا التدريب ومنذ عهد الأجداد ونحن نسمع به، وجاء آباؤنا من بعدهم ، وها نحن نحمل المشعل من بعدهم ومازلنا لم نصل بعد إلى هذا الشيء (الغريب)، إذا كنا لم نته الطريق إليها، هذا إذا كنا انطلقنا في الأصل نحوها.
لنعد إلى موضوعنا الأساسي حول «التبرهيش السياسي» الذي وقع خلال الجلسة الشهرية المخصصة لرئيس الحكومة للإجابة على أسئلة المعارضة، ففي حقيقة الأمر كان الأمر يسكون عاديا لولا كل تلك الضجة المفتعلة وغير المبررة على الإطلاق، ولا أدري لما كل هذه التغطية والمتابعة الإعلامية من القنوات والجرائد والمواقع الإلكترونية وما جاورها، لمثل هذه الأمور، التبرير الوحيد الذي يمكن أن نفسر به هذا الأمر وإن كان هذا سيزعج البعض، هو أن الكثير منا وبدون أدنى تحفظ وصل إلى درجة من التفاهة والسخافة التي لا تقل في حجمها عن سفاهة هؤلاء السياسيين.
كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل يقول «إن كل شعب ينال الحكومة التي يستحق» ونحن بدورنا نلنا الحكومة التي نستحق ، ومعها السياسيون الذين نستحق، والمعارضة التي نستحق. وما رأيناها في البرلمان ليس وما يجب أن يكون بالشيء الغريب ،ولم يكن هناك مبرر ولا داعي لإثارة كل هذه الضجة والبلبلة على الإطلاق لولا وجود جزء كبير منا غير مبالين بأي شيء ولا يشعر بحقيقة ما يدور من حوله في أموره المصيرية، والمصيبة الأكبر أنه لا يدري أنه لا يدري.
أما إذا كان أحدهم اتهم الآخر بالسفاهة فهذه حقيقة، ولم يأت بجديد في ذلك يمكن أن يثير كل هذا الرد من الفعل، منكم من سيقول أنه وكضوابط لهؤلاء السياسيين كأشخاص مسؤولين ويتولون مناصب عليا وحساسة ويمثلون الأمة فيجب عليهم أن يتحلوا بقدر أدنى من اللباقة واللياقة في الكلام والتحاور، ونحن أيضا لم نختلف عن الأمر، لكن السؤال الذي يجب طرحه، هو من أوصل مثل هؤلاء لمثل هذه المناصب أصلا، منكم أيضا من يقول إنه لم يصوت أصلا على أي أحد منهم، ونحن نقول له بأنك محاسب على هذا أيضا، لأنه كان عليك أن تعبر عن رفضك للوضع غير السوي هذا وكان عليك أن تقول لا، لا أن تكون في حياد سلبي، وفي الأخير تكتفي بالتعبير عن الرفض والإستنكار لمثل هذه الأشياء بعد وقوعها، على الرغم أنه كان بالإمكان تفادي ذلك قبل.
فلو كان هناك فعلا مواطن مدرك لما يدور فيما وراء مثل هذه الخطابات و الجدالات السطحية والعقيمة، لما تجرأ مثل هؤلاء ولا أولئك أن يصلوا إلى هذا المستوى والسفالة، بل لو كان هناك فعلا رأي عام واع تمام الوعي بحقيقة حالته وبما ينتظره وما له وما عليه، ومقدر لمعنى الوطنية والانتماء والحرص على المصلحة العامة للمواطن والإنسان البسيط، بعيدا عن المضمون المشوه والسطحي للمفهومين كما هو مروج من قبل الإعلام بكافة تلاوينه.
فمن ما زال يتتبع الخطاب السياسي فلا محال سيدرك مقدار الانحطاط والصفرية ودرجة التردي التي وصل إليها بعض من السياسيين -مع أني شخصيا اعتزلت حتى الالتفات إلى مثل سفاسف الأمور هذه- وأصبحت في غنى عن مثل هذه السلوكات الصبيانية التي أصبحنا نسمع بها كل صباح وليلة.
إن هذا المستوى الذي وصل إليه الخطاب السياسي بشكله العام والخاص، إنما هو في الحقيقة بشكل أو بآخر يعبر عن مستوى المجتمع والمنظومة برمتها، فكل هؤلاء السياسيين هم منا وإلينا، ولم يأتونا لا من الشمس ولا من القمر، نحن من صنعناهم ونحن من صنع سفاهتهم فنحن من صفقنا لخطاباته، ونحن من طبلنا لكلماته ،ونحن من زمرنا في مهرجاناتهم، إذا نحن من يجب عليه أن يدفع الثمن ، فإن كنا فعلا ذلك لمصلحة شخصية فذلك نفاق وكذب منا على أنفسنا أولا قبل الكذب عليهم هم، وعلينا إذا تحمل مسؤولية أخطائنا وأنانياتنا ونظراتنا الضيقة للأمور في ذلك، أما إن كان ذلك عن حسن نية منا، فنحن السبب كذلك ويجب أيضا أن نتحمل مسؤولية سذاجتنا ، وسوء تقديرنا للأمور وبالتالي فنحن من يجب علينا تحمل المسؤولية ودفع الثمن.
إن الحقيقة المزعجة للبعض منا ،أن هؤلاء السياسيين ما كانوا سيكونون سفهاء لو لم نكن نحن تافهين، ولو كان هناك أكبر من هذين المصطلحين فلن يعبر عن مدى مستوى الحضيض أو درجة التدني التي أصبح عليها الخطاب السياسي بين مختلف الفاعلين في حقله، ولن تعبر أيضا عن مستوى الميوعة والسخافة التي أصبح يتعامل بها المواطن مع أشيائه الهامة والمصيرية.

إبراهيم حياني التزروتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية