محمد خضير - سعيد يقطين
ما يصلح للنقاش والجدل، يمكن أن يكون صالحا لإثارة المزيد من الأسئلة، حول الثقافي النقدي، أو حول الثقافي التاريخي والأنثروبولوجي، لأن تجديد الصلاحية يفتح الأفق واسعا لمثل هذه الأسئلة، وللحديث عما يتعلّق بتجديد الأفكار والمفاهيم، وحتى بتجديد زوايا النظر إلى «القضايا الإشكالية»، التي تخصّ الكتابة النقدية، أو غيرها، وبحسابات تؤشّر إلى مدى علاقة هذا الحديث عن الثقافي المُقنن، بالحديث عن الثقافي المعياري والأيديولوجي والقواعدي، الذي يُعنى بالأجناس والأنواع، وهي توصيفات لم تعد آمنة، وربما لم تعد مقبولة أمام «السيولة» المتدفقة للأفكار، وحتى لنزق الذات وهي تعيش غوايات السرد بوصفها من أكثر التقاطعات مع التاريخ..
الحوار الذي أثاره الناقد سعيد يقطين مع القاص الرائد محمد خضير، يضعنا كقراء، أمام مسؤولية المراجعة، بوصف أن إعادة النظر بتوصيفات الأشياء باتت مدعاة لاستدعاء مراجعة نقدية، للخطاب، والمقال، والرأي، والنص، بعيدا عن ذاكرة التشدد وتعالقاته بمركزية «الخطاب المتعالي» وحتى بعلاقة هذا الخطاب بتوصيف «المقالة النقدية»، بوصفها مجالا يمكن أن يتقبّل «المغايرة» والانفتاح على استدعاءات تنشط فيها كتابة «الذاتي الشخصي»، على اعتبار ما تنماز به من قوة فاعلة في الإشباع المعرفي والنقدي، وفي تحرير تلك «المقالة» من عقدتها الصحافية، باتجاه أن تكون تمثيلا للانوجاد داخل توصيف ثقافي يمنحها أهلية التجاوز والقصدية.. ما أثير حول «إخضاع الكتابة النقدية لقواعد وضوابط تضمّ أشتاتا من الأنواع» يكشف عن وجود أزمة عميقة في التعاطي مع توصيف المقالة النقدية، في صيغتها كقالب في «الصحافة الثقافية»، أو في مرجعيتها داخل السياق الأكاديمي، وهو سياق ضاغط، وقسري، غايته الأساس تكمن في التعليم والضبط المنهجي، أكثر من تقعيده كفاعلية في الأداء التوصيلي، وفي إثارة الجدل حول «المختلف» و«المفارق».
سؤال «الضبط والربط» في التمثيل النصوصي سؤال مريب إزاء ما هو «منفلت وسائب»، حتى يبدو وكأنه محاولة في مساءلة التاريخ ذاته، عبر إخضاع النص إلى المنهجية الصارمة، وإلى ما يجعل وضع ذلك النص المقالي أو الدراسة النقدية أمام خيارات صعبة، ومعقدة، يكون فيها «المعلم» في الأكاديمية، هو المُخوّل «الشرعي» بحمل الراية بتوصيف فوزي كريم، هو قاطع الطريق أمام «بطل المتاهة» الشغوف بالمغامرة والحلم والتمرد، وربما هو المُقنّع بـ»صانع الهُجنة» المائز بحيازة سحرية الخيميائي، الذي يمكنه خلط اللغة بالرقى، واللغة بالتعاويذ والأساطير والحكايات والأسفار والتعازيم، ليكون النص الثالث هو النص المُهرّب من الكينونة الصاخبة، ومن تاريخ النص ذاته.
أحسب أن حديث «البيئة الأكاديمية» الذي أشار اليه سعيد يقطين يستدعي فعلا المراجعة، بدءا من مراجعة التاريخ، وليس انتهاء بمراجعة التجريب، والتغامر، واجتراح الأحكام، وتسويق المفاهيم، فهناك من يتحدث عن «نقد أكاديمي» بوصفها أنموذجا للنقد الصياني، والمتعالي بصرامته المنهجية والتعليمية، وهو توصيف يحتاج إلى شيء من الدقة، لأن البيئة الأكاديمية هي بيئة تعلّم وتعرّف ودرس، وحتى توجيه، لها هذا تعليمي يقوم على الضبط الاستعمالي للمصطلحات والمفاهيم، وللنظريات والمنهاج، وبهدف العمل على بناء رصين وعلمي للعقل النقدي، لكن ذلك لا يعني العزل، والمنع، والاكتفاء بتهويمات صناعة الرأي النقدي، وعلى حشر النص داخل توصيفات متعددة يفرضها ذلك الإطار التعليمي المجرد المسكون بوهم منع «الفلتان والتسيّب» والنزق النقدي كما يقول البعض.
الحاجة إلى العلمية والمعرفية في الكتابة النقدية أمرٌ لازم وقار، وهو مجال له وظيفته في إعطاء النص النقدي فاعليته في الإثارة والكشف والمساءلة، وفي إعطاء «النقدية» قيمتها في إغناء النسق والخطاب، وهذا لا يعني تحويل الناقد إلى فقيه، بقدر ما يعني التأكيد على فاعلية المراجعة، وعلى إدراك أن التعلّم ليس قيدا، وأن الناقد ليس موظفا، أو كاتبا سياقيا، بقدر ما هو الكائن المتعلّم والعارف، والمتجاوز، والثائر، والمؤمن بأن «لا قواعد» حاكمة للكتابة النقدية سوى معرفيتها في الاجتهاد والتحليل والكشف، وسوى مهارة الناقد في مقاربة الجدّة والفاعلية، والحيوية في إثارة الأسئلة، وإعطاء «وجهة النظر» فاعلة تتغذى فيها الجدّة النقدية بشغف القبول بمعطيات التغاير والتجاوز في أنماط الكتابة، بما فيها «كتابة الهجنة»، أو التجاوز الأجناسي، الذي تحدث عنه كاتبنا الرائد محمد خضير، والذي ظل يسبغ عبر كتابته المتعددة في «رؤيا البرج، وبصرياثا، وكراسة كانون»، توصيفات مفارقة على «الأجناس القارة» للرواية، وحتى لـ»المقالة النقدية» بوصف أن هذا التجاوز هو خرق واعٍ للمعيارية، وإغناء النص/ الرواية/ المقالة بروح جديدة تجعله أكثر شكّا وتساؤلا إزاء مقاربات نقدية تتطلب كثيرا من جدّة في التوصيف والمراجعة، وفي الحكم، وحتى في التأطير النقدي التقليدي، الذي طالما استغرقنا في معاييره وضوابطه، وفي جعل المفاهيم النقدية مشروطه بالسياق الذي كرّس تجنيسها وتداولها، لاسيما وأن تاريخنا النقدي والشعري يملك «أجندة» صارمة في الأحكام النقدية، يكون بعضها نظيرا للأحكام الفقهية..
حيوية ما أثاره سعيد يقطين وهو يحاور محمد خضير، يمكن أن يجعلنا أمام ضرورة مراجعة كثير من قضايانا النقدية، في سياقاتها، وفي جهازها المفهومي، وفي أحكامها، وصولا إلى النظر في مجالها التجريبي، لاسيما ما يتعلّق بالتداخل، أو بالتجاوز الأجناسي بين أجناس الكتابة، وبكل الروافد التي جعلت من القراءة أفقا مفتوحا، على أسئلة جديدة، وعلى إثراءات تمنح النص في توصيفاته المتعددة، أفقا يتسع مع حرية التفكير بالتجديد والتجريب، وهو تنامي هواجس التحرر من ذاكرة «الأب الفرويدي»، الذي استولى على «سرير الكتابة» وقاموسها فأورثنا سلاما مخادعا، وتوافقا لا يرى في «الجديد» ابتداعا ولا ضلالا..
نحن محكومون بالجدّة والمستقبل، وبالنص الذي يجاورنا، أو يقضّ نومنا، وبما يجعلنا نعي أن صناعة النص هي صناعة ذاتها، بوصفها اللعبة التي تستفز التاريخ، وتراجع ما دونه المؤرخون والنقاد، الذين نتلذذ اليوم بشغف المغامرة إزاءهم، ليس لطردهم من التاريخ، بل لإنعاش حيوية العالم الذي يقبل بالجديد بوصفه انموذجا متعاليا للوجود الممكن دائما، بتوصيف لوسيان غولدمان، ولجعل الكاتب ناقدا مقاليا أو نصّيا أمام رهانات صعبة، غير محكومة بالمواثيق، بل بالوعي الحر الذي يجعل من الحرية شهوة للتجاوز، ولتوصيف الأشياء في سياق وظائفها وليس في إطار تاريخها الذي كرسته سلطة الجماعة، وسلطة السلطة ذاتها..
كاتب عراقي