هيغل
«الحياة لا تكون واقعية الا بوصفها عقلا»
هيغل
فما هي تلك الحياة البعيدة عن العقل، هل يمكن تسميتها بالحياة، أم بالوهم، وبما أن الحياة من حيث ماهيتها هي تلك المساواة بالذات، فإن أهم شرط لعيش في الحياة هو الوعي بها: «فالحياة ليست جنسا يضاف إليه النوع، فضلا عن ذلك كونها وعيا، فحركة، الحياة هي عين حركة الوعي بالذات». فكيف تصير الحياة وعيا بالذات؟ هل بواسطة العقل؟ أم بواسطة الرغبة والاعتراف؟
لن يتوقف هذا الفصل طويلا عن وصف الحياة باعتبارها وعيا بالذات، بل سيسعى إلى التحديد الأنطولوجي، أي الحياة بما هي وجود، لأن الوجود عندما يصبح في ذاته حياة، يكون العقل قد تحقق في الفكر، انه هو نفسه عقل يتوجه نحو الواقع، هكذا يمسي كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي، فالعقل ليس له موضوع سوى الواقع، وحين يتم اختراقه تكون الثورة قد أنجزت.
يعترف هيبوليت مترجم «ظاهريات الروح» إلى الفرنسية، بأن هيغل كان يكتب الظاهريات وهو يتابع أخبار الثورة الفرنسية، ولذلك انعكست أحداث هذه الثورة على هذا الكتاب، وربما أن هروبه من منزله بعد دخول نابوليون إلى المدينة، هو ما جعل هيغل ينسى بعض الفصول من الكتاب في هذا المنزل، ولعل هذا ما يفسر سخطه في المدخل، وتحميل مسؤولية عدم فهم القارئ. فالفيلسوف كتب هذا المدخل بعد الانتهاء من جمع فصول الكتاب، إلى درجة أنه يعارض كل الفلاسفة الذين يوضحون فلسفتهم في مدخل الكتاب، ويقوم بثورة على نمطية المدخل، هكذا يفسر غموض الظاهريات انطلاقا من سذاجة القارئ. فالمنعطف الحاسم للظاهريات يوشك أن يكون هو أن «الوعي بالذات لا يحقق إشباعه إلا في وعي آخر بالذات». وهذا الكشف العظيم لهيغل هو ما دفع ماركس إلى القول إن الفلسفة هي الصراع الطبقي في النظرية، بل إنها السلاح النظري للبروليتاريا، ومن خلالها تتحقق الثورة، وبعبارة واضحة لهيغل: «إن الروح الواعية بذاتها لا تعرف نفسها بحقيقتها إلا في أفراد واعين»، إذ أن هناك أمام الوعي الذاتي، وعي ذاتي آخر، يبحث عن إشباعه في وعي آخر، هكذا يتكون الثوار. الواقع أن إطلاق سراح الوعي الشقي، لا يكون سوى بواسطة الوعي بالذات: «وهو اذ يتجاوز الآن في شخص الآخر برانيته الحقة، فإنه ينسحب منه، ويعيد إليه حريته»! فبقدر ما يعتبر الوعي الآخر صورته، فإنه يرى نفسه فيه، كما ترى الروح صورتها في المرآة. والحقيقة تحتفل بالوعي عندما يخرج من نفسه، ويفقد ماهيته بمجرد ما يمتلك وجودا خارجيا: «الوعي بالذات يواجهه وعي آخر بالذات وأنه يتمثل له وكأنه وافد من خارج».
من أجل تحقيق الوعي الذاتي، وتكون فاعلا في الثورة، لا بد من الضياع المطلق لماهية الوعي الشقي، لأن وعي الذات في جوهرة حرية من حيث الماهية، فهذه الحرية ليست معطى عرضيا، بل إنها عمل شاق، صراع من أجل الحياة والموت: «فبغير المخاطرة بالحياة لا تتحقق الحرية»، كما أن الوعي الذاتي في ماهيته ما هو إلا وجودا لذاته محض، ولا يمكن أن يكون عبدا للسيد.
كاتب مغربي