ليزا روزوفسكي
عندما غاب طل فردي، معلم “مدنيات” في القدس، لفترة طويلة عن المدرسة الثانوية التي يعلم فيها لأنه ذهب لخدمة الاحتياط، تفاجأ تلاميذه. فقد كان أحد أعضاء طاقم المدرسة القلائل الذي اختفى لفترة طويلة منذ اندلاع الحرب وحتى نهاية كانون الأول الماضي، رغم أنه يعتبر اليساري الوحيد من بينهم. “أنا معلم سياسي”، قال “فردي” (28 سنة). “يعرف الطلاب مواقفي السياسي في معظم المواضيع. لا أخجل منها، وأؤمن بأنني أطرحها بشكل يثير التفكير والنقاش داخل الصف”. في نهاية الشهر الماضي، وقع فردي مع 41 جندياً آخر في “الاحتياط”، الذين خدموا في الجيش منذ 7 أكتوبر، على رسالة الرفض الأولى التي نشرها رجال الاحتياط منذ بداية الحرب في غزة.
“نصف السنة الذي شاركنا فيه في الجهود الحربية أثبت لنا أن العملية العسكرية وحدها لن تعيد المخطوفين إلى البيت”، كتب الموقعون على الرسالة، عشرة منهم وقعوها بالاسم الكامل، أما الباقون فبالأحرف الأولى. بعد ذلك، تطرق كاتبو الرسالة لغزو رفح، وقالوا: “هذا الاقتحام إضافة إلى أنه يعرض حياتنا وحياة الأبرياء في رفح للخطر، لن يعيد المخطوفين على قيد الحياة… إما رفح أو المخطوفين. نختار المخطوفين. لذلك، فإنه في أعقاب قرار دخول رفح بدلاً من صفقة التبادل، فنحن الذين نخدم في الاحتياط نعلن بأن ضميرنا لا يسمح لنا بالمشاركة في التخلي عن حياة المخطوفين وإفشال صفقة أخرى”.
16 شخصاً من الموقعين على الرسالة يخدمون في جهاز الاستخبارات و7 في قيادة الجبهة الداخلية، والباقون يخدمون في وحدات سلاح المشاة والهندسة والمدرعات، واثنان في وحدة الكوماندوز ووحدة مكافحة الإرهاب. أحد الـ 7 الذين يخدمون في قيادة الجبهة الداخلية قال إن الكثير من جنود الاحتياط تم استدعاؤهم بعد 7 أكتوبر لتنفيذ مهمات قتالية مثل “احتلال خطوط” في الضفة الغربية بسبب نقل الكثير من الجنود النظاميين إلى القطاع. معظم الذين وقعوا على الرسالة الذين تحدثت “هآرتس” معهم قالوا إنهم يدركون أن مواقفهم شاذة في أوساط الذين يخدمون في الاحتياط.
فردي، القائد في سلاح المدرعات، هو أحد جنود الاحتياط الثلاثة الذين وقعوا على الرسالة ووافقوا على الكشف عن هويتهم في هذا المقال. لواء الاحتياط الذي يخدم فيه، وضع في الشمال ليحل محل الكتائب النظامية التي أرسلت إلى الجنوب. هناك عمل بالأساس في تدريب جنود احتياط شباب، الذين تم إعدادهم للقتال بدبابات جديدة. ولكن مطلوب منهم الآن تعلم كيفية تشغيل الدبابات الأقدم. في الوقت الذي تم وضعه في الشمال، كما يقول، شعر بالارتياح في الخدمة. “ترعرعت في الشمال، والعطلة الكبيرة بين الصف الخامس والصف السادس في حرب لبنان الثانية، قضيتها وأنا أركض إلى الأماكن الآمنة”، وأضاف: “لم أتردد في الموضوع، شعرت بالإسهام بدوري غير الكبير في الجهد الدفاعي عن مواطني الدولة”.
إذا تم استدعاؤه للخدمة للاحتياط في الشمال فسيمتثل للأمر، ولكن إذا تم استدعائه للقتال في غزة سيرفض. “عندما عدت من الاحتياط ثارت لدي أسئلة تتعلق في أين سيودي بنا هذا الأمر”. قال. وحسب قوله، لم يكن لديه أي شك بعد 7 أكتوبر بأن إسرائيل ستنفذ عملية برية في غزة تستمر أشهراً، تتم في نهايتها إعادة المخطوفين. “ولكن كلما مر الوقت ازداد ترددي، في أعقاب محادثات مع أصدقاء يخدمون في الخدمة الدائمة والاحتياط”.
“قال لي أحد الأصدقاء: كنت في مستشفى الشفاء بدبابتي، شعرت أن هذا الأمر صحيح ومهم. بعد أربعة أشهر استدعوني بالأمر 8 مرة أخرى للعودة إلى المكان نفسه، واحتلال أماكن احتللتها من قبل”. المرحلة التي تقرر فيها إسرائيل تفضيل الدخول البري إلى رفح على التوقيع على صفقة لتحرير المخطوفين ووقف الحرب يعتبرها فردي انعطافة. “عندما بدأت العملية في رفح، شعرت أن هذا يتجاوز ما أنا مستعد للشعور بأنه صحيح أخلاقياً وأن أقف خلفه وأبرره”.
اجتياز الخطوط الحمراء
يوفال غرين، طالب عمره 26 سنة، ومظلي في الاحتياط، أكد أنه تردد كثيراً حتى قبل 7 أكتوبر ما إذا كان عليه مواصلة الخدمة في الاحتياط، على خلفية معارضته للاحتلال ولسياسة إسرائيل في الضفة الغربية. الأصدقاء الذين أخدم معهم في الاحتياط كانوا معي أيضاً في الخدمة النظامية، ولذلك علاقتنا حميمية. نحن أصدقاء من العام 2018. “عندما فهمت أن الاستقالة من “الاحتياط” هي الأمر الصحيح، لم يكن اتخاذ القرار سهلاً”. في عيد العرش، قرر التوقف نهائياً عن الخدمة في الاحتياط، وكتب رسالة لأصدقائه في الوحدة حول ذلك. كان ينوي أن يرسل الرسالة يوم الأحد بعد عيد نزول التوراة.
في 8 تشرين الأول وضع غرين الشكاوى الأخلاقية جانباً وتجند للاحتياط. بعد شهرين من التدريب والمهمات في الشمال، تم إرسال الطاقم إلى خان يونس. كان هذا في بداية كانون الأول بعد بضعة أيام على انتهاء الصفقة التي في إطارها تم تحرير أكثر من 100 مخطوف. قبل نهاية كانون الأول، أدرك من تقارير في الراديو بأن إسرائيل ترفض شرط حماس لتنفيذ صفقة جديدة: إنهاء الحرب. “كان هذا خطاً أحمر وضعته لنفسي، لكني اجتزته. كان الطاقم مهماً بالنسبة لي”، قال غرين. واجتاز خطاً أحمر عندما أمر قائد الفصيل الطاقم بإحراق بيت تواجدوا فيه، عندما حان الوقت لتركه. أحرق الطاقم بيوتاً قبل ذلك أيضاً، لكن هذا الأمر تم في مكان أعدّ للهدم بسبب قربه من الحدود. في هذه المرة، لم ينجح غرين في فهم المبرر العملياتي لإحراق بيت يتكون من عدة شقق. “تحدثت مع قائد الفصيل وحاولت فهم السبب. هل هو بيت لأحد أعضاء حماس؟ شعوري أنه من الواضح لقائد الفصيل أننا نحرق هذه البيوت بلا سبب”.
حسب أقوال غرين، فإن قائد الفصيل أوضح له بأنه يجب إحراق البيت كي لا نبقي فيه أي وسائل قتالية فتنكشف طرق قتال الجيش الإسرائيلي. ولكن غرين لم يقتنع. وقال بأن الوسائل القتالية يمكن إخراجها، ولا توجد أساليب قتال خاصة ستكشف من النظر إلى البيت الذي تواجد فيه الجنود. “قلت إذا فعلوا ذلك سأذهب. لكنهم أحرقوا البيت حقاً وذهبت ولم أرجع. هذا حدث بعد أربعة أشهر متواصلة في الاحتياط وبعد بضعة أيام على تسريح الوحدة التي كنت أخدم فيها. القادة والأصدقاء فهموا ذلك، وحتى الآن لم يكن لهذا الفعل أي تداعيات”. منذ ذلك الحين لم يتم إرسال أمر تجنيد آخر له. وهو يؤكد أنه لا ينوي الامتثال للخدمة في الاحتياط إذا تم استدعاؤه.
قتل بدون منطق
ميخائيل عوفر زيف (29 سنة) من تل أبيب، هو أيضاً وقع على رسالة رفض الخدمة في “الاحتياط”. طوال خدمته النظامية كان مقاتلاً في لواء “كفير”، ثم ضابط عمليات في اللواء 16. في تشرين الأول الماضي، عاد من رحلته إلى تركيا للامتثال للأمر 8، وخلال القتال تم تعيينه ضابط سيطرة وتحكم في اللواء. من قيادة اللواء الذي خدم فيه، تابع في الوقت الحقيقي صور المسيرات التي وثقت عمليات قصف سلاح الجو الإسرائيلي في القطاع. “هذا بعيد عنك، لكن الشعور أنه هذا غير حقيقي”، قال. “تراهم يدمرون السيارات والمباني والأشخاص. في كل مرة ينهار فيها مبنى، يهلل الجميع بدهشة. كان لي وللكثيرين تجربة “واو”، ما هذا الجنون، وتسمع أصوات “سنريهم، وننتقم منهم”.
وجاء من الجيش الإسرائيلي: “الجيش الإسرائيلي يعمل على تحقيق أهداف الحرب، تفكيك حماس وإعادة المخطوفين. وأي عملية تهدف لذلك. أوامر فتح النار أعطيت للجنود كجزء من الدخول إلى الحرب. هذه التعليمات تعكس القانون الدولي الذي تلتزم به إسرائيل. حرب المباني بدون حاجة عملياتية مخالفة لتعليمات الجيش وقيمه. تفجير وهدم المباني تم بوسائل مصادق عليها ومناسبة لذلك وحسب الأوامر ذات الصلة، وإن مهاجمة الأهداف والمباني المأهولة يصادق عليها من الأعلى حسب سياسة النيران لدى هيئة الأركان، مع تقليص المس بالأشخاص غير المتورطين بقدر الإمكان. ينظر الجيش الإسرائيلي بخطورة كبيرة إلى دعوات رفض الخدمة في الاحتياط. والقادة يفحصون كل حالة على حدة ثم يعالجونها”.
هآرتس 25/6/2024