القاهرة ـ «القدس العربي»: هل اقتربت ساعة الصفر لإنهاء معاناة مليوني غزاوي تجاهل معاناتهم العالم، وغض الطرف عن دعمهم الأشقاء.. على مدار الساعات الماضية وبينما المقاومة تبلي بلاء حسنا، على الجبهات كافة، راهن البعض على تحول قد يسفر عن وقف الحرب، وقال خالد داود مدير تحرير “الأهرام ويكلي”، إن دولة الاحتلال الإسرائيلي في حالة فوضى كبيرة على مستويات عديدة، سواء ما يتعلق بتصريحات بيني غانتس أو يائير لابيد زعيم المعارضة، وكذلك التطورات الداخلية في إسرائيل، مثل الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية بشأن وجوب تجنيد اليهود الحريديم. وأضاف داود في تصريحات تلفزيونية: “أطراف داخل تحالف نتنياهو الحاكم، وهي الأحزاب المتدينة ستهدد بترك هذه الحكومة، إذا جرى البدء في تنفيذ هذا القانون، لأنهم يعتبرون أنه بمثابة تجاوز لخط أحمر، في إجبار المتدينين على الالتحاق بجيش الاحتلال، وهو أمر قاوموه منذ إنشاء دولة الاحتلال”. وتابع: «تصريحات نتنياهو متناقضة، فقال إنه لن يوافق سوى على اتفاق جزئي مع “حماس” وسيواصل احتلال قطاع غزة، وسيستأنف القتال فور انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه قال في اليوم التالي إنه ما زال متمسكا بالخطة التي أعلن عنها الرئيس بايدن، وبالتالي، فإن هناك الكثير من التطورات الداخلية في إسرائيل، التي إذ تصاعدت فإنها ستؤدي إلى خروج نتنياهو من الحكم».
على مستوى النكبات الداخلية وفي تصرف جدد الأمل بين النخبة وقوى المعارضة المصرية، ودعاة التغيير قامت مئات المقاهي التي يمتلك بعضها محولات كهربائية بالتوقف عن إذاعة مباريات كرة القدم والامتناع عن تقديم ألعاب الدومينو والنرد، وتهيئة المناخ أمام طلاب الثانوية العامة من خلال استقبالهم، بعد أن حال بينهم انقطاع التيار الكهربائي الذي امتد لساعات طويلة، وبين المذاكرة. وأعلن كذلك عدد من الكنائس السناتر التعليمية ومؤسسات اجتماعية بالسلوك نفسه، وحرص عدد من الوجهاء والميسورين على تقديم المشروبات مجانا للطلاب، وجدد السلوك الجماعي لدعم الطلاب في محنتهم، الأمل باستعادة أجواء الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام 2011، حينما تكاتف المصريون من أجل مواجهة الأحداث التي تعرضت لها البلاد، وبينها تشكيل لجان شعبية وتقديم الأطعمة لشباب الميادين.. وتعهد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وقف قطع الكهرباء ابتداء من الأسبوع الثالث من يوليو/تموز المقبل، وكشف عن وضع خطة لتقليل فترات انقطاع الكهرباء خلال الصيف بتكلفة تقديرية تبلغ مليار دولار، بالإضافة إلى التعاقد على شحنات من المازوت تقدر بـ300 ألف طن تصل بداية الأسبوع المقبل بتكلفة 180 مليون دولار. وشدد على أن مصر توقفت عن التصدير منذ ثلاث سنوات. وتابع: أن عطلا حدث في أحد الحقول في دول الجوار (إسرائيل) ما أدى إلى توقفها عن العمل لأكثر من 12 ساعة، مما زاد من فترة انقطاع الكهرباء، بينما نفى المستشار محمد الحمصاني المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء، وجود أي مشاكل في حقل ظهر للغاز، مؤكدا أن ما يتردد حول مشاكل أدت إلى تراجع إنتاجه، سبق أن نفت وزارة البترول صحة هذه المعلومات.. وفجّرت تصريحات رئيس الوزراء والناطق بلسان الحكومة حالة من الفزع والغضب، بين كثير من المواطنين، خاصة بعد أن تبين أن تلك الدولة التي يعنيها رئيس الوزاء هي إسرائيل التي توقفت مؤخرا عن تصدير الغاز لمصر، وكشفت تلك التصريحات وهم امتلاك مصر لكميات هائلة من الغاز وتساءل كثير من المراقبين كيف نستورد سلعة استراتيجية من عدونا التاريخي.
تركناهم للإبادة
ماذا فعل العرب فرادى ومجتمعين من أجل حشد أكبر قدر من الرأي العام الإقليمي والعالمي للتضامن مع فلسطين ضد العدوان الإسرائيلي الهمجي المستمر على قطاع غزة؟ يطرح عماد الدين حسين السؤال في “الشروق” بعد أن علم أن إسرائيل تسعى بكل الطرق لتجنيد السياسيين والمشرعين والمثقفين والمؤثرين في كل بلدان العالم لدعم عدوانها الإجرامي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا خلاصته، أن إسرائيل استخدمت الذكاء الاصطناعي والتضليل الإعلامي للتأثير على مشرعين في الكونغرس وعلى الرأي العام الأمريكي من أجل استمرار تأييد عدوانها، أو على الأقل عدم معارضته. أعرف وأدرك أن معظم مواقف الدول العربية بشأن القضية الفلسطينية عموما، والعدوان الإسرائيلي خصوصا، صارت شديدة التباين منذ سنوات، لكن إذا احتكمنا إلى المواقف الرسمية للحكومات العربية، فكلها تدين العدوان الإسرائيلي وتطالب بوقفه. ونعرف أيضا أنه تبين لجميع العرب، معتدلين ومتشددين، أن إسرائيل لا تفرق بين عربي وعربي. الجميع لديها سواء. وإذا كان الإسرائيليون قد انتقدوا وهاجموا أي مسؤول دولي وأجنبي تعاطف مع الفلسطينيين، واحتج على المجزرة المستمرة، فهل نتخيل أن يتعاطفوا مع أي عربي حتى لو لم ينطق بكلمة ضدهم. سؤالي البسيط: لماذا لا نستخدم ما هو موجود لدى العديد من الحكومات العربية من أوراق ضغط، ضد إسرائيل؟ وأنا هنا لا أتحدث من قريب أو بعيد عن قطع العلاقات أو إعلان الحرب، بل حتى تصل لإسرائيل رسالة أننا أمة حية. لا أطالب بالتضامن مع “حماس” أو “الجهاد”، بل مع الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يتعرض لأبشع مذبحة عرفها التاريخ الحديث.
قلدوا عدوكم
قياسا على ما فعلته وتفعله إسرائيل مع غالبية السياسيين في العالم، فلماذا لا تفكر الحكومات العربية في وسائل تشعر المؤيدين للعدوان بأن هناك ثمنا ينبغي أن يدفعوه؟ يستشهد عماد الدين حسين بعضو الكونغرس الأمريكي المعروف لندسى غراهام المقرب من بايدن وترامب، حيث قال مؤخرا إنه يؤيد استخدام إسرائيل للقنبلة الذرية لمسح غزة من الوجود. صحيح أنه حاول لاحقا التقليل والتنصل من تصريحه العنصري الإجرامي، لكن الجرأة وصلت به هو والعديد من أعضاء الكونغرس إلى مهاجمة بايدن حينما قرر تعليق إرسال شحنة ذخائر إلى إسرائيل، حتى لا تهاجم رفح. غراهام دعا إلى معاقبة محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لأنهما تجرأتا وانتقدتا إسرائيل. سؤالي: لماذا لا نمنع استقبال غراهام في أي عاصمة عربية حتى يقتنع بأن هناك شعبا فلسطينيا يستحق الحياة، وحتى يتوقف العدوان الإسرائيلي؟ لماذا نستقبله في العواصم العربية بالحفاوة وهو يدعو إلى إبادة الفلسطينيين، ويؤيد إسرائيل أكثر مما يؤيد بلده وحكومته؟ ما ينطبق على غراهام ينطبق على مئات المشرعين في الولايات المتحدة وعواصم أوروبية، يفترض أن نقول لهم بوضوح إننا ضد هذه المواقف. لماذا ترحب العواصم العربية بشخصيات عنصرية عدوانية، لماذا لا نقول لهم إنكم بهذه المواقف تؤيدون استمرار المذبحة؟ في المقابل هناك شخصيات غربية وعالمية ناصرت الشعب الفلسطيني ونددت علنا بهمجية العدوان الإسرائيلي، من أول أنطونيو غوتيريتش إلى أعضاء في البرلمان الأيرلندي والإسباني والنرويجي والسلوفيني، وبعض البرلمانات الغربية وكذلك العديد من الشخصيات العامة، وقبل هؤلاء جميعا كل المسؤولين في جنوب افريقيا الذين تحلوا بالشجاعة وتحدوا إسرائيل وجرجروها وفضحوها في محكمة العدل الدولية، وبعدها انضم العديد من الحكومات إلى هذه الدعوى. إذا كانت الحكومات العربية لا تستطيع أن تتخذ مواقف صارمة، فعلى الأقل لا نبتسم في وجه القتلة.
أقل واجب
يستدعي الدكتور مصطفى حجازي في “المصري اليوم”، شهادة سارة روي وهي ابنة يهودي ناجٍ من المحرقة النازية، وأحد الخبراء في غزة ومفادها، أن الحرب الوحشية الإسرائيلية على غزة، بَدَّلَت وللأبد معنى وشكل الصراع على فلسطين، بل أصبحت كلمة الصراع كلمة مضللة في مفهومها، حيث صار من المخزي أن نُسَمِّيه صراعا بين شعبين، وكيف لنا ذلك وعملية الإبادة العرقية طالت كل معنى للحياة، فقد صَكَّت مذابح غزة مفاهيم جديدة للإبادة.. فصار هناك «الإبادة العمرانية» بهدم كل ما يمكن أن يكون سكنا، و«الإبادة التعليمية» بتدمير كل ما يمت للعملية التعليمية بصلة من المباني حتى الأساتذة والطلاب، ثم «الإبادة البيئية» بحرق المزارع واقتلاع الشجر و«الإبادة الاقتصادية» بتحطيم كل عناصر الاقتصاد في غزة. لمن لا يزالون منا يتصورون أن المظاهرات ضد حكومة نتنياهو هي في معرض رفض وحشية ما يجري.. فعلينا ألا نتعامى عن حقيقة راسخة في وجدان مستوطني فلسطين المغتصبة، أي كل مواطن ارتضى أن يكون مواطنا لدولة إسرائيل (إلا باستثناءات آحاد منهم)، وهي أن الانتقام الوحيد لما جرى لهم في معسكرات الاعتقال النازي في «أوشفيتز» ومثائلها، هو الإمعان في الوحشية في عقاب غزة، على ما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول وقتل مدنييها دون رحمة، وسحق الحياة فيها دون تمييز. قد يحتقر أكثر من نصف مواطني إسرائيل نتنياهو كسياسي، ولكن قرابة التسعين في المئة من هؤلاء اليهود يرى أن رد فعل نتنياهو في الإبادة التامة لنبت الحياة في غزة هو أقل رد فعل واجب.. في أحد أكثر تجليات الانحطاط الأخلاقي فجاجة في تاريخ البشرية.
عودة الوطن وعودة الحق
بغض النظر عن الطنين الذي لا ينقطع الآن عن حل الدولتين وضرورته ونجاعته.. ذاك الطنين الصادر، حسب الدكتور مصطفى حجازي، من الولايات المتحدة وداعمي إسرائيل في الغرب الأعمى.. فبين أيدينا حجتهم الجاهزة والداحضة، بعد أن يهدأ غبار القتل في غزة.. عن استحالة حل الدولتين، رغم حسن نوايا إسرائيل ومن خلفها.. لأن ما تبقى من إقليم في فلسطين للفلسطينيين لن يصلح عمليا لإقامة شبه دولة.. باسم الكذبة الكبرى حل الدولتين صار مستحيلا بالفعل.. ألا نندهش.. وأن نكف عن الدهشة.. فالدهشة ليست قدرا تاريخيا ولا وظيفة شعوب.. ولهذا دعونا لا نصرف الجهد العربي ولا الموارد العربية ولا الوجدان العربي.. إلا في اتجاه منطقي واحد وهو «حل الدولة الواحدة». دولة واحدة ديمقراطية يحيا فيها وبمنتهى الرقي والتسامح من عُصف بحقوق أجدادهم ومن شُرِّدوا باسم الكذبة الكبرى.. مع سليلي من شردوهم وقتلوهم.. ولنا في جنوب افريقيا المثل الإنساني الفريد بكل نقاء فكرته، كما جسدها مانديلا.. ولنصحح الخطأ التاريخي بقوة من التسامح والتسامي والعقلانية.. ولنثبت على ما ثبت عليه إخوتنا في جنوب افريقيا بـ«أن تقنين الباطل لا يحيله حقا.. وأن شيوع الباطل لا يحيله حقا.. وأن قوة الباطل لا تحيله حقا».. ولنقتف تعريفا قاطعا لحق الأمة الفلسطينية في أرضها ولنثبت عليه. هذا ليس نكثا عن عهود السلام ولا التفافا على الرغبة في التعايش، بل وفاء بتلك العهود وتمثلا لتلك الرغبة.. مع شركاء تعايش نكدين يثبت كل يوم كراهيتهم لمعنى السلام معنا.. لا يرتوون إلا بدمائنا ولا يشعرون ببعض القدر إلا في الحط منا.. فها هو نتنياهو يصف جرائم حربه، بأنها الانتصار للحضارة اليهودية المسيحية على البربرية (وهي نحن بالضرورة عربا ومسلمين). مواطنو إسرائيل هم يهود فلسطين، لن يستطيعوا أن يحيوا مسالمين مع المحيط العربي حولهم إلا إذا صاروا مواطنين لدولة فلسطين العربية، وفي ذلك الكثير من التسامح والتسامي والعقلانية في التعاطي معهم. يبدو الأمر بعيدا.. مستحيلا.. إن كان كذلك فليس أبعد من أوهام الدولتين، وليس أكثر استحالة من حل الدولتين. عودة القدر.. وعودة الأرض.. وعودة الوطن.. وعودة الحق.. كل ذلك مكفول.. متى «الروح» عادت.. وأظنها قد عادت.
يستخفون بالعالم
عَلامَ يُراهِن الإسرائيليون بتحديهم السافر لأكبر محكمتين في العالم: العدل الدولية، والجنائية الدولية؟ وبماذا سوف يواجهون المحكمتين في الجلسات القريبة المقبلة؟ يمضي أحمد عبد التواب في طرح أسئلته في “الأهرام”: لماذا لا تهتم التظاهرات الصاخبة في إسرائيل بهذه القضية؟ ولماذا تغيب عن تعليقات كبار السياسيين من مختلف الأحزاب؟ وهل يكفي اطمئنانهم إلى مساندة أمريكا في تعطيل تنفيذ أي قرارات ضدهم؟ وماذا عن الآثار السياسية في العالم أجمع؟ ولماذا لا يعيرون التفاتا إلى المستجدات الخطيرة التي طرأت على أحوال العالم ضدهم؟ ليس فقط في تظاهرات شباب الجامعات ضد جرائمهم في غزة، لكن أيضا في إعلان بعض الدول الحليفة تاريخيا لهم، أنها سوف تلتزم بقرارات المحكمة الجنائية إذا صدرت بإلقاء القبض على مسؤولين إسرائيليين؟ الموضوع خطير على إسرائيل، لأن النائب العام للمحكمة الجنائية، كريم خان، طلب من محكمته إصدار مذكرة اعتقال لأكبر مسؤوليْن في إسرائيل، رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الدفاع غالانت، في تهمة ارتكاب جرائم حرب. كما أن محكمة العدل رأت جدية في اتهام دولة جنوب افريقيا بارتكاب الإسرائيليين أخطر تهمة وهي الإبادة الجماعية، فأدرجت المحكمة نظر التهمة في جدولها، أما في الشق العاجل فقد اتخذت عدة قرارات، ولما تبين لها أن إسرائيل لم تلتزم قط بتنفيذ ما يخص تسهيل الاحتياجات الإنسانية العاجلة لسكان غزة المدنيين من غذاء وشراب ودواء، إلخ، أصدرت المحكمة قرارات إضافية تمنع إسرائيل من اقتحام رفح، فأصرت إسرائيل أيضا على التحدي واقتحمت رفح، بل إنها استمرت في إغلاق المعابر التي تسيطر على إحدى ناحيتيها، كما دمرت تماما الناحية الفلسطينية من معبر رفح، الذي كان المنفذ الوحيد لنقل الاحتياجات من مصر، كما أنها زادت من معدلات القتل والترويع وتدمير المنشآت المدنية، بزعم أنها مخابئ لمقاتلي “حماس”، ولم تقدم أي دليل على مزاعمها، بل إنها سخرت من العالم بأن ضرباتها كانت دقيقة ضد مقاتلي حماس، وأنها لم تمس المدنيين. وكان آخر جرائمها الإضافية، التي لم تتطرق إليها أي محكمة بعد، في قصف جنوب لبنان بالفسفور الأبيض الممنوع دوليا أي أنها تجبر حزب الله على التصعيد بدوره، بعد أن كان حذرا طوال الأشهر الأخيرة على أن تكون ضرباته بحساب.
التنكيل بالأغلبية
خلق قطع التيار الكهربائي حالة من الاستياء بين جموع الشعب المصري، خاصة أنه يأتي في ظل ارتفاع كبير في درجات الحرارة، فضلا عن امتحانات نهاية العام، خاصة انها تواكب الثانوية العامة «بعبع» كل بيت مصرى من عقود طويلة. يتساءل أمجد مصطفى في “الوفد”: هل الدولة تريد «العكننة» على الناس، أم أن هناك سببا قهريا فرض على الحكومة هذا الواقع؟ وزارتا الكهرباء والبترول أعلنتا في بيان لهما عن استمرار خطة تخفيف الأحمال الكهربائية التي بدأ تطبيقها منذ الاثنين الماضي، بمقدار ساعة إضافية، حتى نهاية الأسبوع الحالي. وقالت الوزارتان إن استمرار تخفيف الأحمال الكهربائية يهدف للحفاظ على التشغيل الآمن والمستقر لشبكة الغاز ومحطات إنتاج الكهرباء. هذا يعني أن هناك ضرورة لذلك حتى نكون جميعا في أمان. هذا رأى الحكومة، ما يعني بالتأكيد أنها تلجأ لذلك لظرف قهري خارج عن الإرادة. لكن هل هناك بدائل وحلول لتخفيف الأحمال؟ بالتأكيد هناك طرق وبدائل، من بين تلك الحلول، غلق المحال التجارية في السابعة مساء، كما يحدث في أوروبا، كل المحال التجارية تغلق في هذا التوقيت، وللأسف نحن لا نطبق هذا النظام ونترك المحال تعمل في الصيف حتى الحادية عشرة مساء، وأحيانا بعد ذلك، وبالتأكيد هذا الأمر يرهق شبكة الكهرباء، خاصة أن هناك محلات ومولات تجارية كبيرة تستخدم أحمالا كبيرة بسبب الإضاءات وأمور أخرى كثيرة، وبالتالي لا بد من أن تقوم الحكومة الجديدة التي اقترب الإعلان عنها، أن تعيد النظر في سياسة استهلاك الكهرباء في الشق الخاص بالمحال التجارية، والإعلانات الموجودة في الشوارع، حتى لا يشعر المواطن في المنزل أنه فقط الذي يدفع ثمن فاتورة ارتفاع الاستهلاك.
الحقيقة غائبة
انتقد النائب ضياء الدين داوود، عضو اللجنة التشريعية في مجلس النواب، الحكومة على خلفية أزمة انقطاع التيار الكهربائي، مطالبا إياها بـ«مصارحة» المصريين بكل التفاصيل المتعلقة بإنتاج حقل ظهر للغاز، وذلك في ظل تساؤلات حول مدى صحة التقارير، التي تتحدث عن تراجع إنتاجه. نقل محمد شعبان في “الشروق”، عن داوود قوله: «لا بد من مصارحة المصريين، ما هو وضع حقل ظهر؟ لا بد من أن تكون هناك شفافية لو حصل انخفاض في الإنتاجية ترتبت عليه كارثة لا بد من أن نعرف، وزير البترول يجاوبنا ورئيس الحكومة يتحمل مسؤولياته، المسألة ليست مفاصلة المصريين في ساعة ولا ساعتين، الشعب في حالة خطر وقلق، كل شيء أصبح ينذر بالخطر حول المصريين، نخشى الغضب الشعبي». وطالب الحكومة بالكشف عن مصادر استيراد الغاز، قائلا: «الحل يبدأ بشفافية المعلومات بإصدار بيانات حقيقية تصارح بها الحكومة الشعب والبرلمان عن وضع الغاز، ومن أين تستورد الدولة الغاز، ومدى فائدة المحطات التي أرهقت الموازنة العامة للدولة مليارات الدولارات، المصريون استدانوا وتحملوا لأجل أن يستريحوا ويروا التنمية، وليس لأجل أن يهانوا بقطع الكهرباء 6 ساعات كل مرة 3 ساعات». وانتقد أداء حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، متسائلا عما حققته خلال سنوات عملها، معقبا: «أنا أرفض أن يشكل الدكتور مصطفى مدبولي الحكومة الجديدة، منذ 2018 وأنت رئيسا للحكومة على مدى 7 سنوات، ماذا قدمت حجم الدين كان وقتها كام، وخدمة الدين اليوم كام»، وأضاف: «الطرق التي تم إنشاؤها تتهدم، ولا يوجد طريق ينتهي على الوجه الأكمل، شاحنات النقل الثقيل تسير في حارات السيارات الملاكي، وتسببت في تكسيرها، وسنحتاج إلى مليارات الجنيهات لإصلاحها، لكن أهم شيء بوابات تحصيل الرسوم فقط، فالمصريون تحولوا إلى مجرد أداة لتنمية موازنة الحكومة، الشعب ساخط على الجميع، انزلوا إلى الشوارع واسألوا الناس، الناس طقت من الحر وانقطاع الكهرباء».
أزمة وتعدي
مرت علينا أزمات عصيبة كثيرة، أزمات كُنا وصلنا فيها لفُقدان الأمل، أزمات عشنا فيها أحلك اللحظات، أزمات عشنا فيها أسوأ المواقف، كان الوضع كما وصفه بلال الدوي في “الوطن” مُزريا والحال مائلا، وأعيننا كانت تذرف الدموع من ضيق ذات اليد والخوف من المستقبل.. تحملنا الكثير واعتصمنا بحبل الله – عز وجل- وجَمعنا شَملنا وربطنا بِطوننا واستقبلنا الصدمة وراء الصدمة، لم يتحمل همنا أحد غيرنا، لم يصمد أمام الأمواج العاتية إلا نحن، واجهنا المُتغيرات.. والنتيجة المبدئية: مرت الأزمة وراء الأزمة، وأصبحت أزماتنا مُجرد ماض وذكرى مؤلمة نتذكرها في المواقف الأليمة.. والنتيجة النهائية: عاشت «مصر» رافعة رأسها وكرامتها مُصانة وشعبها صلب صلابة الحديد. الآن، يُعيد التاريخ نفسه، وتواجه «مصر» أزمة طاحنة في الكهرباء منذ فترة قصيرة، أزمة أسبابها شائكة، أزمة تدخل فيها الرئيس السيسي ووجه بتشكيل لجنة لإدارة الأزمة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء.. وقبل الدخول في الأزمة تعالوا بنا نتحدث – بصراحة وبجرأة- عن الأسباب الحقيقية لأزمة الكهرباء التي نحن بصدد الحديث عنها، كُلنا يعلم بأن هناك تدفقات دولارية كانت تأتي لـ«مصر» كمورد للدخل القومي من قناة السويس، هذه التدفقات الدولارية زادت خلال السنوات الـ (6) الماضية بعد أن تم حفر قناة السويس الجديدة وأصبح عدد السفن والشاحنات التي تعبر القناة يوميا يصل إلى (98) شاحنة بعد أن كانت (49) شاحنة، وبعد الصراع الذي طرأ في مضيق باب المندب ووجود مواجهات في البحر الأحمر، ما سبب تهديدا مباشرا للملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي قلة عدد السفن والشاحنات المقبلة لقناة السويس وبالتالي – أيضا- أثر ذلك على دخل القناة الدولاري الذي نحتاجه لشراء المازوت والغاز المُستخدم في محطات الكهرباء.
فلنواجهها معا
عدد بلال الدوي الأسباب التي تدعوه للتفاؤل بشأن تجاوز الأزمات الطاحنة التي تواجهنا تباعا: ثقة في الله ثم ثقة في الجهود التي يبذلها الرئيس السيسي، وثقة في تحركات الحكومة العاجلة، وثقة في أن الوضع الدولي الحالي في مضيق باب المندب، لن يستمر في حالة توتُر لفترة أطول، فالبعض يريد توسيع الصراع وانتشاره، لكن هناك أيضا قوى عاقلة – مُمَثلة في «مصر» – مؤمنة بضرورة نشر السلام ورفض توسيع الصراع وعودة الهدوء في الشرق الأوسط، وبذلك تعود الملاحة هادئة كما كانت عليه في مضيق باب المندب، وهو ما ينعكس على استمرار حركة الملاحة الهادئة في قناة السويس. ستمُر أزمة الكهرباء وسنعتبرها (أزمة وعدت، مثلها مثل غيرها من الأزمات)، سنتحمل ونحن مُدركون بأنها ظرف طارئ سيمُر بمرور الوقت، سنتحمل ونحن مؤمنون بأن كل الجهود تُبذل وليس بيننا مُقصِر أو مُتكاسِل أو مُتغافل عن حلها، سنتحمل ونحن نعترف بالأزمة ولا نُخفيها ولا نُداري عليها، سنتحمل ولا نختبئ ولن نترك المواطنين يضربون روؤسهم في الحيطان ولا نقول لهم الحقيقة، بل نقول لهم كل الحقيقة ولا نتعالى عليهم ولا نتكبر عليهم.. سنتحمل ونحن في وسط الأزمة ونعتذر للمواطنين وندعوهم يتحملون المسؤولية تجاه إحدى أزمات بلادهم، التي ستنتهي خلال أيام من دون تقصير من أحد، لأنها أزمة طارئة وستمُر.. نعم أزمة ستمُر ونحن أقوياء وواعون ومُدركون بأن الأزمة لا بد أن نواجهها معا.
ليست الأولى
أزمة انقطاع الكهرباء، ليست الأزمة الأولى التي تواجهها مصر في السنوات الأخيرة، منذ قيام ثورة 30 يونيو/حزيران والأزمات تتوالى، على حد رأي عماد فؤاد في “الوطن”، وما أن نتجاوز واحدة حتى تلاحقنا التالية لها، وستواجهنا أزمات أخرى لا يعلمها إلا الله وسنتجاوزها أيضا. خرجنا من الثورة بالإنجاز التاريخي الأهم، وهو استعادة الهوية المصرية من قبضة جماعة الإخوان الإرهابية، وبعدها مباشرة واجهنا أخطر الأزمات على الإطلاق، وهي خطر الإرهاب المدعوم من قوى دولية ماليا ولوجستيا وسياسيا أيضُا، وبقوة الإرادة، وبعزيمة رجال قواتنا المسلحة وشرطتنا المدنية، وبدمائهم أيضا تجاوزنا الأزمة. وبعدها واجهنا جائحة “كورونا”، بكل تداعياتها وآثارها السلبية التي ضربت دولا متقدمة على المستويين الصحي والاقتصادي، ووفرت الدولة اللقاحات لكل المصريين مجانا، ولم نفقد عشرات الآلاف من الأرواح كغيرنا، وبإجراءات اقتصادية دقيقة وحاسمة، تم دعم العمالة غير المنتظمة، ومساندة الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية.. وتجاوزنا الأزمة. وتصدت الدولة – بإرادتها – لأزمة ظلت كامنة لسنوات طويلة، من دون أن يفكر أحد في مواجهتها، وهي أزمة توطن “فيروس سي” في أكباد المصريين، وكان بمثابة “العار” الذي يلاحق المصريين أينما ذهبوا إلى أي بقعة من بقاع الأرض، نجحت مصر في الخلاص من هذه السبة، في سابقة اقتضت إشادة منظمة الصحة العالمية بهذا الإنجاز.. وتجاوزنا الأزمة.
أزمة تلو أخرى
بالمثل والكلام ما زال لعماد فؤاد، تصدت الدولة لأزمة العشوائيات، وانتقل سكانها من دائرة الخطر، إلى المدن البديلة التي تحفظ كرامتهم، وتراعي آدميتهم، والمؤكد أننا سنتجاوز تلك الأزمة. أزمة انقطاع الكهرباء مزعجة لأبعد مدى، وأثارت غضب الكثيرين، ومعهم كل الحق في ذلك، ولكن المؤكد أنها لن تستمر، وسنتجاوزها، كما تجاوزنا غيرها من الأزمات التي لم يكن من المتصور تجاوزها. اللافت أن الحكومة (اللي مش عاجبة حد) تتعامل مع الأزمة منذ اليوم الأول بمنتهى الشفافية والوضوح، وما قاله الدكتور مصطفى مدبولي في المؤتمر الصحافي قبل أيام، عن أسباب الأزمة لم يكن مفاجئا، قاله من قبل، فالمشكلة ليست في قدرات المحطات على توليد الطاقة، ولا في النقل والتوزيع، لكنها في تدبير الكميات اللازمة للتشغيل على مدار الأربع والعشرين ساعة يوميا، بما يشكل ضغطا كبيرا على مواردنا الدولارية. الأزمة ستنتهي حتما، وبدأت الدولة بكل أجهزتها المعنية في تنفيذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالحد من فترات الانقطاع والتوزيع العادل لها، حتى القضاء عليها تماما، في أقرب وقت ممكن. ما زالت مساحة الثقة بين المصريين والرئيس عند حدودها الآمنة، ولن تفلح محاولات الوقيعة بيننا، ومن لا يفطن لهذه المعادلة، فقط أنصحه بمراجعة طبيبه النفسي، وتأمل المثل الشعبي الذي يخص الشعب المصري وحده “الضربة اللي ما بتموتش بتقوي”.
الحكاية انتهت
الستينيات.. وما أدراك ما الستينيات تبدو فيها كمن يرقص على السلالم تاركا وراءه عمرا بأكمله؛ وأمامه سنوات تفر منه كالساعات وفق ماشبهها خالد حمزة في “المشهد”: هاجس يلح عليه: أنت عجوز أكل عليه الزمن وشرب، ولم تعد تلهيه سوى ذكريات هنا وهناك، عن أب أفنى حياته البسيطة وجرى جري الوحوش ليربي أبناءه ونصيبه في النهاية لم يحوش؛ تاركا الدنيا غير آسف وهو في الـ56 من عمره؟ أو عن أم استلمت الراية من بعده ولـ30 عاما ويزيد؛ لتكمل رسالته قبل أن تموت مهمومة بالزهايمر الذي استوطنها لـ3 سنوات كاملة، أو تشغلك ذكريات من عينة، مرضك الأول أو حبك الأول، حينما صدمت بالرفض بنعومة تشبه حد السيف؛ لتنصرف مهموما باكيا في حجر أمك شريط سنوات عمرك الذي راح وانقضى يلح على خاطرك، بعضه يقول لك: أنت فاشل وبامتياز. أنظر لمن كانوا معك وصاروا ملء السمع والبصر، وتكدست أموالهم في البنوك؛ أو صاروا من الأعيان وامتلكوا هنا وهناك وأنت محلك سر؟ أحيانا يلح على عقلك ما اتخذته من مواقف وآراء كلفتك الكثير؛ وسط لوم من حولك: عامل ثورجي.. اشرب بقى ويعطيك.. إنك لم تأكل من على كل الموائد، ولم تكن عبدا لصاحب كرسي. تحاول أن تفلت من دائرة فشلك المستمر، تجرب مرة أن تضع ما ادخرته من فلوس قليلة في البورصة، أو في الأوراق المالية؛ فتكون النتيجة: الفشل الذريع تهرب لهواية أحببتها في الكبر؛ فتشترى عددا من أصص الزرع؛ وتزرع ورودا وفاكهة وبعض الخضروات.. فتفاجأ أنها لا تنبت أبدا. وهكذا تمضي أيامك.. من فشل لفشل تفزعك وتوقظك.. يد شخص تربت على كتفك وتقول: سلامتك.. يا حاج؟ جملة تلخص كل معاناتك وتعيدك لقواعدك سالما؛ فلم يعد في العمر بقية.. وما فات قد فات وما مرّ من أفراح وأتراح.. لن يعود أبدا. أصبحت عجوزا بشهادة الناس والزمن؛ ده عجوز وبيخرف.
سمكة تكفي
لفت نظر الشيخ محمد الغزالي يوما صياد بسيط كان يجلس إلى شاطئ البحر في مدينة الجزائر العاصمة. رمى الصياد سنارته، وانتظر صابرا، ساعة أو أكثر حتى غمزت سنارته، فسحب الخيط ليجد سمكة كبيرة مُبهرة. لم يكد الرجل يراها حتى تهللت أساريره فرحا، ثم فك وثاقها وألقى بها في سلته، وحمل حقيبته، وغادر راضيا. لحقه حسب مصطفى عبيد في “الشروق” الشيخ الغزالي وفق روايته ـ وسأله عما يدفعه للمغادرة. وقال له: ألم يكن من الأفضل أن تزد مكوثك ساعتين أو ثلاثا لتصطاد سمكا أكثر. ردَّ الصياد بأنه حصل على رزق اليوم، واكتفى فما اصطاده يكفي لإطعام أسرته. لكن الشيخ جادله بأن رزق اليوم مفتوح، وأنه كان يمكن أن يصطاد المزيد من الأسماك ويبيعها ويحقق ربحا أكبر. هذه الحكاية التي حكاها الشيخ الغزالي- رحمه الله – نموذج شائع لتصورات عامة بين الناس، بأنهم حازوا رزقهم، وأنه لا سبيل للمزيد من العمل والإنتاج للحصول على المزيد والمزيد. وهؤلاء يتدثرون بنصوص عديدة من التراث تحض على القناعة، وتُحرض على الزُهد وتُحفّز على الرضا بالقليل. وهي نصوص نقية وطيبة وجميلة، لكن ترسيخها وتكريسها في مجتمعات تنشد النوم مثل مجتمعاتنا يُفتت طموحات البشر، ويصُب في خانة الكسل والاتكال ويسهم في ضعف الإنتاج. يبقى الزُهد قيمة عظيمة، إذ يؤمن الصالحون دوما بأن كل شيء إلى زوال. الدنيا ممر وليست مقرا، وكل نعمها مؤقتة. والأعظم والأحكم أن نعمل للآخرة. لا جدال في ذلك بين مَن آتاهم الله الحكمة. لكن ما يمنع أن تكون ممراتنا إلى الآخرة رحبة، ومفروشة بالورود؟ من قال إن الإنسان مُخيرّ بين نعيم الدنيا والآخرة؟ أو ليست نعم الله مكفولة لعباده في الدنيا ما دامت، من دون جور أو أذى؟ لقد كانت حكايات الزهاد والمتصوفين مثيرة وشيقة، وهي تسري بين الناس قرونا وقرونا، لكن مردودها الفعلي كان مزيدا من السلبية والسكون والجمود، ووصل الأمر بالبعض أنهم تركوا كل شيء وتفرغوا للعبادة وعاشوا عالة على الآخرين. وهكذا فترت الهمم، وخمدت الآمال، ووهنت السواعد، ولم يحاول مَن يُفترض حراكهم تغيير أوضاع حياتهم، فلم يجتهدوا ولم يُغيروا، ولم يسعوا السعي اللازم لتغيير الحياة.