مبنى يضم مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في غزة إثر تعرضه لقصف إسرائيلي
برلين- “القدس العربي”: منذ اندلاع الحرب في غزة، في 7 أكتوبر 2023، يعاني الصحفيون في القطاع من تهديدات يومية لحياتهم وسلامتهم، أثناء محاولتهم نقل الحقيقة إلى العالم.
مجلة “شبيغل” الألمانية فتحت هذا الملف، بالتعاون مع منظمات صحفية دولية، حيث يكشف التحقيق الذي أجرته عن الظروف الخطيرة التي يواجهها الصحفيون هناك، والتحديات التي تعترض عملهم في مناطق الصراع. ويكشف أن استهداف الصحفيين في غزة لا يقتصر على القتل أو الإصابة فقط، بل يمتد إلى تدمير البنية التحتية الإعلامية، وإعاقة التغطية الصحفية المستقلة.
في 7 يناير 2024، وقف الصحفي حمزة دحدوح بالقرب من حُطام منزل متعدد الطوابق في خان يونس، يتحدث مع السكان الذين فقدوا مأواهم بسبب غارة جوية إسرائيلية. بينما كان زميله مصطفى ثريا يصور المشهد، أطلقت قوات الاحتلال صاروخًا استهدف سيارة الصحفيين، ما أسفر عن مقتلهم. حمزة، نجل مدير مكتب “الجزيرة” في غزة، لم يكن الضحية الوحيد.
غالبًا ما يُمنع الصحفيون الدوليون من دخول غزة.. هذا يضعهم في موقف يعتمدون فيه بشكل كبير على الصحفيين المحليين، الذين يخاطرون بحياتهم لنقل الأخبار والصور
وفقًا للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، قُتل 105 صحفيين منذ بداية الحرب، بينما تقدر الأمم المتحدة عددهم بأكثر من 122، ما يجعل غزة أخطر مكان للصحفيين في العالم خلال هذه الفترة القصيرة. وهو ما يتجاوز بكثير معدل الوفيات في أي منطقة نزاع أخرى في العالم.
التحقيقات التي أجرتها منظمات مثل Forbidden Stories، بالتعاون مع وسائل إعلام دولية، كشفت أن ما لا يقل عن 14 صحفيًا، كانوا يرتدون سترات واقية تحمل علامة “صحافة”، تعرضوا للهجوم من قبل الجيش الإسرائيلي. ورغم نفي الجيش استهداف الصحفيين عمدًا، تشير الأدلة إلى أن العديد من الصحفيين قُتلوا، أو أُصيبوا، جراء هجمات مباشرة، وهو ما دفع منظمات مثل “مراسلون بلا حدود” لتقديم شكاوى رسمية للمحكمة الجنائية الدولية.
لم تتوقف الاعتداءات عند قتل الصحفيين، بل شملت أيضًا تدمير البنية التحتية الإعلامية. مكتب وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) في غزة تعرّض لهجوم، رغم تأكيد الجيش الإسرائيلي على علمه بموقع المكتب. الفيديوهات والشهادات تفيد بأن الهجوم جاء من مدفعية دبابة إسرائيلية، وهو ما يُثير تساؤلات حول نية الجيش الإسرائيلي في استهداف الصحفيين.
تتضح عرقلة التغطية الإعلامية من خلال منع الصحفيين الدوليين من دخول غزة عبر إسرائيل ومصر، ما يجبر وسائل الإعلام الدولية على الاعتماد على الصحفيين المحليين الذين يواجهون مخاطر كبيرة. هذا الوضع يعقّد التحقق من المعلومات، ويصعّب تقديم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث.
الصحفيون في غزة لا يواجهون فقط خطر القتل من الغارات الجوية والهجمات، بل يعانون أيضًا من تهديدات متعددة الجوانب. يشمل ذلك العيش في بيئة حرب مستمرة، التنقل بين الأنقاض، التعامل مع الظروف الإنسانية الصعبة، وعدم اليقين بشأن سلامتهم. مثال حي على ذلك هو بلال جاد الله، الذي لم يفقد حياته فقط، بل دُمّر أيضاً مركز الصحافة الذي أسسه وأصبح ملاذًا للصحفيين في غزة.
بلال، الذي أسس مركز الصحافة في غزة، قُتل أثناء محاولته الهروب إلى الجنوب بعد تعرّض سيارته لقصف مدفعي. مركز الصحافة، الذي كان منارة للصحافة الحرة في غزة، دُمّر بالكامل خلال الحرب، ما يبرز حجم الخسائر التي تلحق بالصحافة والصحفيين في القطاع.
وبحسب “شبيغل” يواجه الصحفيون في غزة مستقبلاً قاتماً، حيث تعيق التهديدات المستمرة حياتهم وتمنعهم من أداء مهنتهم بحرية. رغم ذلك، يواصلون عملهم بشجاعة وإصرار، مدفوعين برغبتهم في نقل الحقيقة للعالم. الدعم الدولي والمطالبات بتحقيق العدالة تظل الأمل الوحيد لتحسين أوضاعهم وضمان سلامتهم في المستقبل. استهداف الصحفيين والبنية التحتية الإعلامية يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان والقوانين الدولية، ما يستدعي تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين لضمان عدم تكرار هذه الجرائم.
وفرضت الحرب في غزة تحديات كبيرة أمام الصحفيين الدوليين، الذين غالبًا ما يُمنعون من دخول غزة سواء من الجانب الإسرائيلي أو المصري. هذا يضعهم في موقف يعتمدون فيه بشكل كبير على الصحفيين المحليين، الذين يخاطرون بحياتهم لنقل الأخبار والصور. هذه الوضعية تعقد التحقّق من المعلومات، وتجعل من الصعب الحصول على تغطية شاملة وموثوقة للأحداث.
ردود الفعل الدولية كانت قوية، حيث قدمت منظمات، مثل “مراسلون بلا حدود”، شكاوى رسمية إلى “المحكمة الجنائية الدولية”، مطالبةً بالتحقيق في مقتل الصحفيين باعتبارها جرائم حرب محتملة. هذه الخطوات تُظهر التضامن الدولي مع الصحفيين، وتؤكد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.