الرؤية الإسلامية للتجربة الحضارية

تعد علاقة الإنسان بالحضارة الأساس التي تبنى عليه الحضارات، ولكونه الناطق باللغة؛ التي يصوغها تأليفا وإبداعا، وثقافة وسلوكا. يشير وِل ديورانت في تعريفه للحضارة إلى أنها: نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي. وتتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلُقية، ومتابعة العلوم والفنون. وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفكّ الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه، إلى فهم الحياة وازدهارها. لقد انطلق ديورانت في تعريفه من كون الحضارة ناشئة عن نظام اجتماعي، فلا حضارة دون مجتمع إنساني تنظّمه حقائق المجتمعات الإنسانية، وأبرزها: التجمع الذي يحقق التلاقي، وفي وجود جماعة بشرية تستلزم التواصل بين أفرادها، واللغة هي اللبنة الأساسية في هذا التواصل. هذا البعد الاجتماعي التواصلي للغة؛ نجده في الدلالة اللغوية للفظة «اللغة» في لسان العرب، فاللغة هي: اللّسنُ، وحَدُّها أنها أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم.

فما اللغة إلا وسيلة تعبير واتصال بين أبناء الجماعة الواحدة. أما كونها أصواتا فتلك هي سمة اللغات البشرية؛ الصوتية علامة لها، ومنها يكون الطابع الشفاهي لكل منطوقه، الذي تتم صياغته في مدونات مكتوبة، لكن الأساس هو البعد الصوتي، وكما ورد في معجم مقاييس اللغة، فإن اللغة مشتقة من الفعل «لغي الأمر، إذا لهج به» أي يلهج صاحبها بها، فلا عجب من أن تكون «اللّهْجة» تقاربُ وتساوي دلالة اللغة، فعندما يقال فلان فصيح اللّهْجة واللَّهَجة، فإننا نعني باللهجة؛ لغته التي جُبِل عليها، فاعتادها ونشأ عليها. واللهجة هي اللسان أيضا. إذن، اللغة صوتية شفاهية تواصلية، وتصبح أيضا كتابية حافظة للمعرفة، وعليها ترتكز الثقافة المحلية، ومن ثم تقام الحضارة عليها، إذا تيسرت عوامل قيامها.
يحدد ديورانت – في تعريفه السابق- زمن قيام الحضارة عندما يسود الأمن، وينتهي الخوف والصراعات، ليتحقق الاستقرار، ويتفرغ أبناء الجماعة الإنسانية لتطوير جوانب حياتهم، التي تعني الجوانب الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، والعلوم والفنون. وأيضا الاستقرار والسكينة. ويكون السؤال: أين اللغة في هذا المفهوم؟ والإجابة: إن اللغة حتما ثابتة بثبات وجود الجماعة الإنسانية في أطوارها البدائية أو الحضارية، لأنها مرتبطة بالإنسان ذاته، الذي يستطيع بما أوتي من ملكات وقدرات عقلية ونفسية وروحية وبدنية، أن ينظّم شؤون حياته، وأن يرتقي بها إلى مستويات أعلى في معيشته وفكره، وحتما فإن اللغة ستتطور مع تطوره، معبرة عن ذاته.

وكما يذكر حسين مؤنس في كتابه «الحضارة ومضامينها: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها» فإن خصائص الإنسان وسماته تجعله كائنا متميزا، بعيدا عن السلسلة الداروينية التي ترجعه إلى القردة، فغالبية العلماء الغربيين يجمعون على أن الإنسان جنس قائم بذاته، غير منحدر من أصول حيوانية، بل إن نظرية دارون نفسها، تؤكد أن هناك حلقة مفقودة في السلسلة بين الإنسان والقردة العليا، وهي فجوة أوسع من أي افتراض علمي، وتنسف النظرية من أساسها. فالثابت علميا أن جميع البشر مشتركون في درجات الذكاء، وإذا كان بعض الشعوب سبقت في ميدان الحضارة، فذلك برهان يعمّ كل أفراد جنس الإنسان، ليصبح ميزة تميّزه عن سائر المخلوقات. وبعبارة أخرى: الإنسان لديه القدرة على التحضر، يستوي في ذلك جميع البشر، فلا يختص عرق إنساني بالحضارة دون غيره، بل إن كل البشر يمكنهم أن يتحضروا، مثلما من الممكن أن يرتدوا إلى الحياة البدائية، وهذا يتوقف على عوامل عديدة. فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي كرّمه المولى سبحانه، وجعله في منزلة عليا بين عامة المخلوقات، وهذا الاقتناع يعلي من كرامة الإنسان لما فوق الحيوانية.

وهو ما تؤكده الرؤية القرآنية السامية، التي جعلت الإنسان مخلوقا كريما، نفخ فيه الله سبحانه من روحه، وجعله خليفة له على الأرض، «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقرة 30). وقد خلقه المولى تعالى من طين، ثم شرّفه بسجود الملائكة له، «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرا مِنْ طِينٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ *فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» (ص، 71، 72) وفضّله الرحمن على سائر خلقه، «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً» (الإسراء- 70). فتلك الرؤية تجعل الإنسان، أيا كان، في مكانة عالية، فكلُّ ما خلقه الله مسخرٌ له، وما عليه إلا السعي في الأرض، وتعميرها، تحقيقا لمفهوم الخلافة الذي يعني إخلاصا، وعبادةً، وعمارةً، وتلك هي محور الرؤية الإسلامية الحضارية، التي بوّأت الإنسان مكانا عليّا.
وكما يشرح عباس العقاد في كتابه «الإنسان في القرآن الكريم» فـإن «مكان الإنسان في القرآن هو أشرف مكان له؛ في ميزان العقيدة، وفي ميزان الفكر، وفي ميزان الخليقة؛ الذي توزن به طبائع الكائن بين عامة الكائنات. هو الكائن المكلف، هو «كائن» أصوب في التعريف من قول القائلين «الكائن الناطق» هو «كائن» أصوب في التعريف من الملك الهابط ومن الحيوان الصاعد، فالكتاب (القرآن) الذي ميّز الإنسان بخطاب التكليف، هو الكتاب الذي امتلأ بخطاب العقل، بكل ملكة من ملكاته، وكل وظيفة عرفها له العقلاء والمتعقلون، قبل أن يصبح العقل درسا».

أثبت العقاد صفة الكائن للإنسان، لينفي فيها نعوتا ومصطلحات أخرى، تواترت من الفكر الغربي العلماني، بفصل المرجعية الدينية عن الحياة والفكر والعلم، فتراوحت فيه مكانة الإنسان بين أصل حيواني (دارويني) بكل ما يحمله الأصل من وحشية وهمجية، وتحررٍ من أي تكريم رباني، وينفي في الوقت نفسه سرديات المسيحية واليهودية عن خلق آدم، ويجعله نهبا لاجتهادات العلماء، وافتراضاتهم، وما يترتب عليها من نعوت: بأنه حيوان ناطق، أو مترقٍ، ما يفتح المجال لقراءة تاريخ البشرية في سردية تبدأ بقرد يعيش في الغابات، يتدرج في أشكال حيوانية حتى وصل إلى الإنسان الحديث، الذي يحمل في جيناته حيوانية؛ تجعله يتوحش على غيره من البشر، ويتلذذ بقتلهم مستعيدا بداية حياته في الغابة.
إنه منظور ساد في الدراسات الحضارية والثقافية الغربية، التي رأت أن الخطوط العامة للتاريخ الكوني الذي يمر فيه الإنسان من الوحشية (الحيوانية) إلى البربرية، ثم إلى الحضارة، واتخذوا من التقدم الحضاري الغربي معيارا ونموذجا للحكم على الشعوب، وإن كانت بعض الدراسات الغربية تقرّ بأن هناك مناطق عديدة من العالم شهدت حضارات متمايزة، مثل الحضارة الصينية، والحضارة الإسلامية، وأن مفهوم الحضارة لا يقتصر على شعب بعينه، لكن ظلت النظرة الاستعلائية للحضارة الغربية سائدة، وارتبطت بالتمدد الاستعماري وهيمنته الفكرية في القرون الأخيرة.
إن استحضار الرؤية القرآنية الإنسانية في الدراسات الحضارية غاية في الأهمية، خاصة إذا تعلق الأمر بالحضارة الإسلامية ومنتجها المعرفي عامة، واللغوي منه خاصة، فالإسلام أساس في تكوين الحضارة الإسلامية، بل إن الحضارة كلها منبثقة من عقيدة التوحيد القرآنية، التي هي جوهر الحضارة الإسلامية، وكما يعلل ذلك إسماعيل الفاروقي فـ»بما أن كل شيء خُلِقَ لغاية، بما في ذلك كلية الوجود، فإن تحقيق تلك الغاية، يجب أن يكون ممكنا في المكان والزمان، وبغير ذلك لا مفر من التشكيك، كما ستغدو الخليقة نفسها- ومسارا المكان والزمان – فاقدةً ما لها من معنى ومغزى، وبغير هذا الإمكان ينهار التكليف، أو الالتزام الأخلاقي، وتتحطم بهذا الانهيار غائية الله أو قدرته، وتحقيق المطلق، أي السبب الإلهي للخلق، (الذي) يجب أن يكون ممكنا في التاريخ». فعقيدة التوحيد مفتاح الإيمان، لدى الإنسان المسلم، فالتوحيد يعني إيمانا مطلقا بالله الواحد الأحد، وتترتب على هذا الإيمان أخلاق عليا، وقيم سامية، والتزامٌ يقع على عاتق المسلم بأن يحقق خلافة الله في الأرض، فلم يُخلق الإنسان على الأرض عبثا، وإنما خُلِقَ لغاية ربانية سامية، فلا معنى للافتراض القائل بحيوانية أصل الإنسان، الذي يتعارض مع السردية القرآنية، ورسالة الإسلام.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية