ضمن مشروعه «هنا القدس.. نحن هنا» أعمال الفنان الفلسطيني زيد عيسة طريق لاستعادة روح القدس المحاصرة والمهددة بالتهويد

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله ـ «القدس العربي»: لا يمكن للوحات الفنان الفلسطيني زيد عيسة إلا أن تستوقف من يشاهدها، كإنها تقول له توقف وأنظر إلي، تَمعن في، إنها لوحات فنية قامت بفعل ترجمة حية لعلاقة مدينة القدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة تحديدا مع الفلسطينيين وحياتهم.

ومن ينظر في اللوحات التي قاربت الثلاثين، والتي كانت نواة المعرض الأول لمشروع كبير وممتد سيشعر انها لوحات تخصه وتعنيه، إنها لوحات أخرجت القدس من ضيق الصورة التي يحاصرها الإطار الثقيل، إلى حياة الفلسطيني في حيوات ومظاهر وأشكال متنوعة.
فمرة نراها في جَنين فلسطيني، ومرة نراها في وجوه نساء فلسطينيات يرتدين لباسا تقليديا، ومرة نرى قبة الصخرة ولونها الأزرق الطاغي على رأس رصاصة، ومرة على خريطة فلسطين ومرة على شجرة زيتون.. ألخ من تمثلات الفنان العيسة للقبة الذهبية في حيوات الفلسطينيين.
ومن يشاهد المعرض الذي أغلق قبل أيام سيتمنى أن تكون لوحاته على حائط بيته أو على بلوزة يرتديها أو على حتى صورة بروفايل لحساب شخصي على الشبكات الاجتماعية.
حمل المعرض، الذي نظم في متحف محمود درويش برام الله، عنوان «هنا القدس، نحن هنا» وجاء بمثابة فعل هارب من مشاهد الدمار والموت والقصف وحرب الإبادة الاحتلالية في غزة والضفة، ومن دون أن يكون مفصولا عنها، فرسالة المعرض سياسية بالدرجة الأولى من دون أي خطابات أو كليشيهات زاعقة في علاقة الأقصى بالفلسطينيين، وفي مركزية الأقصى بالعرب والمسلمين أيضا.
يتحدث المعرض عن فكرة رمزية القدس، وقبة الصخرة، التي تتواجد في كل صورة وإطار من حياة الفلسطينيين، إذ قام الفنان باستخراج هذا الرمز الثابت الصامت، إلى شخصية تحاكي الجمهور، وتقدم القضايا الوطنية الفلسطينية بشخصية قبة الصخرة.
وحسب العيسة في حديثه لـ«القدس العربي»: «هي رسالة لتأكيد وترسيخ للهوية الوطنية في الأذهان من خلال محاكاة لقبة الصخرة ونقلها من صورة ذهنية نمطية إلى صور عقلية جديدة في حياة الفلسطينيين وعلى جسدهم» والأهم بالنسبة للمتابع هو أنها جاءت بإمضاء أحد الفنون البصرية التي نضجت من خلال «الديجتال آرت».
وأوضح الفنان عيسة، وهو خريج كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية في تخصص الديكور، أن المعرض جاء كحصاد لعدة سنوات، «انطلقت الفكرة عام 2009 وتبلورت ونضجت وكبرت» حتى افتتح معرضه الأول هذا العام، مؤكداً أنه مستمر لتحقيق هدفه من خلال رسالة القدس هنا، لتكون في عدة مشاريع فنية آتية.
والعيسة، المهموم والمهجوس بعلاقة الفن بالقضايا الوطنية والسياسية متنوع المواهب فهو عازف إيقاع أيضا، وهو القادم إلى رام الله من رحابة سهول مرج صانور وخصوبته وتنوع ألوانه في شمال الضفة الغربية.
وعن «مشروع هنا القدس.. نحن هنا» يؤكد أنه «مشروع فني ضخم، كنت أجلس في البيت وأمامي إطار قبة الصخرة على شكل صورة في برواز، كنت أتخيل كم أن هذا المبنى عاني وهاجر وسافر ورجع.. وفجأة تحول المبنى، في خيالي، إلى إنسان، وخرج من الإطار، ومن هذا الخروج جاءت اللوحات التي شاركت في المعرض وهي جانب من مجموعة أكبر تصل إلى 300 لوحة».
يكمل: «خلال لحظات من تخيلي تحول مسجد قبة الصخرة بالنسبة لي لرجل. طلع من البرواز وبيده حجارة وأصبح يقاوم، لقد تعب المسجد/ الرجل من الصورة النمطية التي حوصر بها، هنا صار الموضوع وصرت أفكر وأتخيل كيف سأنتج المشروع، وكيف من خلال الفن يمكن ان أخدمه في طريق استعادة روح القدس المحاصرة والمهددة بالتهويد».
ويرى أن مشروعه الفني عمل على فك قيود قبة الصخرة من مكان هندسي معماري وطوعه إلى إنسان يحتك مع الجماهير، لقد أصبح للقبة لسان وتتحدث به مع المواطنين، ومن رجل أصبح القبة امرأة وجنين وأسير ومفتاح وخريطة.. لقد ظهرت القدس من خلال ثيمات كثيرة من ضمنها على سبيل المثال الأسرى الستة الذين خرجوا من النفق في سجن جلبوع.
ويتحدث الفنان عيسة عن مشروعه الفني، قائلا: «كان اسم المشروع «رجل القدس» في البداية، وحتى اللحظة اسم الملف على حاسوبي الشخصي، وكان الرجل هو أنا الذي يخرج القدس من مكانها، ومن ثم تحدثت مع أصدقاء وشعرت أن يجب ان أشركهم وأدخلهم مشروعي فأصبح فيه أطفال وطلاب ومدارس ونساء ومفاتيح وخرائط».
ويقول عن علاقته بالمكان الأول فلسطينيا وعربيا، مفجرة الصراعات ومبقيها بجذوتها وكإنها في البداية: «لسوء حظي أني أرى القدس فقط في الإطارات، على جدران أغلب المنازل والمطاعم والأماكن العامة والخاصة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي من صورٍ وفيديوهاتٍ وتصاميم، وأراها في خيالي وأرى كم هي عملاقةٌ وذات سيادةٍ على الأرض، كأنها تمتلك الأرض وتبتلعها».
يضيف: «زرتها مرة واحدة في رحلةٍ مدرسيةٍ، كنت في الصف الرابع، كنت طفلاً في الحادية عشرة من عمري، وقفت في دهشةٍ وفي خوفٍ أمام هذا العملاق العربي الأصيل، أتمعن في البناء والتصميم والكتابة والفسيفساء، هذا الخليط الرائع الذي يكسو هذا البناء، ولسوء حظي مرة أخرى أن وقت الرحلة كان قصيراً ومقيدا، فعدنا إلى الباص الذي عاد بنا إلى جنين. هذا الحدث الذي رأيته يلازمني كل دقيقة، وأنتظر العودة مرة أُخرى ولفترةٍ أطول لكي أتفحص كل زاوية هناك. لكن طال الانتظار وتعبت».
ويكمل حديثة عن حضور الأقصى في حياته: «يتكرر مشهد مسجد قبة الصخرة المؤطر أمامي دائما على ملصقات النكبة والشهداء والأسرى والاحتفالات والمناسبات الفلسطينية، هو ملازمٌ لنا وللملصقات».
ويكمل: «كلما نظرت للأقصى أشعر انه يحدثني ويقول لي: أنا أيضا متعب مثلك، مثلنا.. ولاحقا شعرت أن البناء يخرج من الإطار الذهبي ويتحول الى ثائرٍ غاضبٍ ومقاومٍ، يرمي الحجارة، يبحث عن حريته وعن راحته وعن أرضه. هنا القدس كانت بداية قصتي كإنسان وفنان مع مشروع القدس، بل هي قصتنا نحن الفلسطينيون الذين لا يسمح لنا سواءً كنا داخل حدود فلسطين أو خارجها بالذهاب إليها بحرية كباقي البشر في هذا الكون، إنها قصة القدس منذ زمن طويل، القدس التي تشعر بالتعب والظلم والمجد والقوة والفخر والشموخ أيضاً».
ويصرح: «مشروعي الفني الروحاني النفسي هذا أتعبني وبكيت أثناء العمل به منذ وقت طويل ومتقطع، فهو لا ينتهي أبدا».

الجسد والمقاومة

تعتمد مجموعة الفنان عيسة على الدمج ببرامج الغرافيك بين التصوير الفوتوغرافي للجسد والموتيفات الزخرفية والخطية، في تجربة تتقاطع مع «فن الجسد» من ناحية توظيف الجسد في العملية الإبداعية، وفي نفس الوقت مغايرة له من ناحية عدم انتهاج المشهدية والأدائية.
يتحدث عن ذلك: «هذه المجموعة تتناول الجسد وفن الزخرفة والخط العربي في آن واحد، وبأسلوب يوظف الموتيفات الزخرفية والخطية، والمعالم المعمارية لمسجد قبة الصخرة في الرسم على الجسد».
وتتنوع طرائق الدمج في لوحات العيسة بحيث يكون الجسد الحاوي للوحدات الزخرفية والخطية أحياناً هو الكتلة الرئيسية في فراغ اللوحة، وأخرى يكون الجسد المزخرف هو واحد من المفردات الفنية المتناثرة فيها. ويرى العيسة أن هذا «يولد تأثيرات تهدف إلى تأصيل الهوية الفلسطينية، والتأكيد على جمالية موروثها المعماري والفني، وقوة حضور رموزها وأيقوناتها الوطنية».
ويشدد: «هنا بالذات أبدأ بتكثيف تكرار الموتيفات الزخرفية والمعالم المعمارية لمسجد قبة الصخرة على الأجساد في لوحاتي، وأركز على تنويع حركاتها الجسمانية، وتشاكل سياقها بين ضخامة الجسد مع سكون المشهد، حركية الجسد مع هشاشة المنظومة الأمنية، جدية الظروف مع سخرية الموقف، والذي يكشف من خلالها إمكانات استثنائية تمكن الأجساد من التفرس بصمت في ذاتها وفي محيطها الذي يهدد وجودها، أو التعبير عن سرديات وجودها المشحون بالريبة والتوجس، أو رفضها للأسر داخل الظروف الموضوعية والسجون الذاتية، أو سخريتها من ثقافة الأمر الواقع والانكسار والهزيمة، أو ترقبها لإشارات وعلامات الاحتدام، أو قدرتها على التمرد، أو رغبتها في الارتجال والاعتباط والعشوائية، أو المجازفة بالعبور والمغامرة بالعودة».
وبفعل الحركة، يتحول الجسد الذي يتعامل معه الفنان كبنية وفضاء معماري من هيكل ثابت إلى سلسلة من العلاقات والممارسات المكانية الخلّاقة والدائمة التشكل، والقادرة في ديناميكيتها الفاعلة وحركتها المستمرة أن تعبر عن هوية أصحابها وبما يمكن أن يسهم في رسم جغرافية جديدة على مستوى الوعي والهوية والذاكرة والتجربة الفردية والجماعية.
وأمام هذه الرؤية العميقة في المشروع الفني للفنان عيسة يسرد أهداف مشروعه ومنها تحرر القدس وتمردها على وضعية السكون الصامت منذ سنوات طويلة وقاسية. وتثبيت حق القدس في الوجود وممارسة حريتها كباقي مدن العالم، والتأكيد على قدرتها بصفتها عاصمة فلسطين الأبدية على ربط وتثبيت جذورها أكثر في قلب كل فلسطيني وعربي حر شريف وتماسكهم في خليط واحد، وزيادة وعي الأجيال الحاضرة والقادمة لأهميتها بالحياة، وإطلاق دعوة فنية وخلق محاكة بين القدس (فلسطين) والثقافات والعوالم الأخرى للتعرف عليها من خلال الفن وصناعة حياة واقعية لمن هم غير قادرين الوصول إليها، وإعلان عام عن رغبة القدس بقتل الصمت العربي القديم (لكن القدس دائمة الحركة لا تهدأ).
ومن ضمن ما يأمل به عيسة هو أن يكون معرضه في القدس خاصة، فهو يتحدث عنها ولها، ومن ثم «ليكن المعرض في أي مدينة في العالم».
ويرى أن اللوحة الأجمل هي أن تعود المفاتيح للأبواب التي نهبت وسرقت في النكبة، «وبعدها ما بدنا فن.. بدنا نقاوم بشيء جديد.. فنحن جميلين ووطنا جميل ويمكننا أن نفعل ما نريد».
وعن اللوحة التي تشغل تفكيره في ظل الحرب يقول: «إنها لوحة يظهر فيها عدد كبير جدا من الأشخاص، لوحة يكون داخلها مجموعة كبيرة تمثل عودة الفلسطينيين إلى أرضهم، كما تظهر فيها بعض الممتلكات والأدوات التي حفظها لهم أجدادهم وجداتهم وآبائهم وأمهاتهم في مخيمات الشتات في عدة دول في العالم بعدما طردوا من فلسطين عام 1948».
بقي أن نقول إن الجميل في مشروع الفنان عيسة هو اخلاصه لأهدافه، وتماسها مع الفلسطينيين الذين يعيشون بطولتهم اليومية وفي علاقتهم مع مدينتهم القدس، وهو ما يجعل من مشروعه حالة من توسيع مساحة اشتغال الفن في ظل اللحظات الصعبة وتعظيمه في نفوس المتلقين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية