جانب من الندوة
القاهرة ـ «القدس العربي»: ضمن أنشطة المركز القومي للترجمة في القاهرة أقيمت ندوة لكتاب أصدره المجلس بعنوان «فرقة العمال المصرية.. العرق والفضاء والمكان في الحرب العالمية الأولى» للباحث الأمريكي كايل أندرسون، ترجمة كل من شكري مجاهد ومحمد صلاح، شارك في الندوة المؤرخ والأكاديمي عاصم الدسوقي، وأدارتها كرمة سامي. يذكر أن أندرسون أكاديمي وأستاذ في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
الحكاية
يستعرض الكتاب قصة (فرقة العمال المصرية) وهم مجموعة كبيرة من المصريين ـ حوالي نصف مليون ـ تم تجنيدهم بالإكراه في الحرب العالمية الأولى، من جانب سلطة الاحتلال البريطاني، أغلبهم من الريف المصري شماله وجنوبه، قاموا بأعمال المساعدة العسكرية في الحرب، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا. ويوثق الكتاب لرحلة هؤلاء المنسيين، الغافل عنهم التاريخ المصري نفسه، رغم أن هذه الواقعة، إضافة إلى حادثة دنشواي، تمثلا أكثر وأفظع جرائم الاحتلال الإنكليزي في مصر.
إشكالية الاستشراق
قدم عاصم الدسوقي قراءته للكتاب، منتقداً بداية فكرة الاستشراق، أو وجهة النظر الاستشراقية التي يتمثلها الغرب، فهم يكتبون بلغة متعالية إلى حدٍ ما، وبشكل من أشكال الاحتقار الخفي، هذا عيب منهج الاستشراق في الكتابة، الذي دائماً يبحث عن نقاط الضعف أكثر من الحقيقة. لكن الباحث لم يكن من هذا الجيل الذي نتحدث عنه، بالعكس هو مقدّر ومُحب للمعلومات التي وجدها في خدمة موضوعه، وهي رسالته للدكتوراه التي حصل عليها في 2017.
اختيار الموضوع
يستكمل الدسوقي بأن الباحث يذكر قصة هؤلاء العمال من خلال سياسة سلطة الاحتلال البريطاني، بسبب انضمام الدولة العثمانية صاحبة الولاية على مصر إلى ألمانيا والنمسا. ففرضت بريطانيا الحماية على مصر في نوفمبر/تشرين الثاني 1914، وتغيّر لقب خديوي إلى سلطان، كإيهام للمصريين بالاستقلال. وتكونت فرقة العمال من نصف مليون شخص، كانوا يمثلون وقتها ما نسبته 4% من مجموع سكان الشعب المصري. كان ذهابهم لمساعدة جنود الحلفاء ـ دون حمل السلاح ـ وذلك في شق الطرق والسكك الحديدية، حفر الآبار والخنادق، وقيادة الجمال، وحراسة الحدود. ومع النظرة العنصرية لهؤلاء العمال مقارنة بعمال مستعمرات بريطانيا الأخرى، تم تجاهل نشر أخبار الفرقة في الصحف ووسائل الإعلام، إلا أن الثقافة الشعبية احتفظت بسيرة ونشاط هذه الفرقة، من خلال الأغاني التي رددها هؤلاء، كما ذكرها سيد درويش (عاوز أروّح بلدي) وكذلك نجيب محفوظ في (بين القصرين) ومذكرات عصمت سيف الدولة في (مذكرات قرية) الصادر عام 1996. ومذكرات أحد العمال أنفسهم عبد الحميد محمد حسين، التي نشرتها مجلة «روزاليوسف» عام 1964.

كايل أندرسون
تأريخ غير تقليدي
من جانبه أشار المترجم شكري مجاهد، إلى أن الكتاب عبارة عن بحث أو شكل من التأريخ غير التقليدي، الذي كان يُعد من قبل غير أكاديمي، كاستخدام الأغنيات والرسائل، أو أي أشياء محيطة بالحادثة، أو الواقعة التاريخية ـ يقصد المترجم هنا المدرسة التاريخانية الجديدة، التي تبتعد عن التاريخ الرسمي وتتوسل بوثائق حياتية أكثر ارتباطاً بالناس، أي التاريخ من أسفل ـ من ناحية أخرى قال مجاهد إن جده كان من القِلة التي شاركت في الفرقة (تطوعا) فقد كان نحاتاً للحجر، عاصره الرجل وكان مصاباً في كتفه برصاصة لم تُستخرج أبداً، كما كان فاقداً إحدى عينيه، ففكرة أن رجال الفرقة شاركوا غير مقاتلين، وأنهم ليسوا من الجيش ولم يحاربوا، فهي من أشد الأشياء ظلماً لهؤلاء.
مأساة منسية
وأضاف المترجم محمد صلاح أن هناك نصف مليون إنسان تم اختطافهم وتجنيدهم بالإكراه، فالواقعة تعد مأساة منسية من مآسي المصريين، وهي بجانب حادثة دنشواي من أهم ما وقع للمصريين في القرن التاسع عشر. ومن وجهة النظر هذه نجد أن هناك إطاراً نظرياً للدراسة كلها، إطارا نظريا يجمع شتات المعلومات، يتمثل في اعتبار هؤلاء من الشعوب الملونة، وبالتالي درجة إنسانيتهم أقل، حيث يقومون بأعمال أقل مكانة، حتى يتفرغ الرجل الأوروبي للفعل الأرقى (القتال) فآبار شرب المياة على سبيل المثال كانت مقسّمة بين آبار للرجل الأبيض، وأخرى للمصريين والدواب.
عقلية عنصرية
وجاءت كلمة مؤلف الكتاب كايل أندرسون، موضحة بعض النقاط والمفاهيم حول بحثه.. فاهتمامه بداية كان بالشرق الأوسط ومصر خاصة، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وقد اكتشف جهلا متعلقا بالمسلمين في أمريكا، كما كان ضد الحرب على العراق. أما بخصوص (الاستشراق) فالغرب الآن ضد هذا المنهج، والبحث (الكتاب) يتعلق بالعقلية العنصرية لبريطانيا وفرنسا وقتها، فهم يرون أنهم كـ(عِرق) مناسب للإدارة والحرب، أما (الآخر) فمناسب للعمل فقط.
فكرة الأمة
جاءت هذه الكلمة بديلا عن الداروينية، احتراماً للدين في مصر والعالم العربي، ونلحظ ذلك في عدة مؤلفات.. تربية سلامة موسى، و»العروة الوثقى» لجمال الدين الأفغاني، فهي وجهة نظر عنصرية وأفكار تدور كلها حول القومية العرقية.
الفرقة وثورة 1919
بالسؤال عن الربط بين (الفرقة) وثورة 1919، أجاب أندرسون بوجود تقارير عن ثورات قام بها الفلاحون في القرى عام 1918، وقبل تشكيل الوفد المصري في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. وفي مذكرات سعد زغلول قال إنه شاهد هذه المظاهرات في محافظة الغربية في مايو/أيار 1918. وبعد اعتقاله ونفيه تصاعدت المظاهرات، فهي لم تقم فجأة أو من العدم، حتى وقت سعد وحزبه، ورغماً عنه تم تشكيل جمعية وطنية في الأرياف، ومن هنا كان الربط بين الأورطة/الفرقة وثوة 1919.
وفي الأخير.. هناك الكثير من الجدل حول هذا الكتاب، وكتاب محمد أبو الغار «الفيلق المصري» وقد تمت إشارات خافتة أحياناً وصارخة في بعضها بأن أبي الغار إطلع على كتاب أندرسون في نسخته الإنكليزية، وأنه تجاوز فكرة الاعتماد عليه، إلى حد الاقتباس والنقل ـ السطو الفكري ـ من ناحية أخرى حضر أبو الغار ندوة أندرسون، وأشار إلى أهمية الكتاب، بل حث المركز من قبل بضرورة ووجوب ترجمته، وأنه متواصل منذ فترة مع مؤلفه. وربما في مقال آخر نعقد مقارنة بين الكتابين، سواء من خلال المنهج أو المصادر والمراجع التي تم الاعتماد عليها.