في الرابع عشر من شهر شباط/فبراير، حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف النهار، سنة 2005 كنت في منطقة قريطم، حيث كنت أعمل، خرجت من مقر مجلة «الحسناء» لأقتني باقة ورد وأعود، لكن بيروت كلها اهتزّت تحت وقع انفجار من أقوى الانفجارات التي يمكن توقعها، ثم بعدها توقف كل شيء. في لحظة ما شعرت فعلا بأن الحياة توقفت، وأن كل ما حولي أصيب بالشلل لعدة لحظات. لم أعرف ماذا حدث إلا حين عدت للبيت مسرعة، كما فعل أغلب من عاش الانفجار. غادرت بيروت وتسمّرت أمام الشاشة.
الصدمة الكبيرة كانت حين عرفت أن الشيخ رفيق الحريري اغتيل بعد أن استهدف موكبه في منطقة السان جورج، حيث تقوم اليوم شعلة التذكير بلحظة اغتياله يوميا في الوقت نفسه الذي اغتيل فيه. وليس من الصدفة أن نعرف أن الشيخ رفيق ولد حسب معتقد اللبنانيين يوم «عيد جميع القديسين» في الفاتح من شهر نوفمبر/تشرين الثاني واستشهد يوم «عيد الحب» الموافق للرابع عشر من شهر فبراير/ شباط. وليس صدفة أن يكون مسلما سنيا معتدلا ويضم أغلب اللبنانيين حوله.
صحيح أنه قبل اغتياله كان رجل سياسة قويا ومخيفا، لكنه بعد استشهاده انتبه اللبنانيون إلى أنهم فقدوا رجلا بحجم دولة، وأنه رجل لم تشهد المنطقة مثله. آلاف اللبنانيين تكفّل بتدريسهم، آلاف ساعدهم على إيجاد وظائف محترمة، آلاف فتح لهم أبواب مكتبه وبيته، لكن السؤال لماذا تنكر البعض له حتى من عقر مؤسساته؟
أسس الشيخ رفيق تلفزيون «المستقبل»، وجريدة «المستقبل»، وإذاعة «الشرق» من بيروت. وبعد فترة وجيزة من تأسيسها، حقق التلفزيون نجاحا ساحقا بين الفضائيات، رغم الاعتداء الذي تعرض له، قصف مقر التلفزيون، وهُدد صحافيوه، كما قصف مقر الجريدة، واتهم حينها كل من حزب الله والحزب القومي السوري.
إن عدنا قليلا للماضي، حين اجتاح حزب الله بيروت في السابع من مايو/أيار «ينذكر وما ينعاد» أطلت مذيعة المنار بابتسامة عريضة تهنئ جمهورها بالنصر المبين..!
وكانت تلك كلها علامات كراهية من أطراف معينة للرجل السني المعتدل، الذي لم يفرق بين لبناني وآخر، وقائمة من تكفل بتدريسهم على عاتقه تشهد بذلك. فقد تبنى طلابا من كل الطوائف بدون استثناء. الجميع يعرف كرم الرجل، وإن اختلفوا في تفسيره، لكن وقفتنا اليوم تخص منابره الإعلامية، التي تركها عملاقة وبدأت تنطفئ شيئا فشيئا بعد غيابه.
ولعل من يحزننا كثيرا هم أولئك الذين اقتلعهم الشيخ رفيق من الغبن، وفتح لهم بابه وصنع منهم نجوما في حياته، وبعد استشهاده تخلوا عن قناة «المستقبل» بمجرد تلقيهم عروضا أو أوامر – الله أعلم ـ بترك أماكنهم فارغة. بدأت القناة تفقد وهجها وتتراجع، وبدأ حصارها وضربها بطرق مختلفة يكسر قامتها. ولا احتمال ثالث لما حدث لقلاع الحريري الإعلامية، فإما أن الرجل كان فائق الذكاء وأدار كل تلك المؤسسات بنفسه، وحين غاب ضاعت بوصلة موظفيه، وإما أنه وثق في بعض من كانوا ينتظرون الفرصة لخيانته، وجاءت فرصتهم بعد اغتياله.
بعد عشر سنوات من غيابه اليوم نصاب بصعقة حين نرى مؤسساته تتخبط في أزمات مادية لا تنتهي. جريدة لا صوت لها، تصدر وكأنها لا تصدر. أقلامها تتسول المكافآت تسولا، إذاعة لا تزال تحافظ على مستواها الراقي، ولكنها تحتاج لدعم قوي لتستمر، نتساءل أحيانا أين المعلنون الذين كانوا على أيام الشيخ رفيق؟ أين تبخروا؟ ففي فترة ما بدا تلفزيون المستقبل كائنا عاريا يحتاج لمن يستره. فقد انسحب المعلنون دفعة واحدة وتخلوا عن اعتباره واجهتهم ومنبرهم ومؤسستهم، والسؤال: لماذا؟
موظفون كثر وجدوا أنفسهم في الشارع، وبعضهم لا يزال يترنّح في المتاهة نفسها، فيما حلقة مفقودة مهمة تدور حول لغز واحد: ألا يوجد أدمغة حقيقية تخرج هذا الصرح الإعلامي من متابعه؟ لقد رأينا على سبيل المثل الإعلامية ريما كركي كيف أطفأها تلفزيون المستقبل، وأخفى لسنوات كل إمكانياتها كإعلامية، إلى أن ظهرت على برنامج للنشر في تلفزيون «الجديد»، وكيف برعت في تقديم البرنامج وتفوقت حتى على زميلها طوني خليفة الذي قدم البرنامج نفسه. ريما مكتبي أيضا، زجت في البرامج الترفيهية والفنية التي لم تحقق رغباتها حتى ملت وغادرت، وأثبتت ذاتها عبر قناة «العربية» وحتى قناة «سي أن أن» … ولنقل تعددت الخيبات والمعقل واحد. اليوم حتى إن جامل البعض المجموعة الإعلامية لتيار المستقبل فإن مضار المجاملة أكبر بكثير مما حلّ بها. فالصديق الحقيقي هو من يواجهنا بأخطائنا لا من يغطيها بغطاء وهمي. لنعترف اليوم أن لا تلفزيون المستقبل بخير، ولا الجريدة بخير، ولا حتى الإذاعة بخير، رغم أن وضعها أفضل وأقول ذلك من وجهة نظر مستمعة دائمة لا مجاملة. الآن هل يجوز أن نتهم الشيخ سعد بتقصيره؟ أم أن الحمل كبير عليه؟ أم أن الطاقم الذي وثق فيه ليس أهلا للثقة؟
علينا أن نطرح هذه الأسئلة بصراحة وشجاعة لنعيد الأمور لسكتها وإلا علينا أن نقف عن بعد ونتابع احتضار صوت المستقبل إلى أن ينتهي. لقد طرحت موضوع المؤسسات الإعلامية فقط لأنها الواجهة الحقيقية لصحة تيار المستقبل ووضع «الحريريين»، ولأنها أكثر الجراح إيلاما، لأن من يتابع وضع المستشفيات والعيادات والمؤسسات الخيرية التي فتحها الشيخ رفيق واصطدمت بالعثرات نفسها، سيكتشف أن لا شيء بخير بعده. وأن أغلب منجزات الرجل تحتضر بعده، حتى وسط المدينة أو «سوليدير» يبدو أنها ستصبح قريبا مدينة للأشباح، وخطة ضربها بدأت منذ أيام الاعتصام العظيم لأنصار حزب الله فيها وتحويلها إلى «مزبلة» …
بعد عشر سنوات من اغتياله تستمر الحملة على مسح آثار الرجل، والغريب أن لا أحد انتبه إلى أن رفيق الحريري رجل بحجم دولة. وأن مؤسساته كانت مؤسسات قوية خدمت كل اللبنانيين، بعده عاد المرض الذي فتك باللبنانيين خلال الحرب الأهلية، وانشطرت بيروت إلى غربية وشرقية وضاحية جنوبية.
وإن كان وسط البلد سابقا مفتوح لكل الطوائف والمستويات، للبالونات وفقاعات الصابون، للضحكات الصغيرة وأصوات الأطفال، فاليوم لم يبق في الساحة غير مطاعم أغلبها مغلقة، ساحة النجمة شبه فارغة حتى في أيام العطل، فقط أسراب الحمام تحط، ثم تطير، وتلك العجوز التي تطعمها تحمل كيس الرز وترشه حفنات حفنات على الأرض.
في المقابل هناك «الزيتونة باي» للطبقة الفخمة، للطبقة التي ترى ماركات ما ترتديه، ولا تراك…حتى النادلون – يا سبحان الله – إن طلبت فنجان قهوة فقط يهملونك تماما، وإن أكلت وشربت ودفعت فاتورة تذبحك من قفاك عليك أن تترك بخشيشا بسعر وجبة، وإلا فالنادل سيذبحك بنظرة احتقار كأنّه دُرّب عليها، تغادر وتقسم ألا تعود…
و قد تأخذك قدماك لـ «الداون تاون» تمر أمام جامع الأمين، حيث يرقد الشيخ رفيق، وتخطر ببالك غصبا عنك أغنية الراحل محرم فؤاد» كلو ماشي، ماشي، الدنيا خلاص ما بقاشي، رخصت يا دنيا الغالي وغليتي اللي ما يسواشي»…
فضيلة الفاروق