شتاءٌ ثقيلٌ في مِعطفِ امرأة

حجم الخط
0

أذكرُ أنّني كنتُ أسيرُ ذات مساءٍ ماطرٍ في وادٍ موحشٍ، كأنّني أعرفه، هل فعلاً كُنتُ فيه مِنْ قبل؟ ففي ذلك الوادي شاهدتُ سياجاً بشعاً مِنْ أسلاكٍ شائكة ملفوفة بعدّة طبقات، كانَ السّياجُ يرتفعُ عالياً، ونظرتُ صوبه وهو يتمطى من سفحٍ إلى سفحٍ، تتخللهما البساتين المُوحشة، فهذا وادٌ موحش، كأنّني كُنتُ هنا، هل فعلاً جئتُ إلى هنا؟ كانَت هناك بقايا لكهفٍ مطمورٍ وشجيرات عُلّيق وقنديل، وشجر زيتون مُكسّر مِنْ اعتداءاتِ المُستوطنين، فخطوتُ عدّةَ خطوات نحو بئرٍ كبيرة يبدو أنّها استخدمَت في السّابقِ لجمعِ المياه، لكنّها الآن مملوءة بعُلبِ مشروباتٍ روحيّة وبأكياسِ نايلون..
فهنا شاهدتُ في الوادي شجرتي نخيل باسقتين ونوعا آخر مِنَ الشّجيرات لا أتذكّرُ نوعهما، ووقع نظري على مناطيرٍ مبنيّة مِنَ الحِجارة بشكلٍ رائع، وأذكرُ أنّني رأيتُ البُرج المُحصّن الذي يقعُ على حافةِ الوادي، فلمْ أذكرُ بأنّه كانَ قائماً في زمنٍ مضى، فهذه هي المرّة الأولى التي أجيءُ فيها إلى بقايا مناطيرٍ شبه مُهدّمة.. فمنذُ لحظة قدومي إلى هذا الوادي، شعرتُ بتذكُّر الوادي الجميل والمُوحِش حينما كُنتُ ولداً صغيراً، ولكنْ ما الذي يجزمُ هذا الشّعور؟ لماذا لا يكون تخيُّلا مِنْ تخيُّلاتي؟
فأنا مَنْ تتوه فيه الأمكِنة، فتنكشِفُ التّأمُّلات، وتتشابه المسافات؟ قطعاً كلا، فلدي شعورٌ مُغايرٌ في هذه الرّحلة، فثمّة أصوات جارفة ومُستترة، فكٌنتُ أشعرُ بأنّها تنتشني وتمصُّني، هابطةٌ مِنْ سُعفِ النّخيل وتُرابٍ أحمر وسياجٍ بشِع، فهذا وادٍ موحِشٌ، كأنّني كُنْتُ هنا، هلْ فعلاً أتيتُ إلى هنا؟ وادٍ مجنونٌ بوحشته في هذا الشّتاء، ونهايةُ تُخوم التّضاريس الرّائعة، فهُنا يجبُ أنْ أكونَ في كلِّ مساءٍ، وها هنا أجِدُ نفسي واقفا وأنظرُ مِنْ طاقات المناطير على روائحٍ كريهةٍ وأصواتٍ مُبهمة كأنّها تُدركني.. فروائحُ المياه العادمة من بُرجِ الحراسة وهُبوب الرّياح الباردة تهبُّ صوب شجرتيّ النّخيل وصيّادون يتذمّرون مِنْ تعبِ اصطيادهم للغُزلان.. فكُنتُ أقفُ بالقُربِ مِنْ بابِ المنطار، والصيّادون مندهشون بصمتٍ ويحاولون معرفةَ سبب قُدومي إلى هنا..
صياد هرِمٌ تعلو التّجاعيدُ محيّاه يهزُّ هامته المُثقلة مِنْ قبّعته المبلولة يُحدّقُ فيّ وكأنّه مستغربٌ مِنّي لأنّني أرتدي كوفيّة فكانَ يمسكها ويقولُ هذه تُراثنا لا تُفرّطُ بهذه الكُوفيّة ..
فيا رجلٌ أجلسْ هنا على مدخلِ المنطار، لأنّه يبدو عليك التّعبُ جلياً .. صوتٌ يقولُ مِنْ بين الصّيادين ليقم أحدٌ منّا بالاتصال بالموبايل.. أنهضُ على صوتِ جلبةٍ قوية.. هواءٌ باردٌ يلفحُ سِحنتي ورجلٌ هرِمٌ يربتُ على كتفي.. أنهضُ مذعوراً وأبتعدُ صوب الكهفِ المطمور وأحاولُ الوُلوج فيه رغم ضيق فتحته وأغوصُ في متاهاتِ اشتياقاتي الماضية..
تقتربُ بعد فترةٍ امرأة بمعطفٍ أنيق وتهمسُ أتعرفني.. أنظرُ صوبها بجنونٍ لقدْ عرفتُها كُنّا نأتي هنا معا حينما كُنّا صغيريّن.. فهي كانتْ تقطفُ الحنّون من هذا الوادي المُوحش مع أنّه كانَ وادياً جميلاً من قبل وأنا كُنتُ أنظرُ باتجاه قدّها الجميل.. أتذكّرُ بنطالها الضيّق، أهمسُ لها: فكيف أنساكِ لقدْ هرمت مِثلي.. تبتسمُ وتقتربُ نحوي وتهمسُ ما زلتُ هنا لأنّني أُحِبُّ هذا الوادي، ففيه أجِدُ مُتعتي رغم وحدتي..
الصّيادون ينظرون صوبنا باندهاشٍ، والمرأةُ الهرِمة الجميلة التي ترتدي مِعطفاً بدا لي ثقيلاً ومملوءًا بالهمومِ وهي تقصُّ لي عنْ حياتها هنا، وأنا أقُصُّ لها عنْ عذابي المُستمرّ على حواجزٍ كثيرة تغلِقُ مدينتي متى شاءتْ.. فتبتسمُ وتودّعني وتذهبُ لحالِ سبيلها، وأنا أغادرُ تحت المطر الثقيل، لكنّني في الطّريقِ كُنتُ أقولُ لا بُدّ لي مِنَ العودة إلى هنا، فأنا أحِنّ لهذا الوادي لأنّني أتذكّرُ فيه شبابي.. أتذكّرُ المِعطفً والمرأة والشّتاء المجنون..

* كاتب فلسطيني

عطا الله شاهين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية