عمان ـ «القدس العربي»: مبدع أردني جمع ما بين الرواية والقصة القصيرة، تحدث عن الواقع وهمومه وكتب عن المكان الذي يلهمه، فحضرت قريته الحوارة في الكثير من إنتاجاته الأدبية، وأهمها مجموعته القصصية الأولى «هموم صغيرة»، وكتب عن تجربته في السجن في رواية «القط الذي علمني الطيران»، إلى جانب الكثير من الروايات الأخرى التي لم تشغله عن القصة القصيرة، حيث صدر له مؤخرا «حبة القمح» عن «دار الآن ناشرون». حول هذه المجموعة وسيرته الأدبية، كان لـ»القدس العربي» هذا الحوار مع الكاتب الأردني هاشم غرايبة.
٭ في مجموعتك القصصية «حبة قمح» رحلة الحياة المؤنسنة بطابع صوفي، اعتمدت فيها على الصورة والحركة لتجسيد المعاناة والصعوبات، فما دور هذه التقنية بالكتابة بإنجاح العمل الأدبي وإيصال الفكرة للقارئ؟
□ العمل الأدبي هو صلة بين الكاتب وقارئ مجهول المزاج والميول والمعارف، والكتاب معروض على قارعة الرفوف، أو على نوافذ الإنترنت.. فإذا لم يصطده الكاتب بشبكة التشويق، وإذا لم يقدم له الكتاب الإمتاع والمؤانسة، فقدت الصلة وضاع التواصل وغابت الفكرة. ولكل كاتب أسلوبه وتقنياته وحيله الفنية للترغيب بنتاجه، وتمرير رؤيته الخاصة لتفاصيل الحياة وروايته العامة عن هذا الكون.. والحكم على نجاح العمل الأدبي هو القارئ أولا، والناقد ثانيا، ووسائل الترويج والدعاية ثالثا.
٭ المكان يعني الكثير لغرايبة، خاصة «حوارة» فهل هنالك سر ما يربط الكاتب بالمكان أو الزمان من ناحية الإلهام؟
٭ يحاول المبدع الإفلات من شرطي الزمان والمكان ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. أليس البشر ومنذ جلجامش يحاولون الإفلات من شرط الزمان والمكان، بتخيل كسر المسافة بزمن قياسي، المخترعات البشرية قامت بالتحايل على هذين الشرطين على الأرض وفي الفضاء.. ألم يكن حلم جلجامش الشباب الدائم وامتلاك قوى خارقة لقطع المسافة بزمن قياسي، ألم يكن شيبوب يسابق سرب القطا.. ولكن أين المفر، لا مناص من الاتكاء على منصة للانطلاق بأحلامنا.. ولا فكاك من دبيب الزمن مهما اجتهدنا في حلبه أو اختزاله. منصتي الخاصة هي حوارة. أماكننا الأولى مرايا مغبرة لا ترينا ما كنا عليه فعلاً، بل ترينا ما هو كامن فينا. أدّعي بأن حوّاره – معلمتي الأولى – فنانة ماهرة، علمتني الاشتباك مع عالم شاسع مليء بالطير والجنّ والحيوان والقمح والشجر والجبل والرمل والغيلان والملائكة والشياطين والنّاس والحجر والنّار والغنم والأراضي السبع والسموات السبع والسنوات السبع والشهور السبعة، وفتحت لي الأبواب السبعة، ودلتني على واو الثمانية..
هناك كانت السماء قريبة، وبابها سهل الانفتاح في ليلة القدر وفي غير ليلة القدر، وكان الناس الصالحون والطالحون قريبين من السماء بدون تبجح.. كانت الدروب أوسع، والعتبات أعلى، والفضاء أرحب، وروائح الأشياء متباهية باستقلالها.
٭ ما مصير رواية «سكان كوكب المريخ»؟
٭ صار اسمها «وصف الجنة».. اقتطف منها: أهمس لكم بسر: عند الموت لا يجد المرء أمامه إلا إيمانه الخاص، فإذا كان يعتقد بالعدم فسيمضي إلى العدم، وإذا كان يؤمن بالبعث فسيبعث.. والذي يعتقد أنه ذاهب إلى الجحيم فسيجده أمامه..
لست معنيا بالمحسوبيات والمجاملات والعلاقات الاجتماعية والجوائز الادبية وأنصاف النقاد.. ما يعنيني هو نصي وجمالياته ومحمولاته، وهؤلاء القلة من القراء الذين لا أعرفهم.
٭ ومن جانب آخر بعض الأدباء يعتبرون أن النقد ليس موجها لإنتاجهم، بل إلى شخصهم، ما رأيك؟
٭ أنا شخصيا لا أعاني من النقاد.. بل استفيد من معارفهم. وانتبه لملاحظاتهم.. واحتفي بنظرياتهم.
٭ ما رأيك بإيقاف جائزة التفرغ الإبداعي، وحضرتك حصلت عليها وكتبت روايتك «القط الذي علمني الطيران»؟
٭ الذين أوقفوا مشروع التفرغ الإبداعي؛ نظروا له من زاوية كلفته على الوزارة، وقالوا بأن منتوجه من الأعمال الإبداعية لا يتناسب مع كلفته.. وأنا أنظر له على أنه رافعة مهمة للتقدم الثقافي والأدبي والفني عن طريق دعم المبدع نفسه، أي العنصر الأهم في العملية الثقافية، وليس بالنظر إلى ما قدمه خلال سنة التفرغ ذاتها..
مشروع التفرغ الإبداعي كان من المشاريع التي يغبطنا عليها مثقفون كثر في الوطن العربي، وهذا مؤشر إلى حاجة الثقافة العربية عموما للدعم، وحاجة مبدعيها للتفرغ ولو سنة واحدة.. يروي اميل حبيبي أنه أخذ إجازة تفرغ من جريدة «الاتحاد»، وذهب إلى منتجع على ساحل البحر الاسود ليتفرغ لكتابة رواية.. أمضى الاجازة بالتسكع والاستمتاع بالبحر.. لكنه لما عاد إلى مكتبه في جريدة «الاتحاد» كتب رائعته: المتشائل.
٭ وبمناسبة الحديث عن رواية «القط الذي علمني الطيران»، التي ترجمتها نسرين اختر. برأيك كيف ترى مستوى الترجمة بالنسبة للمؤلفات الأردنية؟
٭ اجمل ما في ترجمة نسرين معرفتها الدقيقة بخفايا الحياة التي يتناولها مواطنوها، وهي أدرى من غيرها بدلالات اللهجة أو التراكيب اللغوية ومناخاتها المحلية، وقادرة على ترجمتها لقارئ تعرف بيئته ومصطلحاتها.. مشكلة الترجمة لا تكمن بتمويل مترجمين لينشطوا في هذا المجال. المشكلة تكمن في النشر.. ونسرين تنشر ترجماتها في دار نشر أمريكية حيث تقيم.. هذا مهم جدا قياسا إلى ترجمات يقوم بها ناشرون محليون وتبقى أسيرة السوق المحلي.
٭ في أحد مقابلاتك قلت «الرواية فن ثم لاحقا صنعة» ألا تعتبر أن من أصبحت لديه الرواية صنعة دخل في دائرة الرتابة والتكرار، بعيدا عن الإبداع والتجديد؟
٭ نعم الإبداع موهبة وصنعة لا يستقيم الأمر بدون تلازمهما.. هل يستقيم الأمر لشاعر النثر أن يكون شاعرا بدون معرفة قواعد اللغة وأصول العروض؟ هل يمكن أن يكتب الروائي رواية ممتعة بدون لغة تخدمها؟
٭ ما هو مشروعك المقبل؟
٭ قضاء شيخوخة هادئة في سهول حوارة، وأحلم بكتابة جديدة، أقصد كتابة مغايرة لما ألِفت، وألَفت.
آية الخوالدة