ما تزال الولايات المتحدة حتى الآن هي القوة الأعظم في العالم، التي تتوفر لها مقومات القوة الشاملة، الخشنة الغاشمة، والناعمة اللئيمة. هذه المقومات مثل القوة النووية والبحرية والجوية والنقدية والعلمية والتكنولوجية والدبلوماسية، ما تزال تمدها بنفوذ واسع النطاق، سوف يستمر حتى منتصف القرن الحالي على الأقل، وهو الموعد الذي ضربته الصين للقاء مع المستقبل. وعلى الصعيد الاقتصادي فإن الدولار الأمريكي يمد الولايات المتحدة بنفوذ كبير قد يمتد إلى ما بعد منتصف القرن الحالي، إذا تمثلنا التجربة التاريخية للاسترليني، الذي سبق الدولار على عرش النظام النقدي الدولي، واستمر كذلك حتى عندما كانت الولايات المتحدة أقوى اقتصاديا من بريطانيا العظمى. ومن المعروف أن الاقتصاد الأمريكي تجاوز الاقتصاد البريطاني من حيث الناتج قبل نهاية القرن التاسع عشر، لكن الاسترليني استمر هو العملة المهيمنة على النظام النقدي الدولي حتى قبيل الحرب العالمية الثانية.
ومع ذلك فإن استمرار النفوذ العالمي للدولار بدأ يهتز، حتى مع استمرار الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية في العالم على أساس حجم الناتج المحلي الإجمالي مقاسا بالقيمة الاسمية أو الرسمية للدولار. على هذا الأساس فإن نصيب الولايات المتحدة من الناتج الإجمالي للعالم يمكن أن يصل إلى 26.5 في المئة بنهاية العام الحالي، وهي أعلى نسبة تحققها منذ عام 2011 عندما هبط نصيبها إلى 21.1 في المئة. نصيب الولايات المتحدة من الناتج العالمي، كما يتوقعه صندوق النقد الدولي بنهاية العام الحالي، هو أفضل ما حققته منذ استحوذت على حصة تعادل 30.4 في المئة بنهاية عام 1973. لكن تقدير الصندوق للقوة للاقتصادية الأمريكية مقاسا بمعامل القوة الشرائية وليس القيمة الإسمية للدولار، يضعها في المركز الثاني عالميا بعد الصين هذا العام. ويتوقع الصندوق أن تكون حصة الصين من الناتج الإجمالي للعالم 19.01 في المئة، بينما حصة الولايات المتحدة تبلغ 15.5 في المئة فقط. هذه التقديرات تكشف قوة التحدي الصيني للولايات المتحدة، خصوصا إذا نظرنا للوراء مع بدايات مرحلة الانفتاح الاقتصادي للصين. في عام 1981 بلغ نصيب الولايات المتحدة من الناتج العالمي 27.8 في المئة مقارنة بـ 2.5 في المئة فقط للصين! هذا يعني عمليا أن أحد المقومات الرئيسية للقوة الأمريكية يفقد قدرته على مواجهة التحدي الصيني.
مصادر ثلاثة تهدد نفوذ الدولار
يرتكز النفوذ الاقتصادي للولايات المتحدة على مقومات أخرى غير نصيبها من الناتج العالمي، فهناك النظام النقدي الأمريكي نفسه، الذي يمثل الدولار عموده الفقري، وتتمتع مؤسساته مثل البنوك وأسواق المال بنفوذ عالمي كاسح، في تسوية المعاملات المالية والتجارية وإصدار أدوات التمويل وترتيب القروض، وتمويل الاستثمارات. ومن الصعب جدا أن يتصور أحد في العالم أن النظام النقدي الدولي يستطيع أن يتخلى عن الدولار الأمريكي في وقت قريب، أو حتى عندما تفقد الولايات المتحدة مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم وفقا لمقياس القيمة الاسمية للدولار. وإذا كانت هناك منافسة حقيقية للدولار داخل النظام النقدي الدولي فإنها لا تأتي من اليوان الصيني، الذي يعتبر الآن ثالث أهم العملات العالمية، إنما تأتي المنافسة من اليورو الأوروبي، ثاني أهم العملات العالمية. ويتمتع اليورو بمقومات نفوذ قريبة من الدولار، من حيث ثقة العالم، والخبرة التاريخية في التعامل مع الأسواق الأوروبية، ودرجة تنوع وسيولة أسواق المال الأوروبية وتطورها التكنولوجي.
ومن المؤكد أن الوزن الاقتصادي المتنامي للصين سيؤدي إلى إجراء المزيد من المعاملات بعملتها. وقد نمت حصة اليوان في التمويل التجاري العالمي بشكل حاد، من أقل من 2 في المئة في 2022 إلى 4.5 في المئة في بداية العام الماضي. لكن هذه النسبة لا تزال طفيفة، وجاءت المكاسب في الغالب من إعادة تسعير التعاملات الروسية مع الصين. في المقابل يمثل اليورو 6 في المئة من التجارة العالمية؛ في حين يتسيد الدولار بنسبة 84 في المئة. وتشير مؤشرات تسوية المعاملات المالية من خلال نظام المدفوعات العالمي «سويفت» إلى زيادة نصيب اليوان بسرعة في الأعوام الأخيرة، حيث تجاوز الين الياباني.
لكن هذه المكانة التي يتمتع بها الدولار حاليا تواجه مجموعة من التهديدات، تنبع من ثلاثة مصادر رئيسية:
الأول، هو التهديدات الجيوستراتيجية، ومنها ما هو من صنع الولايات المتحدة نفسها، ومنها ما هو ناتج عن عملية الانتقال العالمي إلى نظام متعدد الأقطاب، خصوصا مع إفراط واشنطن في استخدام الدولار كسلاح سياسي للدفاع عن مصالحها. ومن ذلك فرض العقوبات الاقتصادية على منافسيها كما يحدث مع الصين وروسيا وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية. وترد الدول المستهدفة بالعقوبات بالعمل على تقليل انكشافها على الدولار وسوق المال الأمريكي بشكل عام.
المصدر الثاني، هو التهديدات الاقتصادية، الناتجة عن زيادة حجم التجارة الدولية خارج الولايات المتحدة، خصوصا بين دول جنوب شرق آسيا، ومجموعة دول آسيا الوسطى، ومجموعة دول بريكس. ومع نمو التجارة البينية لهذه الدول فقد زادت الرغبة في استخدام عملاتها المحلية في تسوية مدفوعات التجارة. وقد تم عقد اتفاقيات كثيرة من هذا القبيل تمنح العملات المحلية هامشا لم يكن متاحا من قبل لتسوية المعاملات دون الحاجة إلى المرور عبر الدولار وقنوات النظام النقدي والمالي الأمريكي.
المصدر الثالث للتهديدات المتنامية بقوة التي يواجهها نفوذ الدولار هو التطور التكنولوجي السريع في مجال إصدار العملات الرقمية. مركز الثقل في هذا التطور التكنولوجي يتمثل في تكنولوجيا تأمين العملة الرقمية والمعاملات «بلوك تشين». هذه التكنولوجيا يتم تطويرها بسرعة هائلة في الصين، حيث بدأ استخدام اليوان الرقمي منذ عام 2022 وهو الآن يستخدم على نطاق واسع محليا وبواسطة السائحين الصينيين في الخارج. وقد دخل على خط تطوير إصدار العملات الرقمية كل من صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية، وهي خطوة من شأنها أن تمنح مشروع إصدار عملة رقمية عالمية تتعامل بها البنوك المركزية في كل أنحاء العالم قوة دفع كبيرة ومستوى عال جدا من الثقة والمصداقية. ولذلك فإن الدولار يواجه مصيرا صعبا جدا، كلما تقدم المسار على طريق العملات الرقمية.
دور النفط
في إضعاف الدولار
تحتاج تجارة النفط العالمية إلى سيولة دولارية تقدر بنحو 2 تريليون دولار سنويا. ويضيف الغاز (الطبيعي والمسال) والكثير منه مقوم باليورو، حوالي 400 مليار دولار أخرى. وقدرت قيمة كل التجارة العالمية في العام الماضي بنحو 32 تريليون دولار. هذا يعني أن نصيب تجارة النفط والغاز من إجمالي التجارة العالمية لا يزيد في الوقت الحاضر عن 7.5 في المئة. لذا فإذا افترضنا حتى التحول الكامل عن الدولار في تجارة النفط والغاز، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى إضعاف هيمنته وليس إنهاء قوته. ومع ذلك فإن التحول عن الدولار في مجالات التجارة الأخرى السلعية وغير السلعية، مع بروز تحالفات نقدية عالمية جديدة، واتساع نطاق استخدام العملات الرقمية، يمكن أن يسبب أضرارا مضاعفة للدولار والنفوذ الأمريكي في النظام النقدي الدولي.
وتحتاج الدول المستوردة للنفط إلى سيولة دولارية لدفع تكلفة الاستيراد، كما تحتاج الدول المصدرة للنفط إلى قنوات تمر من خلالها هذه السيولة واستخدامها فيما بعد. ومن المعروف تاريخيا أن النفط يتم تسعيره بالدولار الأمريكي، وأن تسوية المعاملات تتم بالدولار من خلال النظام المصرفي الأمريكي، وأن السلطة النقدية التي تصدر الدولار هي مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي. من هنا نشأت علاقة قوية متبادلة بين النفط والدولار، وحافظت الدول المصدرة للنفط في منطقة الخليج على ربط عملاتها المحلية بالدولار، وأصبحت السياسات النقدية الخليجية ظلا ممدودا للسياسة النقدية الأمريكية. لكن العالم بدأ يشهد انقلابا كبيرا في السنوات الأخيرة، خصوصا منذ عام 2018 يتمثل في تحول بعض الدول، منها الصين، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم حاليا، إلى تسوية مدفوعات وارداتها النفطية باليوان الصيني أو بعملات أخرى غير الدولار.
وتقدر مؤسسة جي بي مورغان أن حوالي 20 في المئة من تجارة النفط العالمية في العام الماضي جرى تسويتها بعملات غير الدولار. وقالت رئيسة استراتيجية السلع العالمية في جي بي مورغان، ناتاشا كانيفا، في حديث مع صحيفة «وول ستريت جورنال» في كانون أول/ديسمبر الماضي إن العقوبات كانت حافزا رئيسيا لروسيا وإيران لبدء القيام بأعمالهما النفطية بعملات غير الدولار. وكانت روسيا وإيران والصين والسعودية والهند والإمارات أطرافا رئيسية في تعاقدات نفطية جرى الاتفاق على تسويتها بعملة أو عملات غير الدولار الأمريكي. ووفقا لبيانات جى بي مورغان، كان هناك 12 صفقة للسلع الرئيسية تمت تسويتها بعملات مختلفة عن الدولار في 2023 مقارنة بسبع صفقات فقط من هذا القبيل في عام 2022 واثنتين في الفترة بين عامي 2015 و2021. ومن بين صفقات عام 2023 صفقة بين الإمارات والهند لدفع ثمن شحنات النفط الخام بالروبية، وأخرى – خط مبادلة العملات – بين المملكة العربية السعودية والصين بقيمة 7 مليارات دولار. وفي شهر اذار/مارس 2023 باعت شركة توتال الفرنسية شحنة من الغاز الطبيعي المسال من الإمارات إلى شركة النفط البحرية الوطنية الصينية، تمت تسويتها بالعملة الصينية. تلك الصفقة تم ترتيبها من خلال بورصة شنغهاي للبترول والغاز الطبيعي، التي قال رئيسها قوه شو إنها «محاولة ذات مغزى لتعزيز التسعير المتعدد العملات والتسوية والدفع عبر الحدود في تجارة الغاز الطبيعي المسال الدولية». في الوقت نفسه فإن بورصة أبو ظبي بدأت تطوير منصة لتداول عقود نفطية غير مقومة بالدولار، من خطوة من شأنها أن تساعد على كسر احتكار الدولار لسوق تسوية عقود النفط. ومن شأن تسعير النفط بعملات أخرى أن يقلل الطلب على العملة الأمريكية، وعلى سندات الخزانة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع قيمة الدولار، وتعقيد أزمة تمويل العجز المزدوج (المالي والتجاري) للولايات المتحدة. لكن هذا التراجع، يحد منه حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت مُصدِّرا صافيا للبترول والغاز، وأن طلب المشترين على الدولار لتمويل الواردات من الولايات المتحدة سيستمر في الزيادة، طالما استمر تدفق البترول الأمريكي للخارج. وقد رأينا كيف أن الروبل الروسي استمد قوة هائلة، وتوقفت قيمته عن الانهيار عندما رد بوتين على إجراءات المقاطعة الأوروبية الأمريكية باشتراط تسوية المدفوعات مقابل النفط الروسي بالروبل وليس بالدولار.