لندن – «القدس العربي»: هل هناك ارتباط بين الملف النووي الإيراني والحرب الأهلية السورية؟ وهل ترغب الدول العربية خاصة الخليجية بالحصول على تعويض من الولايات المتحدة مقابل دعمها للإتفاق النووي المتوقع توقيعه بنهاية شهر حزيران / يونيو المقبل؟ أسئلة ستظهر الإجابة عليها في قابل الأيام خاصة أن الرئيس باراك أوباما سيعقد اجتماعا مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في منتجع كامب ديفيد الأسبوع المقبل للتباحث معهم حول الخطوات اللازم اتخاذها للتعامل مع الإتفاق ولتقديم تطمينات للدول الخليجية الخائفة من أن يمنح الإتفاق إيران هيمنة في المنطقة خاصة أن قادتها يدعون سيطرتهم على أربع عواصم عربية. وترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن المحادثات النووية مع إيران فتحت طريقا متشابكا لوقف الحرب في سوريا.
وأشارت إلى زيارة المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الذي قدم لمجلس الأمن في شهر شباط / فبراير تقريرا قال فيه إن حكومة الرئيس السوري بشار الأسد مستعدة لوقف الغارات الجوية على حلب، وتساءل إن كانت المعارضة المسلحة مستعدة لوقف القصف؟ لكن ما لم يعلن عنه دي ميستورا وكان الجميع يعرفه هو أن قوات الأسد كانت تحاصر المعارضة وتحاول السيطرة على ما تبقى من مناطق خاضعة لسيطرتها في المدينة المقسمة.
ولم ينجح النظام حيث استطاع المقاتلون صد الهجوم وبالتالي رفضوا خطة دي ميستورا الداعية لتجميد القتال في مناطق من أجل السماح للمواد الإنسانية بالدخول للمحاصرين، وهي الخطة التي يحاول دي ميستورا تسويقها. وقد تغير الكثير منذ تلك المرافعة حيث تراجعت قوات النظام السوري في أكثر من جبهة وتكبدت خسائر فادحة وخسر النظام مدينتين مهمتين وهما إدلب وجسر الشغور إضافة لبصرى الشام في محافظة درعا. وهو ما دعا دي ميستورا لتغيير مساره التفاوضي، فقد عقد يوم الإثنين في جنيف سلسلة من اللقاءات مع الأطراف المتحاربة والقوى الداعمة لها بما فيها إيران.
تغير الظروف
وفي لقاء مع الصحيفة عقد في مقر الأمم المتحدة لمح دي ميستورا إلى ان تغير الظروف العسكرية والدبلوماسية قد دفع داعمي القوى المتحاربة في سوريا للتساؤل عن المدى الذي ستذهب فيه لمواصلة الدعم والقتال. وتساءل إن كان هذا سيترك أثرا على استعداد الأطراف لتسريع الحل السياسي «فنحن بحاجة لفحصه».
ويرى أن «مظلة جنيف» هي الوسيلة الوحيدة لفحص الإستعدادية «وهي مناسبة للطلب من كل طرف بمن فيها الحكومة إن كانت هناك طريقة جديدة للحل السياسي الذي يدعي كل طرف أنه يسعى إليه». والملاحظ أن دي ميستورا يخطط لأن يقدم تقييما لمشاوراته في نهاية حزيران / يونيو بشكل يتزامن مع الموعد النهائي لتوقيع الإتفائية النووية مع إيران.
وتتساءل الصحيفة إن كان الإتفاق النووي سيعبد الطريق نحو جولة جديدة من المحادثات الدبلوماسية لحل الأزمة السورية يظل محلا للتساؤل. ويرى دي ميستورا أن «النزاع السوري أنتج الكثير من علامات الإستفهام- إلى أين سيفضي وهل يمكن استمراره» فالحرب في سوريا أنتجب أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد توقفت الأمم المتحدة عن إحصاء القتلى لكن يعتقد أن هناك ما يزيد عن 220.000 شخص قتل وملايين من المشردين داخل وطنهم أو الذين توزعوا على الدول الجارة لسوريا.
مهمة دي ميستورا
وكارثة بهذا الحجم تضع الكثير من الأعباء على الأمم المتحدة ومن ترسله للتوسط بين الأطراف. فقد فشل كوفي عنان، الأمين العام السابق وأول مبعوث دولي لسوريا. وأثبتت سوريا أنها عصية على مهارات المبعوث الدولي الثاني الأخضر الإبراهيمي وهو حلال المشاكل من لبنان والعراق إلى أفغانستان. واعترف الإبراهيمي العام الماضي بفشله واعتذر للسوريين بعدم قدرته على جمع الأطراف قبل استقالته من منصبه. ثم جاء دي ميستورا الذي يعمل في الأمم المتحدة منذ 40 عاما، لكن المهمة في سوريا تعتبر ضخمة بالنسبة له. ويرى نقاده أنه يتحدث كثيرا ويضخم من خطواته.
ومن ذلك تحذيراته المبالغ فيها من تكرار مثال سبرينتشا التي قتل فيها عشرات الألوف من المسلمين على يد الصرب عام 1995 وذلك في معرض حديثه عن منظور سقوط بلدة عين العرب/كوباني بيد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.
وتنقل الصحيفة عن معين رباني الذي عمل لفترة قصيرة مع دي ميستورا وأصبح لاحقا من أشد ناقديه قوله إن دي ميستورا ليست لديه الكفاءات اللازمة للقيام بالمهمة. ووصف رباني المبعوث الدولي بالرجل الذي لا يعرف أن لديه الرؤية السياسية والخيال السياسي. وعمل دي ميستورا في السابق نائبا لوزير الخارجية وقال إنه رفض المهمة في سوريا عندما عرضها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عليه في آب (أغسطس) العام الماضي ولكنه غير رأيه في اليوم التالي.
وقارن دوره في سوريا بالطبيب الذي يواجه مريضا مصابا بمرض خطير . ومن هنا جاءت فكرة تجميد القتال في حلب كبداية للتخفيف عن المريض آلامه. ورغم صعوبة الوضع في حلب إلا أن دي ميستورا يرى أن كل طرف في أوروبا كان يعرف قيمة حلب «ولهذا استخدمت حلب لكسر الجليد». ولكن جهوده التي استغرقت ستة أشهر انهارت بسبب الحملة التي قام بها النظام. وهناك من يتهم دي ميستورا بأنه متأثر برواية النظام السوري لكنه يرد بالقول إنه شعر «بخيبة الأمل والقلق». ولم تلق جهود دي ميستورا دعما من المعارضة السورية، وتنقل عن مقاتل سابق قوله إن أي شخص في مناطق المعارضة يعترف بلقاء دي ميستورا في غازي عينتاب يلقى القبض عليه.
ورغم كل هذا يلقى دي ميستورا دعما من باني كي مون الذي يرى أنه يقود مهمة دبلوماسية شاقة ويحاول تحقيق تسوية ليس بين القوى المحلية ولكن قوى دولية مرتبطة بها وهي الولايات المتحدة وروسيا. ويرى نيكولاس بيرنز الذي عمل في الخارجية الأمريكية قبل أن يصبح استاذا في جامعة هارفارد أن دي ميستورا يحتاج لدعم من القوى الخارجية، خاصة الداعمين للأسد وهم الروس والإيرانيون.
مطالب دول الخليج
وسواء ترك الملف النووي الإيراني أثره على الحرب السورية أم لا إلا أن الدول العربية وتركيا بدأت خطوات لدعم المعارضة وهو ما أدى لحرف ميزان الحرب لصالحها لأول مرة منذ سنتين ودفع الكثيرين للتكهن بقرب نهاية الأسد. وتتصرف السعودية في ظل قيادتها الجديدة بعيدا عن المشورة الأمريكية حيث يرى المراقبون أن مكاسب المعارضة السورية جاءت بسبب السلاح المتقدم الذي حصل عليه المقاتلون من السعودية عبر تركيا.
وتأتي هذه التطورات في ظل الأزمة اليمنية التي يعتبر التحرك السعودي فيها ردا على التوسع الإيراني وخوفا من الهيمنة التي ستتعزز بعد رفع العقوبات عن إيران. ومن هنا ترى صحيفة «وول ستريت جورنال» أن دول الخليج تسعى للحصول على أسلحة متطورة من الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها. وتطالب دول الخليج واشنطن بتقديم ضمانات أمنية لها مقابل دعمها الإتفاق النووي. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وعرب قولهم إن قادة الدول الخليجية سيطلبون من البيت الأبيض مقاتلات حربية جديدة وبطاريات للصواريخ ونظام رقابة.
وسيدفعون باتجاه اتفاق دفاعي جديد مع الولايات المتحدة يشتمل على شروط وبنود تدخل أمريكي حالة تعرضت هذه الدول للتهديد. وتعكس المطالب الخليجية المصاعب التي تواجه أوباما وهو يحاول التوصل لاتفاق نووي مع إيران ووقف طموحاتها لامتلاك قنبلة نووية وفي الوقت نفسه تطمين حلفائه في دول الخليج حيث سيكون ثمن الإستقرار في هذه الدول زيادة في العسكرة والتسليح.
وقد عززت دول الخليج من ترسانتها العسكرية خاصة أن العديد منها سمحت بفتح قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. لكن طلبها أسلحة متقدمة يضع معوقات أمام الولايات المتحدة التي تحاول أن تؤكد سيادة إسرائيل العسكرية في المنطقة. وترى الصحيفة أن أي محاولة من أوباما لترضية الدول العربية ستضعه أمام مواجهة مع الكونغرس المؤيد لإسرائيل وبالتالي جولة جديدة من التوتر مع إسرائيل. وينقل عن السناتور ليندزي غراهام قوله «أشعر بالقلق من أن يقوم الرئيس أوباما بتقديم وعود وتوفير كل لعبة عسكرية يطلبونها واتفاقيات أمنية مقابل أن يظهروا تعاطفا مع الصفقة».
ويضيف «لو شعرت بهذا أو شممت رائحته فسأعمل كل ما بوسعي لمنع كل رصاصة أو طائرة» تصل إليهم. ويرى النائب الديمقراطي إليوت إينجل، النائب عن نيويورك وأحد مسؤولي الديمقراطيين الكبار في لجنة الشؤون الخارجية إن مسؤولين في البيت الأبيض قد لمحوا لاستجابة أوباما لمطالب القادة العرب. ويرى إينجل إن الدول العربية هذه «هي أكثر الدول عرضة للخطر في المنطقة وأعتقد أن لديهم مخاطر مشروعة من إيران» مشيرا إلى أنه يجب الحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري. وسيلتقي أوباما مع قادة السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وعمان في 13 أيار / مايو في البيت الأبيض ومن ثم في منتجع كامب ديفيد بميريلاند.
أف35-
ويطالب القادة الخليجيون بأسلحة ومعدات عسكرية متقدمة وصواريخ وطائرات بدون طيار وأنظمة دفاعية ورقابة لمواجهة إيران التي يرون أنها تريد الهيمنة على المنطقة.
ويرغب قادة الخليج بالحصول على مقاتلات حربية متقدمة مثل أف- 35 ولكن مسؤولين في الإدارة قللوا من إمكانية بيع الطائرة هذه لدول الخليج مع أنها ستباع لكل من إسرائيل وتركيا خاصة أن الإدارة الأمريكية معنية بالحفاظ على توازن القوة في المنطقة. وسـتواجه محاولات الإدارة بيع سلاح متقدم بمعارضة من اللوبي الـمؤيد لإسرائيل في الكونغرس. ومن هنا فالتـحدي الذي سيواجه أوباما في كامب ديفيد هـو تخفـيف مظاهر قلق دول الخليج من آثار الإتفاق النووي وفي الوقت نفسه الحفاظ على التفوق النوعي العسكري لإسرائيل في المنطقة. وتخشى الدول الخليجية من أن يدفع الإتفاق إيران لزيادة دعمها لسوريا وحلفائها في لبنان واليمن. وبحسب إتفاق الإطار في سويسرا فسيتم رفع العقوبات عن إيران مقابل وقف الأخيرة نشاطاتها النووية.
وقد يؤدي هذا لرفع الحظر عـن 100 مليار دولار من عوائد النفط الإيراني المجمدة في حسابات بنكية بالخارج. وبناء على هذه التطورات عـززت دول الخليج من استشاراتها مع البيت الأبـيض من أجل تحقيق اتفاقيات أمنية. وبـحسب مسؤول عربي «يـجب أن نكون واضـحين حول المسـتقبل». وطـرح المسؤولون العرب الذين التقوا مع إدارة أوباما فكرة عقد اتفاقية أمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي مشابهة لتلك الموقعة مع اليابان وكوريا الجنوبية. لكن الدول العربية تعرف أن معاهدة كهذه قد تجد معارضة في الكونغرس.
جيش عربي مشترك
ومن هنا بدأت الدول العربية بالعمل من أجل خلق قوة عربية مشتركة لتوفير الحماية للدول العربية وحماية الأمن القومي المشترك وعلقت صحيفة «نيويورك تايمز» في مقال كتبه حسين إبيش، الباحث في معهد دول الخليج العربية بواشنطن على القوى العربية المشتركة بالقول إنه عندما أعلنت الدول العربية في قمة شرم الشيخ عن تشكيل قوة دفاع مشترك استغرب الكثيرون خاصة أن تجارب الدفاع العربية المشتركة كانت فاشلة وظن الكثيرون أن ما جرى في القمة ما هو إلا كلام خطابي فارغ. لكن الدول العربية مصرة على ما يبدو على المضي في تشكيل القوة حيث التقى قادة الجيوش العربية في القاهرة في 22 نيسان / إبريل وتباحثوا في شكل وميزانية القوة الجديدة. وسيصادق على مقترحاتهم قادة الدول العربية في غضون 3 أشهر. وفي حال أنشئت القوة ونشرت على قاعدة محدودة فإنها ستحدد طبيعة العلاقات بين الدول العربية. ويرى أن الدافع وراء هذه القوة هو حنين الدول العربية للوحدة مثل المملكة العربية في سوريا التي لم تعش طويلا بعد الحرب العالمية الأولى. وتقول إن فكرة قوة عربية موحدة تمولها دول الخليج وقواتها تأتي من مصر والأردن والمغرب.
وترى أن هناك ميلا للإعتماد على القوة الجوية من دول الخليج وسلاح المدرعات المصري والقوات الخاصة. ويرى الكاتب أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتوسع إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن أديا لحالة نادرة من الإجماع بين الدول العربية. وتتفق الدول العربية على أنها تواجه أزمة لا يمكن احتمالها ولم يعد فيها مجال للإعتماد على التدخل الأمريكي. وقد توصلت الدول العربية لنتيجة مهمة وهي انه إن لم تتحد فستقع تحت رحمة الجهاديين أو إيران.
وقـد دعـت للقوة العربية الـسعودية التي تـقود تدخلا في اليمن فيما تـقود مصـر تدخلا في لـيبيا. وعبرت كل من الرياض والقاهرة عن عدم رضاهما عن واشنطن وأهمية التحرك بعيدا عن الإعتماد على الولايات المتحدة. وقد اعتبر وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر الخطة بأنها جيدة فيما قال سامح شكري، وزير الخارجية المصري إنها قوة للمهام السريعة. وعلى ما يبدو فهي موجهة ضد الجماعات غير الدول مثل تنظيم الدولة والحـوثيين. ومع كل هذا هناك معوقات للتنسيق والدمج بين قوى متعددة ومستويات الدعم اللوجيستي والعقيدة القتالية المختلفة والإتصالات.
وتحاول مصر ودول الخليج التغلب على هذه المصاعب من خلال المناورات العسكرية المشتركة. كما أن خلافات الدول العربية حول القضـايا الجوهرية قد تحد من فاعلية القوة. فالسعودية ومصر تختلفان حول سوريا. ولدى عمان وقطر مواقف من إيران والإخوان المسلمين لا تشترك فيها بقية الدول الخليجية. كما تختلف الدول العربية حول طبيعة الإرهاب خاصة في ما يتعلق بالإخوان المسلمين.
كما يجب على الدول العربية تجاوز حالة عدم الثقة التي عاشتها الدول العربية لسنوات طويلة. كما أن تحفظ العراق على القوة يعني أنها لم تحظ بإجماع كافة الدول العربية. وهناك نقطة أخرى لها علاقة بالبعد الطائفي فكون الدول المشاركة فيها سنية يعني أنها قد تعمق الخلاف الطائفي. وأيا كانت نتيجة المشاورات حول القوة المشتركة فحقيقة بحث الدول العربية الفكرة يعني أنها تواجه وضعا استراتيجيا حرجا بعد سنوات من الإعتماد المفرط على الولايات المتحدة.
qal
إبراهيم درويش