لماذا لا يبدع المتدينون؟

حجم الخط
0

محمود أبو فروة الرجبيلنتحدث بصراحة، حينما ننظر إلى قوائم المبدعين، والناجحين في المجتمع، خاصة في مجال الفنون، والآداب، فإنه قلماً تجد متديناً مبدعاً في هذه المجالات، وقد يقول قائل هل تستطيع ان تكشف عن قلوب الناس، ومعرفة ما فيها لتفرق بين متدين وآخر؟ الإجابة طبعاً لا، وهذا لا يعنينا، ولكن حينما تختلط في هذه الأوساط تعرف أن ما أقوله صحيح. الذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو ما لاحظته سابقاً من بعد عن الدين عند عدد هائل من الأدباء والفنانين، وحينما كنت أزور بعض الجهات التي لها علاقة بإنتاج الأفلام القصيرة على سبيل المثال كنت ألاحظ الشيء نفسه هذا داخل الأردن، وحينما اطلعت على بعض انتاجات هذه الأفلام في إحدى الجامعات المصرية، فوجئت من العداء الشديد للمتدينين عند من تمكنت من الإطلاع على إنتاجهم هناك. هذا إضافة إلى أنك حينما تطلع على سير بعض المشاهير، والفنانين، والأدباء، تجد أنهم في مراحل معينة من حياتهم إما كانوا من رواد المساجد، أو انتموا إلى إحدى الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمون. إذا ماذا يحصل؟ هل يبدأ المبدع والفنان حياته متديناً ثم ينقلب، أم ان هناك شيئاً ما يحصل في مسيرته يجعله يحول من المسار؟ الحقيقة وحسب ما قمت به من مسح سريع لعدد من المبدعين، وكذلك من خلال استذكار قصص بعضهم، فإنني توصلت إلى ما يأتي: أولاً: هناك خطاب إسلامي يعادي غالباً- الفنون والآداب، وهذا يؤدي بالمبدعين في هذه المجالات إلى الدخول في صراع مع الناس من أجل ما ينتجونه، وغالباً ما يتعرضون للنقد الشديد من قبلهم، والاتهام بأنهم يقومون بارتكاب المحرمات، والمبدعون أمام ذلك إما يتركون الإبداع، ويتوقفون عنه تماماً، أو يقرروا إراحة رؤوسهم والابتعاد عن أوساط المتدينين، أو يضطروا إلى العيش ضمن سياسة الوجه المزدوج، فهم يبدعون سراً، ويقدمون للآخرين ما يرضيهم علناً. والغريب أن قمع السلطات، والأجهزة الأمنية، يهون ألف مرة عن القمع الاجتماعي، والتجارب تثبت أن الناس في العالم الإسلامي يحرمون ما أحل الله في بعض الأحيان، ولا يتعاملون مع المنتجات الإبداعية بعقلية متفتحة، بل بعقلية الاستمتاع بالتحريم، ثم يخرج من يقول لك: لماذا يسيطر العلمانيون على عالم الإبداع؟ مع ان الإجابة بديهية، فأنتم تقومون بقتل الإبداع بأيديكم، ثم تريدون مبدعين، وهذا مخالف للعقل والمنطق. ثانياً: تلاحظ من خلال تتبع الخطاب الإسلامي أن هناك تشجيعاً دائماً على الانغماس في العلم الشرعي، وهذا ليس فيه شيء، ولكن المشكلة أن من يتصدى للمجالات الأخرى، ويسعى للإبداع فيها، فإنه يتعرض للانتقاد، وقد نسمع جملة: بدلاً من قراءة قصة لماذا لا تقرأ سورة قرآن أو في الأحاديث النبوية، وحتى ان هذا يتم مع الأطفال من الصغر، مع أن الشرع لا يطلب منك ان تقرأ القرآن الكريم ليل نهار، ولا أن تقوم بأداء العبادات بشكل متواصل، ولكن هناك تطرف من بعض الناس يجعلهم يفعلون هذا ليل نهار، وقد لاحظت من خلال عملي في رعاية الموهوبين ان هناك طفلة تحمل مسبحة إلكترونية تعد المرات التي تسبح فيها، فذهلت حينما علمت ان معلمتها تقول لها أنه يجب الا تضيع ثانية واحدة دون تسبيح، ولا أدري من أين جاءت بالدليل الشرعي على ذلك، وهل ستجد تلك الفتاة وقتاً لتقرأ، وتطور هواياتها، ما دامت قد زرعت فيها تلك المعلمة المسكينة نعم مسكينة لأن ما تقوم به نابع من جهل- أنه يجب الا نفعل الا هذا. ورغم ان هناك حساسية منا نحن المسلمين اتجاه حصر الإسلام بالشعائر، وننفي ليل نهار ان الإسلام دين شعائري فقط، ولكن ما يحصل على أرض الواقع عكس ذلك، فهناك تطرف شديد من البعض في حصر الإسلام في هذه الأمور، وهذا يؤثر على الإنتاجية بشكل عام، ومن ضمنها الإنتاج الابداعي، وقد صدمت في إحدى المرات من أحد الأصدقاء الفنانين التشكيليين حينما توقف عن ممارسة الفنون، بناء على طلب من إمام المسجد الذي جعله يعيش في صراع نفسي، حينما راح يتذكر المكافآت المالية التي حصل عليها في حياته، والتي تصب في باب الحرام. هنا لا بد من التأكيد على أنه من المهم زرع هاجس الإنجاز، والإنتاج في عقول الأطفال، والكبار، فنحن نعيش في تخلف كبير، والغرب يتفوق علينا، والوقت يعني بالنسبة لنا زيادة الفجوة بيننا، وبينهم. وزاد الطين بلة ما قام به بعض الفنانين من وصف أنفسهم تائبين من الفن، مع انه كان أفضل القول التوبة عن الممارسات الخاطئة في الفن، لأن الفن ليس عيباً، أو عملاً محرما كي يتوب عنه الإنسان، وهذا كله رسخ في أذهان الناس حاجزاً بينهم وبينه. وفي هذا المقام لن أعيد ما اردده دائماً من رعب، وخوف بعض علماء الدين من تصحيح مفهوم الحلال والحرام عند الناس، ومجاراتهم في تحريم ما أحل الله، خوفاً على شعبيتهم، ومحبتهم في قلوب بعض الناس الذين يستمتعون بالتحريم، ويهربون من الذنوب إلى تحريم كل شيء، من خلال ما نطلق عليه ‘نظرية التطهير’ وسنقوم بإفراد مقال خاص لها. وبعد،،، من المهم للخطاب الإسلامي ان يتخلى بشكل تام عن مهاجمة الفنون، والآداب، وان ينتقل من هذه المهاجمة إلى انتقاد ما هو سيىء من المنتجات الأدبية والفنية. *كاتب واعلامي اردني له عدد من البرامج الاذاعية والتلفزيونية ‘

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية