من بديع ما لحن محمد عبد الوهاب للوطن «نشيد مصر» الذي يعود تاريخه إلى الثمانينيات، هذا العمل الرائع الفريد أبدعه موسيقار الأجيال في قالب الأوراتوريو، حيث الأوركسترا السيمفوني والكورال والإلقاء الشعري والغناء الفردي، ولما كان الأوراتوريو في أصله يتناول الجانب الديني أو المقدس، فقد منح عبد الوهاب عمله لمسة روحية، بالدعاء لله عز وجل، بالإضافة إلى التعبير عن قدسية الوطن وتاريخه ومكانته. من قالب فني يرتبط ارتباطاً أصيلاً بالموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، صنع محمد عبد الوهاب لحناً وطنياً يضرب عميقاً في وجدان كل مصري ويحقق له في الوقت نفسه متعة فنية كبيرة، ويمكن القول إن هذا العمل يعبر بقوة عن مكانة مصر في ضمير محمد عبد الوهاب الفني ومخيلته الموسيقية.
وفي قائمة محمد عبد الوهاب وإرثه الفني العظيم نجد مجموعة من الألحان والأغنيات الوطنية، موزعة على عهود سياسية مختلفة، لكن قد يشعر البعض أن مؤلفاته للوطن في السبعينيات والثمانينيات كانت الأكثر تعبيراً عن الهوية المصرية، والأكثر اقتراباً من روح الشعب المصري، فعندما يسمعها المرء يشعر بأنه في مصر حقاً لا في بلد آخر، وقد يبدو للبعض أيضاً أن عبد الوهاب في فترتي السبعينيات والثمانينيات كان أكثر تحرراً وعفوية ولا يظهر كمن يقوم بأداء مهمة رسمية تم تكليفه بها.
على غرار فن الأوراتوريو يضم نشيد مصر الأوركسترا والكورال والإلقاء الشعري والغناء الفردي، بمشاركة أوركسترا القاهرة السيمفوني، والكورال الذي يغني مقاطعه الخاصة، ووردة الجزائرية التي كان الغناء الفردي من نصيبها، حيث قامت وحدها بأداء المقاطع المكتوبة باللهجة العامية المصرية، بقلم الشاعر الغنائي الكبير حسين السيد الذي ألف لمحمد عبد الوهاب مجموعة من الأغنيات الجميلة على مدى مسيرته الفنية، ومحمود ياسين الذي قام بإلقاء المقاطع الشعرية، وهي مجموعة من الأبيات المختارة من قصيدتين مختلفتين لأمير الشعراء أحمد شوقي، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأبيات المختارة من إحدى قصائد شاعر النيل حافظ إبراهيم، وعلى الأرجح أن محمد عبد الوهاب هو من قام باختيار هذه الأبيات الشعرية ربما بالتنسيق مع الشاعر الغنائي حسين السيد.
تستغرق الأغنية 11 دقيقة تقريباً وتبدأ بصوت الكورال الذي يغني مقطعاً سيتردد الجزء الثاني منه في وسط الأغنية، ثم يغنى كاملاً في ختام الأغنية كما في بدايتها، ويقول هذا المقطع الكامل: «مصر الأمل.. شعب بطل.. على حب مصر تلاقت خطاه.. مصر العظيمة أرض كريمة.. حضارة شعب أنار الحياة.. عشقناك مصر عطاء سخيا.. وفي الحادثات سلاحاً عتيا.. يا ربنا يا الله بارك لنا يا الله.. بارك خطانا ثبت قوانا.. فمن أجل مصر يهون الفداء.. نحمي حماها ونفنى فداها ويبقى لمصر خلود البقاء». وقد وظف محمد عبد الوهاب الأوركسترا السيمفوني طوال العمل بدرجات متفاوتة، حتى في المقاطع التي تغنيها وردة الجزائرية حيث نستمع إلى ضربات التيمباني الرائعة، لكيلا تنفصل الموسيقى المصرية الحديثة عن الموسيقى السيمفونية، ولكيلا يكون الانتقال حاداً بين هذا اللون وذاك، كما قام عبد الوهاب أيضاً وبمهارة شديدة بتوظيف النحاسيات في خلق افتتاحية مهيبة للعمل.
تعد وردة الجزائرية من أجمل الأصوات العربية، التي غنت الألحان الوطنية المصرية، كأغنية «حلوة بلادي السمرة بلادي» التي لحنها بليغ حمدي فور نصر أكتوبر/تشرين الأول العظيم عام 1973، وقد أدتها وردة بإحساس رائع لا يزال يحتفظ بحرارة تلك اللحظات التاريخية المجيدة. في نشيد مصر نستمع إلى وردة بأداء آخر مع موسيقى محمد عبد الوهاب التي تختلف عن موسيقى بليغ حمدي، وتختص وردة بمقاطع الغناء المنفرد من الأوراتوريو، وقد جعلها محمد عبد الوهاب تمثل الجزء الأكثر حيوية من اللحن، حيث الغناء باللهجة العامية المصرية مع الموسيقى المفرحة إلى حد ما، التي تشكل فاصلاً أو استراحة بين المقاطع الأوركسترالية ومقاطع الإلقاء الشعري والمقاطع التي يغنيها الكورال، وعلى الرغم من رقة وعذوبة المقاطع التي تغنيها وردة الجزائرية، إلا أنها تتجه قليلاً في نهايتها إلى أداء أقوى بعض الشيء ربما يقترب من أسلوب أداء الأناشيد الوطنية تمهيداً لدخول الكورال.
تغني وردة الجزائرية ثلاثة مقاطع مختلفة، وتردد في نهاية كل منها مقطعاً ثابتاً يقول: «يا أمنا.. حبك هنا.. عايش هنا في قلبنا.. إيمان بنعمة ربنا.. إيمان بوحدة عزمنا.. مصر بكل ولادها مصر.. مصر بحب ولادها مصر.. وبحبهم هتعيش لنا» بينما تتغنى في المقطع الأول بمصر الغالية وعلو رايتها، والفخر بحضارتها القديمة قدم الحضارة ذاتها، وعن معجزات الفراعنة وأدق لمساتهم الفنية، وما تركوه من كنوز وآثار لا تزال قائمة تدعو العالم لمشاهدتها. وتغني في المقطع الثاني عن مكانة مصر في وجدان الشعب المصري، أو أي زائر لها مقيم على أرضها، أما المقطع الثالث فيتناول علاقة مصر ببقية الدول العربية، مع الفخر أيضاً بذكر مصر في القرآن الكريم، وربما الإشارة إلى ما حدث بعد معاهدة السلام من قطيعة قامت بها بعض الدول العربية مع مصر، يقول المقطع الثالث: «يا مصر الحبيبة يا عيون العروبة.. يا اللي المولى كرم اسمك في آيات القرآن.. دايماً فاتحة بابك يا مصر لأحبابك.. عزم شبابك خلى رحابك بر سلام وأمان.. ومهما جرح الأحبة يقسى.. الأم دايماً تحب تنسى».
لم يكن غريباً أن يختار محمد عبد الوهاب محمود ياسين لأداء مقاطع الإلقاء الشعري، فهو من أكثر الممثلين إجادة للغة العربية وصاحب أسلوب جميل ومميز للغاية، وقد أضاف وجوده لمسة ساحرة في هذا العمل بأدائه للإلقاء الشعري الذي يعد من أهم النقاط التي تميز فن الأوراتوريو، يلقي محمود ياسين ثلاثة فواصل شعرية بلفظ سليم وتنغيم رائع وإحساس عميق بالمعاني الوطنية الكامنة في الأبيات، بالإضافة إلى ما يفعله صوت محمود ياسين من تحريك لخيال سامعه، تخفت الموسيقى وتتراجع إلى الخلفية لترافق محمود ياسين في إلقائه الشعري، بينما يتصدر صوته ويكون في المقدمة، وعلى الرغم من أنه لا يغني ولا يقوم بإلقاء ملحن، إلا أن صوته ينسجم مع تلك الموسيقى البعيدة التي تصاحبه، كما أن لصوت محمود ياسين موسيقاه الخاصة دائماً، سواء أثناء التمثيل والكلام العادي، أو عند إلقاء الشعر، وقد استطاع محمود ياسين أن يغني بطريقته الخاصة التي هي أقرب إلى الإلقاء، حيث قدم عدة أغنيات للأطفال في مسلسل «غداً تتفتح الزهور» هي «حلوة يا زوبة» «هيلا هيلا في القناطر» «أهلاً حلوان».
يقول محمود ياسين في المقطع الأول وهو من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي: «جلال الملك أيام وتمضي ولا يمضي جلال الخالدين.. تعالى الله كان السحر فيهم أليسوا للحجارة منطقين.. وآثار الرجل إذا تناهت إلى التاريخ خير الحاكمين». ويقول في المقطع الثاني وهو من أشعار حافظ إبراهيم: «كم ذا يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر كثيرة العشاق.. وتهزني ذكرى المروءة والندى بين الشمائل هزة المشتاق.. إني لأحمل في هواك صبابة يا مصر قد خرجت عن الأطواق». ويقول في المقطع الثالث وهو من أشعار أحمد شوقي: «إنما مصر إليكم وبكم وحقوق البر أولى بالقضاء.. عصركم حر ومستقبلكم في يمين الله خير الأمناء.. فاطلبوا المجد على الأرض فهي إن ضاقت فاطلبوه في السماء».
كاتبة مصرية