القاهرة ـ «القدس العربي»: يقع (مسرح الطليعة) في منطقة العتبة الشهيرة في القاهرة، ويحيطه من كل جانب سوق كبير صاخب على الدوام لبيع الملابس، والعديد من البضائع الرخيصة، إضافة إلى سوق الكتب الشهير المُسمى بـ(سور الأزبكية). وتبدو البوابة الحديدية للمسرح كحد فاصل بين عالمين، وقد تلحظ وأنت تسير بالكاد وسط الزحام وأصوات الباعة وصمم ميكروفوناتهم أفيشاً يطل من بوابة المسرح، لتجد عملاً لـ(بيكيت) أو (شكسبير)، وتطل برأسك قليلاً لتتجاوز عينك البوابة لتجد في العمق كافيتريا يجلس فيها بعض المثقفين والمضروبين بحب المسرح، وتلحظ تميزهم المقصود من خلال ملابسهم الغريبة بعض الشيء، وكأن كلاً منهم يُعلن رسمياً أنه ينتمي إلى فئة الفنان المثقف، المتأفف ممن حوله ـ خاصة خارج أسوار المسرح ـ وحيث الباعة وزبائنهم في الخارج يرونه وأمثاله مجموعة من المختلين، يحيطهم هذا السور وبوابته المواربة أغلب الوقت. عن هذين العالمين يدور العرض المسرحي «أوبرا العتبة» ـ مسرح الطليعة قاعة زكي طليمات ـ ولك أن تتخيل أن تُقام (أوبرا) في (سوق العتبة).
العرض أداء.. محمد عبد الفتاح، إياد رامي، رنا عاصم، أحمد سعد، أمينة صلاح الدين، دعاء حمزة، بكر محمد، وهاجر عوض. غناء أوبرالي روجينا صبحي ومحمود إيهاب. كتابة وإخراج هاني عفيفي.
البوليفونية
يبدأ المشهد الأول من المسرحية عند الباب الخارجي للمسرح، حيث يقف مغني ومغنية في ملابسهما الرسمية يؤديان مشهداً أوبرالياً، بينما محال وأكشاك بيع الملابس خلفهما، فيتلصص الجميع على ما يحدث، ما بين الضحك وتأمل المغني في بدلته الكلاسيكية، والمغنية في فستانها الغريب عن هذا العالم، وبدخول الجمهور قاعة العرض، يدخل الممثلون وهم يؤدون دور البائعين في الخارج، ومعهم بالفعل بعض البضائع الرخيصة يعرضونها في إلحاح على جمهور المتفرجين، ليتداخل كل من العالمين، لتحقيق حالة البوليفونية ـ تعدد الأصوات في اللحن الواحد ـ المقصودة.
المكان
يتأسس المكان المسرحي من منطقتين، الثابت منها أقصى اليمين، ويمثل منزل (المثقف) المنعزل، الذي يصله الصخب رغماً عنه، ويفصله عن عالمه حيث الرسم والموسيقى وقراءة الكتب المعقدة في الفلسفة والتاريخ. بينما أقصى اليسار تقبع (امرأة)، لا تمتلك سوى تليفونها المحمول هو وسيلة تواصلها مع العالم، بداية من زوجها المغترب في العربية السعودية، وابنتها المتأخرة عن العودة إلى المنزل، إلا أن شغلها الشاغل هو توفير السلع، بداية من الطعام، حتى الأدوية التي لا تحتاج إليها ــ أدوية السُكر والضغط ــ فربما تمرض في يوم من الأيام، والأسعار في ازدياد مستمر، حتى إنها تجّمع هذه الأشياء في صناديق كبيرة تحجب وجودها عن عين الجمهور، وكأنها تبتني قبراً من هذه السلع.
أما وسط المسرح، سواء أسفله أو أعلاه، وكذا بين الجمهور تصبح المساحة التي يتحرك الممثلون فيها، حيث تتباين أدوارهم لتمثل كل ما يدور في المجتمع المصري في اللحظة الراهنة، بداية من الباعة الجائلين، مروراً بمحترفي السوشيال ميديا ـ خاصة التيك توك ـ ومطربي المهرجانات، والمدرسين النجوم، الذين يرقصون في صخب وسط الطلاب ـ موضة هذه الأيام ـ وهم نفسهم مَن يقومون بأدوار فناني الأفراح الشعبية، فالفارق في النهاية ليس كبيراً.
مولد وصاحبه غايب
تتقاطع الحكايات بين ما يقوم به المثقف من قراءة بعض الفقرات من تاريخ مصر القديمة وحضارتها، التي كانت، أو قراءة نَص مسرحي كلاسيكي، وكذا بعض الأشعار، وصولاً إلى التعليق على ما يحدث من خلال قراءة فقرة عن تداعيات ما بعد الحداثة على المجتمعات. بينما تقوم المرأة بالمزيد من الطلبات عبر تليفونها الذي لا يغادرها، وقد أصبحا معاً كالجسد الواحد. وبينهما تتواتر مواقف وحكايات الأغلبية ـ الناس العادية ـ ما بين صعوبات الحياة وتفاهاتها.. كالبائع الجائل الذي يقترض ويبيع ما يملك حتى يسافر عبر البحر في رحلة معلومة نهايتها منذ البداية، وفتاة تقوم باختبار الطعام أمام كاميرا التليفون ـ عرض تيك توك ـ تأكل كشري وكأنها تقوم بحدث جلل، أو حفل صاخب في مطعم شهير، كشكل من أشكال الدعاية وهو يقدم الطعام لفنان تافه ـ وهو ما يحدث كثيراً الآن ـ وكذا حث فتاة من البائعات لصديقتها بتقديم عرضاً على التيك توك «شوية دلع مش هيكلفوا حد حاجة.. والفلوس كتير».
وكفاصل بين هذه اللقطات/اللوحات تتم الاستعانة بمقاطع حقيقية على شاشة جانبية لعالم التيك توك، رواده ومشاهيره، والنقود الكثيرة التي يستعرضونها، بينما السيد المثقف متأزم مما يحيطه أو يصله من أصوات صاخبة.. فبينما يقرأ عن الحضارة المصرية، يمر من أمامه رجل ملتح وزوجاته الثلاث المنقبات، وعندما يقرأ عما بعد الحداثة، يقاطعه عامل نظافة أسفل منزله بمناداته أكثر من مرّة، ربما يلتفت إليه ويعطيه بعض النقود، أما حينما يعزف أو يستمع إلى (أم كلثوم) وأغنيتها (أراك عصي الدمع) فهي الفرصة المناسبة لتعلو أغنية مهرجانات، أو مطرب شعبي وسط الراقصات.
فكل من الرجل والمرأة هنا في عزلة وإن اختلفت، الأول من خلال عالم يبتعد عن الواقع، غارق في الآداب الرفيعة، لا يمكنه التواصل أو إنتاج شيء ـ كحال المثقف وأشباهه عموماً ـ فقط غارق في أنه على صواب، ساخراً من تفاهة العالم، دون أن يدري أنه مصدر السخرية الأكبر. أما المرأة ـ ممثلة للفئة التي تنتمي إليها ـ فغارقة في عزلة شراء السلع وتكديسها، وهي تظن أنها بذلك تعيش الحياة على وجهها الأكمل.
كائنات مشوّهَة
ومن التناقض الشديد تنتج السخرية الأشد، والكوميديا التي تجعلنا نتعاطف مع الأغلبية، وأن نسخر أكثر من المثقف وربّة المنزل المنشغلة بحسابها البنكي، والحيرة ما بين شراء الذهب، وشهادات الاستثمار التي تضحك بها البنوك على الناس، في ظل عُملة تنهار بمرور الوقت، وبالتالي فإنها قيم لا معيار لها، قيم انهارت أيضاً بمرور الوقت، وفي غفلة من الزمن، حوّلت المصريين إلى كائنات مشوّهَة تحت وطأة الفقر أو الرعب منه. وفي الأخير يصبح العرض المسرحي «أوبرا العتبة» صورة ذات تفاصيل دقيقة وصادقة لما نعيشه الآن، حتى تظن أنه عرض مستمر لن ينتهي، أو ربما ينتهي في لحظة فارقة لم تزل في علم الغيب.. ربما.