ذئاب ثقافية: كيف صار التطرّف القومي مشكلتنا؟

احتفل لاعب المنتخب التركي ميريح ديميرال، عقب تسجيله هدفاً على المنتخب النمساوي في بطولة كأس أوروبا، التي تُنظّم حالياً في ألمانيا، بطريقة خاصة: أدّى بيديه رمز «الذئاب الرمادية»، ولم يكن الوحيد. إذ أدّت الرمز أيضاً فئة من الجمهور التركي، داخل الملعب وخارجه، وبشكل جماعي، الأمر الذي فجّر سجالاً كبيراً في الإعلام الألماني والتركي. كان يمكن للموضوع أن يمرّ، بوصفه واحداً من التوترات العديدة بين ألمانيا وتركيا؛ ويُربط بكثير من المقولات المكررة، مثل العلاقة بين أوروبا و»الشرق»، أو أوروبا و»الإسلام»، أو مشاكل الهجرة والاندماج والتنوّع، أو عجز ألمانيا عن استيعاب الجيل الثاني والثالث من المهاجرين «المسلمين»، إلخ. إلا أن المشكلة تبدو مختلفة هذه المرة: لم يثر الرمز حفيظة الألمان أو النمساويين أو الأوروبيين فقط، بل أيضاً كثيراً من السوريين، عرباً وكُرداً، وهؤلاء مفترض أنهم، مثل الأتراك، «مهاجرون مسلمون»؛ وكذلك كثيراً من الأرمن واليونانيين والقبارصة، وغيرهم من شعوب المنطقة. لم يعد من الممكن تبرير المسألة بأن اللاعب لم يفعل أكثر من رفع «رمز ثقافي» تركي، وعلى الأوروبيين أن يُظهروا تقبّلهم وانفتاحهم، ويتخلّوا عن الاستعلاء العنصري تجاه الثقافات الأخرى، كما حاول بعض المدونين من أصول تركية القول، على وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه المرة الموضوع سياسي جداً، وواضح جداً: لقد تم على الأراضي الألمانية رفع رمز تنظيم فاشي، كان مسؤولاً عن قتل وتعذيب مئات الأفراد من عرقيات مختلفة، وحالياً شريك في الائتلاف الحاكم في بلده؛ والرمز نفسه رفعه عدد من المتطرفين، لدى هجومهم على اللاجئين السوريين في تركيا. شمّاعة «التعددية الثقافية» و»مواجهة العنصرية البيضاء» لم تعد تنفع هنا.
قد يشير كل هذا إلى بوادر تغيّر مهم في منظور سياسي وفكري، درج في أوروبا لسنوات طويلة، وانتقل بطبيعة الحال إلى العالم العربي، يمكن تصنيفه ضمن ما يعرف بـ»الثقفنة»، إن صحت الترجمة، Culturalization، وفي حالتنا يعني تحويل الصراعات السياسية، بما فيها من تنظيمات وأيديولوجيات وقوميات، وسياسات دول، وأجندات رعاة وممولين، إلى خصائص ورموز ثقافية لهويات. وخطورة هذا المنظور لا تقتصر على أنه مؤسِّس لما يُعرف بـ»العنصرية الثقافية» (وهي ما يجعل مفهوماً جامداً عن الثقافة بديلاً عن العرق، في بناء التحيّز والتمييز)، بل أيضاً قد يمنع نقد أي ممارسة سياسية، تقوم بها قوى من مجموعة هوية ما، لأن النقد سيعني رفض خصائص المجموعة، وبالتالي «كراهيتها».
ربما لو قام اللاعب ديميرال بحركته قبل سنوات قليلة لأمكن «ثقفنتها»، ولكن في أيامنا، وبعد الحرب الأوكرانية، وحرب غزة، وصعود اليمين الأكثر تشدداً في دول عديدة، من الهند وحتى أمريكا، بات التطرّف القومي خطراً شديداً، لا يمكن التغاضي عنه بذرائع ثقافية، ولكن هل المشكلة فعلاً بـ»اكتشاف» بعض العرب والأوروبيين، بشكل متأخّر، لعنصرية قومية تركية خطيرة؟ أم أن القومية العدوانية مقيمة معنا منذ زمن طويل، ودون أن ندري؟

عرق – ثقافة

يمكن الحديث عن ظاهرة موازية لـ»الثقفنة» وهي «العرقنة»، أي التحويل إلى عرق، بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن أبرز أمثلتها المعاصرة «عرقنة المسلمين» في الدول الغربية، أي النظر إلى كل المهاجرين من الدول الإسلامية، على اختلافهم في الإثنية والجنسية والمعتقد واللغة والموقع الاجتماعي، ورغم أن بعضهم قد لا يكون متديّناً أو مؤمناً أصلاً، باعتبارهم مسلمين، أي جماعة هوية واحدة، تُعرّف باختلافها عن «متن اجتماعي» غربي ما (غالباً «الرجال البيض»)، ما يجعلهم أقرب لأقلية عرقية. واللافت أن القائمين على هذه «العرقنة» ليسوا فقط من اليمين، فهي أيضاً سياسة يسارية، دخلت إلى القلب من سياسات الهوية المعاصرة، بل تأقلم معها الإسلام السياسي، الذي صارت بعض تنظيماته في الدول الغربية تتكلّم باسم «المسلمين».
ليس هذا بالأمر الغريب، فرغم أن الإسلام دين عالمي منذ نشأته، وعابر للأعراق والثقافات والخصوصيات، إلا أن مشروع الإسلام السياسي قام بالأساس على مزيج من «العرقنة» و»الثقفنة»: اعتُبر المسلمون، شعباً أو أمة ذات سيادة، يجب أن تحمل الدولة نفسها دينهم، بكل أجهزتها ومؤسساتها. وبما أن الدولة الحديثة يجب أن تكون بالضرورة ذات قانون مدوّن، ومشرفة على التعليم والإعلام والممارسة الدينية، فقد باتت صيغة «الإسلام» التي ارتضتها، في تشريعها وإجراءاتها، ديناً قومياً لشعب متجانس، ومؤسِّساً لثقافته الجماهيرية، وآدابه العامة، وقيم أُسرِه. فيما لا يريد الإسلام السياسي الحركي إلا مزيداً من «عرقنة» ذلك الشعب بالإسلام؛ و»ثقفنته»، بتحويل كل مظاهر «دين الدولة» إلى خصائص ثقافية، يدّعي أنها لم تنقطع طيلة قرون التاريخ الإسلامي. يترافق هذا غالباً مع طموح قومي شبه إمبراطوري، أدنى طموحاته تحرير الأرض من أعداء الأمة، وأعلاها توحيد كل الأمة الإسلامية، بل ربما «أستاذية العالم». بالطبع يمكن أن تمتزج هذه النزعة القومية – الإمبراطورية الإسلامية بإعطاء الامتياز لعرق مخصص بين المسلمين، عربي أو تركي أو فارسي، ليكون قائد الأمة. ومن «الإخوان المسلمين» وحتى «الذئاب الرمادية»، نرى مزيجاً متفاوتاً من عناصر الثقافة والعرق، الدين والقومية، إلا أن النتيجة دائماً أمة أحادية، دينها «الإسلام»، تؤمن بتفوقها، وتسعى لتطهير بلدانها أولاً، من كل مَنْ يمكن أن يخون مشروع الأمة، قبل التفرّغ لتدمير العدو الخارجي.
ما أضافته «الثقفنة» الغربية، المرتبطة بسياسات الهوية المعاصرة، أنها أقرّت كل مظاهر ذلك المشروع السياسي الحديث، الذي لم ينقطع الصراع حوله يوماً في بلدانه الأصلية، لتعتبره بالفعل خصائص ثقافية لـ»المسلمين»، ونقده «إسلاموفوبيا». وهذا جعل نمطاً من التطرف القومي واضح المعالم، أي الإسلام السياسي بصيغه المتعددة، أمراً مقبولاً في دول غربية، تقوم ثقافتها السياسية على النفور من القومية المتشددة، واعتبارها خطراً يهدد النظام السياسي، بل المجتمع برمته. وهو تناقض غريب بالفعل، يجعل أشد أنصار التعددية في الغرب، يقبلون بين ظهرانيهم مؤيدي ميليشيات مسلّحة، وأنصاراً لأنظمة قمعية إسلامية، وذئاباً رمادية. كيف يحدث هذا فعلاً؟

احتيال أيديولوجي

لا يمكن فهم «الثقفنة» إلا بوصفها نوعاً من الاحتيال الأيديولوجي الصريح، إذ أن اعتبار سمات سياسية واجتماعية معاصرة جداً، ومتغيّرة جداً للمسلمين (أو أي نوع آخر من غير الغربيين أو السكان الأصليين) من صلب الهوية، ونقدها «كراهية»، مصمّم للتعمية على ممارسات تنظيمات ومؤسسات وميليشيات ودول حديثة، غالباً ما تكون ذات مشاريع استبدادية وعدوانية وقمعية.
من ناحية نظرية فإن الشريعة الإسلامية لم تعمل في ما مضى، ولم يكن بإمكانها أن تعمل، وفق منطق «دين الدولة» الحديثة، بقوانينها المدوّنة والمحددة، فهي قامت أساساً على تنوّع إمكانيات الاجتهاد الشرعي، المختلط مع العرف، وكذلك مع الإجراءات والقوانين الوضعية للولاة والسلاطين، فضلاً عن أنها تشتغل ضمن مفاهيم وأطر مختلفة بنيوياً عن القانون الحديث. الأمر نفسه بخصوص التعليم، والتعليم الديني، فقد شهد التاريخ الإسلامي تعددية كبيرة في طلب العلم، وكان يمكن للطلاب التنقّل بين حلقات الفقهاء واللغويين والمتصوفين، بحرية أكبر مما يفرضه التعليم الإلزامي الحديث، ذي المناهج المحددة، والمؤسسات المُسوّرة. أما قيم المجتمع والأسرة، فتنوّعت بشكل لا حصر له في التاريخ الإسلامي، بتنوّع المجتمعات والأسر والفئات الاجتماعية، والعودة لأي كتاب تراثي، أو حتى سرد فلكلوري شبه شفوي، قد يجعلنا نُصدم بقيم، كانت مقبولة في زمانها ومكانها، واعتُبرت إسلامية، إلا أنها في زمننا قد تكون «فضيحة»، يعاقب عليها قانون الدولة.
الاحتيال الأيديولوجي يكمن أساساً في اعتبار ممارسات معاصرة، وهي حصيلة مشاريع قومية ونهضوية؛ وتربية دول؛ وانقلابات عسكرية لجنرالات مؤمنين، إبان «الصحوة الإسلامية»؛ وفعل جماعات سياسية وقومية متشددة، الإسلام في حد ذاته، وهويته العابرة للتاريخ، ينطبق هذا على أي اسم هوية آخر، سواء كان العرب أو الأتراك أو الفلسطينيين أو الشيعة، إلخ. كل هذه، عملياً، هويات سياسية حديثة، لا يعني رفض ممارسات تنظيماتها وقواها السياسية، أو حتى محاولة تفكيك أحاديتها الهوياتية المصطنعة، كراهية المجموعة، أو العرق، أو المذهب، أو الأفراد.

بدائل الإسلامية

تعرّضت النزعة الإسلامية والقومية في العالم العربي لضربات شديدة، منذ «الربيع العربي» وحتى حرب غزة، مروراً بالحرب السورية، وبات واضحاً لكثير من سكان المنطقة مدى المآسي التي تسبّبت بها لشعوب كثيرة، ما يؤدي لبروز محاولات، في دول متعددة، لإيجاد هوية جديدة، غير عربية وغير إسلامية. ومن «الكمتية» في مصر، وحتى محاولات إحياء «السريانية» في سوريا، مروراً بكثير من الدعوات المشابهة في دول المغرب الكبير، يبدو أننا ما زلنا عند النقطة نفسها: البحث عن هوية أصلية، غير منقطعة في التاريخ، قد تخبو قليلاً، ولكنها يجب أن تبقى دائماً العامل المؤسِّس للذات، والمحدد للصديق والعدو، والإطار الذي يجب أن تُبنى عليه الدولة، وتُشتق القوانين. وأياً كان مدى جديّة تلك الدعوات، فنحن ننتقل من تطرّف لتطرف، برعاية جهات سياسية وسلطوية كثيرة، قد تدعم هذه الدعوة القومية أو تلك. ربما قد يكون جانب من استعادة الحياة في منطقتنا، والحفاظ على استمرارها، هو مواجهة ذلك النوع من «الذئاب» القومية، سواء اعتمد الثقافة أو العرق في تأسيس تطرّفه؛ وسواء كان حلفاؤه دولاً قمعية، أو قوى «يسارية» غربية. فإدراك أن كل بلد أو أمة أو هوية أو شعب هو في الواقع «شعوب» كثيرة، تعرّضت لقمع دول وحركات سياسية قومية عدوانية، وهندسة اجتماعية شديدة القسوة، قد يكون خطوة مهمة لتحقيق السلام، والتخلّص من الحروب العبثية.

٭ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية