متى ينتهي هذا الكابوس الطويل، ومتى ستتعب إسرائيل ومعها العالم من قتل وتدمير الفلسطينيين؟ فقدت الصور القاتمة الخارجة من غزة صدمتها، أصبح قتل طفل غزي وهو يلعب الكرة في ساحة مدرسة أمرا عاديا، وباتت متابعة التقارير الآتية من أرض اليباب والخراب أمرا مقبولا، متى سيتستفيق العالم ويوقف كل آلة القتل التي سمح بها في غزة، ويوقف النكبة الثانية؟
تسعة أشهر مضت ولم يتغير المشهد ولا الأسلوب، تشريد يومي لأهل غزة من مدنهم أو ما تبقى من أنقاضها، ونزع متواصل للإنسانية الفلسطينية، لم يعد العالم الغربي يرى في غزة وأهلها بشرا، بل وتبنى قلبا وقالبا آلة الأكاذيب الإسرائيلية، بات ما يحدث في غزة أمرا عاديا وجزءا من مشهد يومي يتكرر على الشاشة ولا يستدعي حتى أي اهتمام أو صرخة غضب. ترى أهل غزة يدورون حول أنفسهم يبحثون عن ملجأ ويحملون ما تبقى لديهم من عالم ويلتفتون مثل الحيارى ولسان حالهم «أين المفر؟». وما عليك إلا أن تقرأ التقارير الأخيرة لزيارات الصحافيين المرفقين مع الجيش الإسرائيلي الذين تجولوا في رفح وأنقاضها، بعد شهرين من الدمار والقتل، حتى تفهم تواطؤ الإعلام الغربي في قتل الفلسطينيين.
مضت تسعة أشهر ولم يغير العالم، من أسلوبه، فأمريكا المنشغلة بالانتخابات والجدل حول جو بايدن، عجزه وقدراته المعرفية وهل هو مناسب للحكم لا تحتل غزة فيها سوى مساحة خبر مثل بقية أخبار العالم. فيما خصص الإعلام الأمريكي جزءا مهما من تغطيته للحديث عن بايدن، هل استطاع التغلب على مناظرته سيئة السمعة في 27 حزيران/يونيو مع ترامب، وهل أقنع أركان حزبه بأنه المفضل؟ وفي وسط هذا الهرج والمرج يخرج جورج كلوني بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» ويطالب بايدن «العزيز عليه» بالتنحي عن السباق.
لكن غزة بعيدة، لا أحد يذكرها، فهي «الفيل في الغرفة» كما قال المعلق إيشان ثارور في مقال بصحيفة «واشنطن بوست»(10/7/2024) علق فيه على غياب غزة عن النقاش في قمة حلف الناتو بذكرى إنشائه الـ 75 والتي غابت فيها الحرب في غزة وحضرت أوكرانيا وبقوة، وتسابقت الدول الغربية بتدليل فولدومير زيلنسكي (بوتين حسب بايدن) وأشار إلى انتفاضة البيت الأبيض عندما قصفت روسيا مستشفى للأطفال ولكنه لم يحرك ساكنا عندما دخلت القوات الإسرائيلية مستشفيات غزة وعياداتها وقتلت ودمرت وأخرجت معظم النظام الصحي عن الخدمة، والحجة أن إسرائيل تلاحق حماس التي اختبأت فيها. فعندما تقصف مدرسة تقول إن حماس اتخذتها قاعدة عمليات، وعندما تحرق خيام الفلسطينيين في «المناطق الآمنة» تقول إنها استهدفت قيادات من حماس. وقال ثارور إن الحرب التي شنتها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر أثارت انتباه العالم وكشفت في الوقت نفسه عن الفجوة بين الغضب الأمريكي والأوروبي على الضربات الروسية للمستشفيات في أوكرانيا وقبولهم «النسبي» (على حد رأيه) بالضربات الإسرائيلية المتكررة للمنشآت الطبية والمدارس في الحرب ضد حركة حماس. وأضاف أن قصفا إسرائيليا على غزة أدى لأنقاض وركام أكثر مما خلفته سنوات الحرب في أوكرانيا. وتم تسوية المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية بالتراب. ولو بدأت عملية إعادة الإعمار، فإنها ستستغرق عقودا طويلة. وقد أجبر معظم الغزيين على ترك بيوتهم ومساكنهم وأدى لأزمة إنسانية مستشرية وتحذيرات من خبراء الأمم المتحدة من مجاعة. وقتلت الحرب قريبا من 40.000 شخص حسب السلطات المحلية وتقديرات الأمم المتحدة. وقدرت المجلة الطبية البريطانية «لانسيت» عدد الضحايا الحقيقيين نتيجة الحرب وعوامل أخرى مثل الجوع والمرض بحوالي 186.000 شخص، أي نسبة 8 في المئة من سكان غزة.
مشاهد مروعة
وأكد التقرير بعد التقرير على الدمار الذي أحدثته إسرائيل على النظام الصحي الفلسطيني، ففي تقرير نشرته صحيفة «إندبندنت»(11/7/2024) وأشارت فيه إلى الوضع المروع في مستشفيات غزة والنقص الحاد في الإمدادات الطبية. ونقلت عن أطباء أمريكيين تطوعوا في المستشفى الأوروبي ومستشفى كمال عدوان والأقصى قولهم إن الأطباء هناك اضطروا لإجراء عمليات بتر للأطفال بدون تخدير. وقالت زينة صالح، الجراحة المقيمة في نيوجيرسي التي استجابت لدعوة جمعيات طبية وسافرت إلى غزة للمساعدة في الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي كانت تتكشف، الحال قائلة: «كان المرضى في حالة بكاء دائم وينادون على أحبائهم، حيث يقوم العاملون الطبيون بإمساكهم وتركهم يبكون ويبكون حتى يفقدوا وعيهم من الصدمة». وأخبرت صحيفة «إندبندنت» عن معاناتها وهي تحاول تقطيب جراح عشرات الأطفال في اليوم وإجراء عمليات جراحية بدون تخدير مناسب. وقالت «كان الصراخ مثيرا للصدمة ولا يمكن سماعه أو التعامل معه وكنا نأمل بأن يفقدوا وعيهم عاجلا وليس آجلا». ووصف الدكتور مارك بيرلمتر، طبيب الأطفال في نورث كارولينا، وتطوع في نفس الوقت ولكن بالمستشفى الأوروبي بخان يونس، شمال رفح مشاهد مختلفة ولكنها مشابهة في رعبها. وهو جراح بخبرة 30 عاما وشارك في المساعدة بكوارث وطوارئ حول العالم. وقال إن غزة مقارنة مع تجاربه السابقة هي «الأسوأ» من ناحية الضحايا المدنيين والمصادر المتوفرة للأطباء. وأخبر الصحيفة «في غزة حملت لأول مرة دماغ طفل عمره ستة أعوام في يدي بعدما أصيب الطفل برصاصة قناص». وأشارت منظمات طبية إلى أن إسرائيل استهدفت النظام الصحي في غزة، وحسب المنظمة الطبية الفلسطينية «ماب» فقد قتلت إسرائيل أكثر من 500 عامل في المجال الصحي منذ بداية الحرب. وهو عدد يتجاوز عن أعداد الأطباء والعاملين في الصحة ممن قتلوا على مستوى العالم في عام 2021 و 2022.
أسلحة غريبة
وقال الأطباء العائدون من غزة إن نقص الإمدادات الطبية ترك أثره الكبير. وتقول صالح إن مستويات الإصابة بالالتهابات في مستشفى أبو يوسف النجار زادت بسبب عدم توفر المواد لتطهير الجراح. ولم يعد هناك كحول أو مطهر ولا بيتادين، كما أن المياه ملوثة ولا توجد مضادات حيوية. وقالت «هناك رائحة موت في الهواء، مزيج من الدم القديم الممزوج بالبراز، الممزوج بالنفايات المتعفنة والعفن ولا يمكنك التنفس، وهناك ناس على الأرض». وبنفس السياق نشرت صحيفة «الغارديان»(11/7/2024) تقريرا أعده كريس ماكغريل قال فيه إن إسرائيل استخدمت أسلحة قاتلة ضد الأطفال، وهو ما كشف عنه جراحون تطوعوا في المستشفى الأوروبي والأقصى. وقال الأطباء إن الكثير من الوفيات وبتر الأطراف والجراح التي غيرت حياة الأطفال والتي تعاملوما معها، جاءت من صواريخ وقنابل أطلقت على مناطق ذات كثافة سكانية عالية، وقد زودت بقطع حديدية قابلة على التحول إلى شظايا صغيرة جدا. وقال الأطباء المتطوعون في مستشفيات غزة إن غالبية العمليات التي أجروها على الأطفال جاءت بعد إصابتهم بقطع صغيرة من الشظايا التي لا تترك إلا أثر صغيرا على مدخل الجرح، لكنها تخلف أضرارا داخلية في الجسم. وقالت منظمة أمنستي إنترناشونال إن الأسلحة مصممة على ما يبدو لزيادة أعداد الضحايا. ونقلت الصحيفة عن فيروز سيدوة، جراح الصدمات من كاليفورنيا وتطوع في المستشفى الأوروبي، جنوب غزة في نيسان/إبريل، قوله: «حوالي نصف الجراح التي تعاملت معها في الأطفال الصغار، شاهدنا الكثير من الشظايا الصغيرة جدا لدرجة أنك لا تراها وأنت تفحص المريض، وهي شظايا صغيرة جدا جدا ولم أر مثلها من قبل، ولكنها تسببت بضرر ضخم في الداخل». ويقول الخبراء إن الشظايا والجراح متناسقة مع الأسلحة التي صممتها إسرائيل لزيادة أعداد الضحايا وأكثر مما تتسبب به الأسلحة التقليدية. وتساءل الخبراء عن سبب إطلاقها على التجمعات ذات الكثافة السكانية العالية. وقابلت صحيفة «الغارديان» ستة أطباء عملوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية في المستشفى الأوروبي والأقصى، وكلهم شاهد جراحا تسببت بها «جزئيات» من الأسلحة والتي قالوا إنها أسهمت بزيادة عدد بتر الأطراف ومنذ بداية الحرب. وقالوا إن الجراح شوهدت في الأطفال والكبار ولكن الضرر كان أكبر على الأطفال. ولا يقتصر الوضع على غزة بل وعلى الضفة التي يواجه النظام الصحي فيها الانهيار بسببب الإغلاقات وتقييد حرية حركة الفلسطينيين وخنق مالية السلطة الوطنية وعدم توفر الأعمال للفلسطينيين حتى يحصلوا على الأدوية التي تتناقص في وزارة الصحة الفلسطينية، إلى جانب الخوف من السفر إلى المدن ومتابعة الحالات المرضية وتأخير الإدارة المدنية التصاريح للراغبين بالعلاج في مستشفيات القدس الشرقية، كما ورد في تحقيق نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» (11/7/2024).
وقف إطلاق النار؟
وفي ظل هذا الانهيار الكامل، واصلت إدارة بايدن تحركاتها الدبلوماسية التي لم تفض إلى شيء حتى الآن. واللافت في الأمر أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن، بات يتجنب المنطقة في دبلوماسيته المكوكية بعدما أفشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كل محاولات لوقف إطلاق النار. وترسل الإدارة مسؤولين مثل مسؤول ملف الشرق الأوسط في البيت الأبيض بريت ماكغيرك وعاموس هوشستين من فريق مستشار الأمن القومي. وأكبر مسؤول أمريكي جاء للمنطقة في هذه الأيام هو مدير سي آي إيه، ويليام بيرنز بعد استئناف المحادثات بين إسرائيل وحماس للتوصل إلى هدنة. وكعادته بشر ديفيد إغناطيوس معلق صحيفة «واسنطن بوست» (10/7/2024) بقرب تحقيق اختراق في المفاوضات حيث قال إن إطار الحل موجود وتم التوافق عليه بين الأطراف. وقال إنه يقوم على مقترح بايدن للمراحل الثلاث التي ستقود إلى وقف دائم للنار. ففي المرحلة الأولى ستكون هدنة 3 أسابيع، سيفرج فيها عن 33 أسيرا لدى حماس وإطلاق سراح مئات السجناء الفلسطينيين. وقال إن حماس تخلت عن ضمانات أمريكية مكتوبة وقبلت بقرار مجلس الأمن الدولي كضمان. مضيفا أنها تخلت عن المشاركة في حكم غزة وتولي الأمن فيها وتركه لقوة فلسطينية تدربها الولايات المتحدة إلى جانب قوة دولية تشارك فيها دول عربية. إلا أن حركة حماس سارعت ونفت ما ورد في مقالته، حيث نقل موقع «ميدل إيست آي» (11/7/2024) أن مصادر فلسطينية قللت من أهمية ما ورد في تقرير إغناطيوس مؤكدة ان نتنياهو يواصل جهوده لتخريب المفاوضات. وهو متمسك بمواقفه لمواصلة الحرب بعد الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين. وفي يوم الخميس ألقى خطابا أمام مرشحين في الجيش الإسرائيلي ووعدهم بالنصر الكامل القريب. وهو ما دفع صحيفة «الغارديان» (11/7/2024) للتعليق على أوهام نتنياهو بالقول إنها تتناقض مع مواقف الرأي العام الإسرائيلي ونتائج الاستطلاعات التي تؤكد أن أولوية الإسرائيليين هي عودة الأسرى. وأضافت أن نتنياهو معني بإفشال المحادثات حتى يطيل أمد حكومته المتطرفة. ولفتت الانتباه إلى أن غزة تعاني من استمرار الغارات الإسرائيلية والتوغلات وانتشار الجوع بين السكان المشردين وهذا لم يمنع الولايات المتحدة من استئناف إرسال المساعدات العسكرية لإسرائيل، في وقت يتمسك فيه بنيامين نتنياهو بتحقيق «نصر كامل» يبتعد عنه كل يوم. وأضافت الصحيفة أن روسيا عندما قصفت مستشفى للأطفال في كييف يوم الإثنين، أصدر البيت الأبيض وعلى جناح السرعة بيانا عبر فيه عن مشاركة جو بايدن اشمئزازه و«مع ذلك لم يصدر إعلان مماثل عن الشعور بالتعاطف مع ضحايا الغارات الإسرائيلية على أربعة مدارس لجأ إليها الناس، وحدثت قبل أربعة أيام».
يأتي كل هذا مع التقارير عن تخلي الولايات المتحدة عن الرصيف العائم الذي أقامته قبالة شاطئ غزة، في وقت يفتك فيه الجوع بالسكان. ولم يكن الرصيف سوى محاولة لا قيمة لها من أجل إرضاء الضمير وحرف النظر عن الحاجة للضغط من أجل إعادة مستوى نقل المساعدات عبر البر، ومواصلة تقديم السلاح إلى إسرائيل. فقد استأنفت واشنطن إرسال القنابل زنة الواحدة منها 500 رطل. والغريب أن كل الجهود التي قامت بها إدارة بايدن لم تكن إلا لذر الرماد في العيون، فهي جهود لم يقصد منها إلا منح إسرائيل الوقت لإنجاز مهمتها بتدمير الشعب الفلسطيني في غزة ومحو تراثه وكأنه لم يكن هنا.
والرصيف العائم الذي لم يكن سوى كارثة علاقات عامة وأعلن عنه بايدن في صخب كبير أثناء خطابه عن حالة الاتحاد في آذار/مارس، ومنذ الإعلان عن تشغيله قبل 3 أشهر لم ينقل مساعدات إنسانية إلا ما يساوي ما تنقله الشاحنات برا في يوم واحد. وطوال الوقت تعللت البنتاغون بأن الرصيف لم يقاوم الأعاصير البحرية. ويجري التحضير لقرار تفكيكه من الشهر الماضي، حيث أعلن عن وقف عملياته قبل أيام. ولا يعرف أحد ماذا أرادت أمريكا بهذا المشروع الذي كلف 230 مليون دولار. وأشارت صحيفة «الغارديان» (10/7/2024) إلى أنه لم ينقل عبر الرصيف سوى 8.800 طن متري من المواد الغذائية، أي ما يوازي حمولة 500 شاحنة كانت تدخل غزة يوميا قبل بداية الحرب. وحذر نقاد المشروع من أنه سيحرف الأنظار عن جهود الضغط على إسرائيل كي تفتح المعابر البرية إلى غزة، والتي تعتبر الوسيلة الفعالة لنقل المساعدات إلى 2.3 مليون نسمة، ربعهم يواجه خطر المجاعة. وقالت إن المساعدات انخفضت بشكل ملحوظ منذ شن إسرائيل عملية عسكرية في أيار/مايو ضد مدينة رفح في جنوب القطاع. وحتى المواد التي وصلت مراكز التجميع على الشاطئ لم توزع على المحتاجين في القطاع بسبب الظروف الأمنية وبعد إعلان برنامج الغذاء العالمي عن وقف عملياته.
كارثة
استراتيجية وعملياتية
ووصفت صحيفة «أي» (10/7/2024) المشروع الأمريكي بأنه كارثة كلفت 230 مليون دولار، مضيفة أن وعود البنتاغون بزيادة المساعدات الإنسانية لم يتحقق منها إلا في جزء صغير. فقد وعد البرنامج المسمى «اللوجيستك المشترك على الشاطئ» بأن ينزل يوميا حمولة 150 شاحنة في اليوم. وفي 27 حزيران/يونيو نشر النائب مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة رسالة إلى مسؤولي إدارة بايدن البارزين وصف فيها العملية بأنها عانت من نكسات ولا يمكن توصيفها إلا «تبذيرا صارخا لأموال دافعي الضريبة». و«أحث الإدارة على وقف هذه العملية الفاشلة وحالا وقبل أن تحدث الكارثة». وارتبط الرصيف بعملية تحرير أربعة أسرى إسرائيليين وسط غزة ومقتل 270 فلسطينيا أثناء العملية، حيث أظهرت أشرطة فيديو أن العملية لتحريرهم انطلقت من الشاطئ قرب الرصيف، ما أثار الشكوك حول تورط الولايات المتحدة بالقتل، وقالت منظمات إغاثية إن العملية عرضت عملياتهم للخطر.
وقال وزير شؤون الشرق الأوسط السابق في الخارجية البريطانية أليستر بيرت: «هذه نهاية لا تصدق للقصة، فلم تكن هناك حاجة للرصيف لو ظلت المعابر البرية مفتوحة لنقل المواد الإنسانية، وأشعر بالراحة أن بريطانيا لا علاقة لها به» مع أنها متورطة في أمور أخرى مثل شحن السلاح ومحاولة تحدي طلب مدعي عام الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال ضد نتنياهو وزير دفاعه يواف غالانت. وقال بيرت: «ما تريده غزة هو وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى ونقل مناسب للمساعدات وأفق سياسي لحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني».
ووصف المحلل الأمني والمحاضر بكلية كينغز كوليج في لندن أندرياس كريغ الرصيف بأنه «كارثة عملياتية واستراتيجية للولايات المتحدة، عملياتية لأنه فشل في إيصال المساعدات كوسيلة لتجاوز الحصار الإسرائيلي للمساعدات إلى غزة، واستراتيجيا لأنها كارثة على سمعة الولايات المتحدة، لأن الرصيف كان اعترافا بعدم قدرتها الضغط على إسرائيل لفتح المعابر إلى غزة، وبرغم كونها أكبر مانح للسلاح والمال، وكان يقصد من إجراء لحفظ ماء الوجه وحدث العكس».
أشباح سريربنتشا
يتذكر العالم هذه الأيام ما جرى لمسلمي البوسنة عندما قامت العصابات الصربية في 11 تموز/يوليو 1995 بذبح 8.000 مسلم في المدينة. وتم هذا على مرأى ومسمع العالم وبتواطؤ مع القوات الدولية. وتساءلت نادينا رونك بمقال في «ميدل إيست آي» (11/7/2024) عن تناسي العالم لفكرة الإبادة ولن يحدث أبدا وهي العبارة التي تكررت بعد الهولوكوست. ومنذ الحرب العالمية الثانية، غض العالم الطرف على مجازر وذابح أخرى، من مقتل 800.000 توتسي في رواندا عام 1994 ومذابح البوسنة وقتل وتهجير الروهينغا المسلمين في ميانمار. وقالت إن سربرينتشا، يجب أن تكون تذكيرا بأنه يجب على العالم ألا يقف متفرجا على إسرائيل وهي تبيد الفلسطينيين. وقالت إن ما حدث في غزة قوض مصداقية الغرب فلم يعد لأي دولة غربية السلطة الأخلاقية لانتقاد انتهاكات حقوق الإنسان لأنها سكتت أمام الوحشية التي شاهدنا حية على شاشات التلفزة. وقوض هذا النفاق الغربي المبادئ الأساسية للعدالة والإنسانية التي يدعي الغرب أنه ملتزم بها. وقالت إن سربرينتشا تقف اليوم كتذكير على قدرة الإنسان على ممارسة الوحشية والتداعيات الكارثية للحقد وعدم التسامح.