كان ذلك في نهاية الأسبوع الماضي، وقد بدا لي الأمر أشبه بمزحة ثقيلة حينما طالعت ذلك العنوان على الصحيفة. قال العنوان إن طالبة طردت من مدرستها في فرنسا لارتدائها تنورة طويلة..!
للتذكير فقد مرّرت الجالية المسلمة، في غالبها، قرار منع النقاب والبرقع هناك، بدون أي مقاومة وتفهمت وجهة النظر القائلة بأنه من غير المقبول من الناحية الأمنية أن يسير شخص مغطياً وجهه، سواء كان ذلك بسبب ديني أو لمجرد ارتداء خوذة، أو أي نوع من أغطية الرأس، ثم كان هناك جدل حول الحجاب نفسه، خاصة في المدارس، حيث يحظر على الطالبات ارتداؤه ضمن قانون منع «الرموز الدينية»، واحترام العلمانية التي تقتضي بأن تكون صالة الدرس من دون أي مؤشرات على الدين أو التوجه السياسي.
لكن ما حدث اليوم يعتبر تحولاً عجيباً وخطيراً. تقول صيغة الخبر إن «إحدى المدارس الفرنسية منعت طالبة مسلمة في الـ15 من عمرها من متابعة الحصص الدراسية، لأنها كانت ترتدي تنورة طويلة سوداء، اعتبرت رمزا دينياً». وقبل الاسترسال أقول إن هذا المقال ليس ضد فرنسا وقيمها العلمانية، فقد كانت المساواة بين الأديان واحترامها هي ما مهد لتوفير قدر من الحرية للجاليات المسلمة، التي مارست شعائرها باطمئنان، في الوقت الذي كان فيه النشاط الإسلامي أو ارتداء الحجاب ممنوعاً في عدد من الدول العربية والإسلامية.
لقد استثمر المثقفون العرب، بمن فيهم الإسلاميون، الكثير من الوقت والجهد في تبيين الفارق بين العلمانية العربية المتطرفة التي كانت تعادي ليس فقط الحركات الإسلامية التي تنافسها في الحكم وفي المشروع السياسي، بل أيضاً مظاهر التدين المعتادة التي يتفق عليها جميع المسلمين من حجاب وتردد على المساجد وصيام وغيرها. تحدثوا عن الفرق بين ذلك وبين العلمانية الأوروبية التي تحترم جميع مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم وأديانهم، بل تقف على حق الأقليات في تأمين مناطق عبادتها وتكفل لهم حق ممارسة شعائرهم والدعوة إلى ما يؤمنون به.
هذا المقال ليس ضد هذه القيم ولا يمكن لمنصف إنكار فضل أوروبا على المضطهدين في العالم العربي والإسلامي، الذين كان عدد كبير منهم من أبناء التيارات الإسلامية، لكنه، ويجب أن يكون ذلك واضحاً، ضد ذلك التيار الذي يريد أن يجرّد الدول الأوروبية من أجمل ما فيها.
نعم، إن روعة تلك البلاد، وذلك بشهادة من عاشوا فيها، لا تكمن في المباني الجميلة ولا في المتاحف الكلاسيكية، ولا في غيرها من مظاهر الترف، بل في تلك الحرية والمساواة التي تجعل من كل مواطن شخصاً مهماً وشريكاً يتم الاهتمام بآرائه وصوته، وليس مجرد رقم من الأرقام أو شبح فائض عن الحاجة. هذا هو ما فتن جميع العابرين، خاصة المثقفين فيهم، ابتداء من رفاعة الطهطاوي صاحب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، الذي زار فرنسا مرافقاً الطلاب في عهد محمد علي باشا، وغيره من رواد الانفتاح والنهضة الحديثة في العالم العربي الذين مروا من هناك.
لكن فرنسا بلد الحرية والمثال الذي ينشده دعاة التغيير في العالم الثالث، أصبحت تتضايق من الحجاب ليس لسبب عداء ديني، كما تبرر، لكن لأن العلمانية تقتضي منع الرموز الدينية في المدارس والأماكن العامة. بلد الحرية تجاوز ذلك ليطلب من الطالبات ارتداء ملابس «عادية» حيث لا يكفي أن تنزع الطالبة حجابها قبل دخولها المدرسة احتراماً للعلمانية، بل يجب أن تقوم أيضاً بارتداء تنورة (إسكيرت) «عادية».
وما هو تعريف العادي؟ القصير؟ بحسب أي وجهة نظر؟ ومنذ متى كان الأصل هو الملابس القصيرة للنساء في فرنسا، بل في عموم أوروبا؟
هذا السؤال مهم، فربما يظن أحد أن أوروبا كانت على طول عهدها مهداً للأزياء الخليعة، وأن نساءها كانوا عبر التاريخ يرتدون ملابس كاشفة لأجسادهن والإجابة على هؤلاء بسيطة، فما عليك سوى زيارة أي متحف للتاريخ أو الفنون الحديثة لترى اللوحات التي توضح ملابس السيدات الأوروبيات فقط قبل خمسين أو ستين أو سبعين عاماً (الميني جيب ظهر في الستينات لأول مرة).
مدير المدرسة قال إنه بقراره هذا يريد حماية العلمانية، فالتنورة الطويلة ربما تشير إلى انتماء ديني، وهنا لن نرد بل نكتفي بأن نحيل القارئ لحملات الاستنكار التي طافت وسائل التواصل الاجتماعي الفرنسية قبل غيرها، والتي تستنكر هذا الربط الغريب بين طول اللباس والعلمانية، والتي تمثل بعضها في هاشتاج «ألبس تنورتي كما أشاء» الذي أصبح رواده بالآلاف خلال ساعات فقط.
ركّزتُ على هذه النقطة حتى أقطع الطريق على أولئك الذين يحاولون خلط الأوراق ووضع البيض كله في سلة واحدة، من أجل نشر العداء لجميع الفرنسيين أو للدول الأوروبية ومؤسساتها، خاصة من الذين لا يجدون سوى الوسائل العنيفة وغير المتحضرة للتعبير عن ضيقهم أو عن اختلافاتهم.
علينا متابعة ردود الأفعال الشعبية التي تستنكر محاولات تحويل الشعب الفرنسي إلى نمط واحد متشابه الثقافة والشكل واللغة والمظهر، لنتأكد أن القصة ليست معركة صفرية أو صراعاً حضارياً شاملاً. من بين التعليقات التي تناولت الخبر أعجبتني الإشارة إلى أن التنورة الطويلة ليست حكراً على المسلمات، بل يرتديها غيرهن أيضاً، كما استوقفني رد ساخر كتبه أحدهم متسائلاً وهو يضع صورة لعدد من بطلات الكارتون: ومتى سيحظر القانون الجديد بطلات رسوم ديزني المتحركة اللواتي يرتدين فساتين وتنانير طويلة؟
في متابعة مثل هذه القضايا علينا أن نشيد بالغالبية من المواطنين الفرنسيين الذي يعتبرون أن الحرية كل لا يتجزأ، وأنهم حتى إن لم يكونوا مسلمين فإن عليهم الوقوف مع حقوق هؤلاء حتى النهاية، حتى لا يأتي يوم وينتقص أحد حقوقهم.
هم يعلمون أن ما يحدث خطير ليس لجهة المساس بأقلية ما، ولكن لما يثيره ذلك من ارتداد على الميراث الفرنسي لحقوق الإنسان، ولذلك فإن رأي وزيرة التربية التي دافعت عن تصرف إدارة المدرسة، مرة ثانية بحجة حماية العلمانية، يبقى رأياً معزولاً، وإن جاء من قبل مسؤولة فرنسية من أصل عربي مسلم.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح