القاهرة ـ «القدس العربي» : شعب بلا جيش يربك أعتى جيوش الأرض تسليحا ودعما، مع تفويض مطلق بالقتل والإبادة، لكنها غزة التي تفسد على أشرار العالم من بايدن لبلينكن إلى سائر القتلة في الإدارة الأمريكية، الذين يفوضون زمرة السفاحين في الكيان في القتل والإسراف في المذابح على مدار الساعة، مع وعد بالحماية والهروب من القصاص عبر سيناريو مكرر، إذ لم يسبق لأسلاف القتلة أن تعرضوا للمحاكمة، بينما يتصدر الشعب الفلسطيني الشعوب الأكثر تعرضا للقتل والتهجير من فجر التاريخ.
وخلال أول اجتماع لمجلس المحافظين بعد إعلان التشكيل الحكومي الجديد، تعهد رئيس مجلس الوزراء بأن تشهد المرحلة المقبلة انتصارا على البيروقراطية والروتين، ووجه مدبولي كلامه للمحافظين “ما دمنا نستهدف الصالح العام لا يخاف أحد منكم من اتخاذ أي قرار.. لا نريد أيادي مرتعشة؛ فمهمتنا خدمة المواطن وأبنائه. وطالب بعدم السماح بأي إجراءات بيروقراطية من شأنها تعطيل مصالح المواطنين، أو تشغيل المشروعات. وقال الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، إن الحكومة نجحت في تشييد 1.5 مليون وحدة سكنية خلال أقل من 10 سنوات، لافتا إلى أن نحو 90% من تلك الوحدات بديلة للعشوائيات ومخصصة لمحدودي الدخل. وأضاف ضمن فعاليات تسليم وحدات سكنية ضمن المبادرة الرئاسية «سكن لكل المصريين»، في مدينة حدائق العاصمة: «لو متوسط الأسرة ما بين 4 إلى 5 أفراد، فإحنا حلينا مشكلة إسكان لـ6 إلى 7.5 مليون مواطن مصري خلال فترة زمنية تعد قصيرة بكل المقاييس، مقارنة بما بني على مدار 36 عاما سابقة». وصل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، القاهرة، بعد جولة خارجية لجنوب شرق آسيا، ضمت ماليزيا وإندونيسيا وتايلند، تلتها زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وعقد شيخ الأزهر لقاءات مع ملوك الدول ورؤسائها وأمرائها لبحث سبل حشد الجهود الدولية لوقف العدوان على غزة، وسبل تعزيز الاستفادة من خبرات الأزهر الدعوية والعلمية في هذه الدول، وسبل مواجهة تنامي الإسلاموفوبيا، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة.
مجزرة أم تصفية؟
نعيش حرب غزة، التي دخلت شهرها العاشر، على أعصابنا، ونحترق لأننا نعيش في عالم ظالم ترك مجرمي الحرب الإسرائيليين، وزعيمهم بنيامين نتنياهو، يرتكبون كل يوم مجزرة في حق المدنيين، بحجة مطاردة «المقاومة» الفلسطينية، أو البحث عن «أسرى»، وبعد 10 شهور ظهر أمامنا وفقا لأسامة سرايا في “الأهرام”، كيف يتم التعامل معهما، لكن نتنياهو ما زال مُصرا على إغراق منطقتنا في حرب فظيعة، وكراهية أكبر، وقطع الطريق على أي محاولات للهدنة، أو الوصول إلى حل، لأنه يُدرك أن الحل لا يحقق مصلحته، أو مصلحة تياره المتطرف، فاتجه إلى إغراق المنطقة، وقطاع غزة بمزيد من الدماء، والمجازر، وأصبحت حالة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني واضحة، ولا تحتاج إلى إثبات بعد جريمة «المواصى» الأخيرة في خان يونس بحجة مطاردة القيادي محمد ضيف وصحبه، أو الكنز المعلوماتي الذي حصلت عليه، وإذا كان هذا صحيحا، فلماذا لم تستطع إسرائيل العثور على أسير واحد لتفرج عنه إلا مصادفة، كما تم في الأسرى الذين وجدتهم بعيدا عن التفاوض؟ لقد أدركت «حماس» كثيرا من الوقائع على الأرض في غزة، ووافقت على شروط الهدنة، بل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لديها، وكلما تحين الفرصة للتهدئة في هذا القطاع المشتعل، الذي أصبحت الحياة مستحيلة فيه، فإن نتنياهو، وفريقه، وجنرالاته يجدون دائما الذرائع للمجازر، وقتل المدنيين، واستهداف الحياة فيه، وبذلك ثبت لكل ذي عين أن نتنياهو لا يريد الرهائن، بل إنه يسعى للاستفادة من هذه الحالة لتهجير الشعب الفلسطيني من غزة، والضفة الغربية، والإجهاز على القضية الفلسطينية كاملة. إن الضيف الذي ظل اغتياله منذ 30 عاما أحد أهداف إسرائيل، وأصبح بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي هاجسها الأول، لا نستطيع أن نحدد، أو نجزم، أن تل أبيب اصطادته، وأعتقد أن الغموض سيظل سيد الموقف، لأن إسرائيل ما زالت تبحث عن شيء آخر في غزة، وربما أكبر من السنوار، والضيف، فهي تبحث عن مبررات لتصفية القضية الفلسطينية بعد أن أصبحت ضمير العالم، وليس الفلسطينيين وحدهم.
أقرب للتواطؤ
تستمر إسرائيل في تصويب سهام القتل والإبادة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتزيد من غلوائها أمام مجتمع دولي التزم الصمت إزاء ما ترتكبه حكومة نتنياهو، من جرائم حرب يشيب لها الولدان. مضت إسرائيل، حسب سناء السعيد في “الوفد”، تمعن في جرائمها معولة في ذلك على الولايات المتحدة التي تحتضنها وتشجع ممارساتها، فهي طفلها المدلل الذي تمنحه صكا يخوله كل الدعم في كل ما ترتكبه من آثام. ولهذا كان الموقف سيتغير كثيرا في ما لو أن الولايات المتحدة عارضت إسرائيل في منحاها، وفي عمليات القتل الممنهج التي تضطلع بها في الأراضي الفلسطينية، لتحقيق مبتغاها الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية وإبادة شعب بأكمله. الغريب أن يتضافر المجتمع الدولي مع إسرائيل عندما يلتزم الصمت ولا يحرك ساكنا. ولهذا كان من الطبيعي أن تزيد إسرائيل من حصيلة إجرامها بعد أن آمنت أن لا عقاب ولا حساب ولا مساءلة. فرضت إسرائيل بآثامها وجرائمها واقعا جديدا على الفلسطينيين من شأنه أن يدفع بهم نحو النزوح، وبذا يتحقق لها ما تبغيه ألا وهو تصفية القضية الفلسطينية حتى لا تقوم لها قائمة. ومن ثم زادت من وطأة العنف الممنهج والبربري، وأمعنت في حصار الفلسطينيين، وفرضت سيطرتها على معبر رفح، ما تسبب في العرقلة الكاملة لنفاذ المساعدات للشعب الفلسطيني ليتعرض من جراء ذلك لكارثة إنسانية غير مسبوقة، تحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي اكتفى بالفرجة ولم يحرك ساكنا. وكان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل كي تمضي في ارتكاب المزيد من الجرائم، وتزيد من مخاطر التصعيد الذي قد يؤدي إلى انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، وهو أمر شديد الخطورة، في ما إذا أدت النذر إلى هذا المنعطف.
ستواصل الإبادة
حوّل الكيان الصهيوني الغاصب الأرض الفلسطينية إلى مقبرة مفتوحة ترتع فيها الإبادة الجماعية وتتراكم فيها جثامين الفلسطينيين، ليصل عدد قتلاهم 39 ألفا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ويصل عدد الإصابات نحو 89 ألفا، بالإضافة إلى من طمروا تحت الأنقاض. وقال البيان العسكري الإسرائيلي، الذي تابعته سناء السعيد: إن عملياته دمرت ثمانية أنفاق وقضت على العشرات من الإرهابيين، ودمرت مجموعات قتالية ومباني مفخخة. وانتاب الذهول الجميع إزاء حجم الدمار وأعداد الجثامين الذين شرع الفلسطينيون في انتشالها. وتستمر قوات الجيش الإسرائيلي في توغلها في مناطق تل الهوى والصناعة ليصبح هناك عشرات الجثامين الملقاة في الشوارع، ولا يستطيع أحد الوصول إليها. وأضاف المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، أن تدميرا كبيرا جدا حدث في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة طال البنية التحتية والمربعات السكنية. وأشار إلى أنه لا يوجد في المنطقة بيت يصلح للحياة، فالمنطقة بأكملها أصبحت الآن مدينة أشباح ولا تصلح للحياة. إمعانا في احتضان إسرائيل ودعمها ومكافأة لها على تدمير البنية التحتية للفلسطينيين قررت إدارة جو بايدن إطلاق جزء من الأسلحة التي كانت قد علقت تزويد إسرائيل بها قبل أشهر. وصرح مسؤول أمريكي بأن إدارة جو بايدن ستستأنف شحن قنابل زنة 500 رطل إلى إسرائيل، ولكنها ستواصل إرجاء إرسال قنابل زنة 2000 رطل بسبب المخاوف من استخدامها في قطاع غزة.
سنستيقظ حتما
الكل يغني في تغريداته على ليلاه وهذا ليس عيبا، بل ربما هو صفة فقط ولكن أن تبقى تلك الجيوش الإلكترونية أو ذاك الجندي البائس فيها وهو يطارد كل من ينشر خبرا أو صورة لاعتصام هنا أو مسيرة هناك.. حينها والكلام لخولة مطر في “الشروق”، ينهض كل المتربصين لهدف واحد، هو الاستهزاء بالمسيرة أو الاعتصام وتصويرها على أنها تجمع في «زقاق» لا يمر به أحد وربما يكون هو كذلك لأن ذلك ما سمحت به السلطات الرسمية، أو أنه تجمع لفئة من «المسنين» ويستمر ذاك الجندي الصغير جدا في مطارداته واستفزازاته، في محاولة للقول إن كل ما تقومون به ضد المجزرة، بل حرب الإبادة على الأطفال، ما هو سوى صرخة في البرية لمجموعة من «العجزة» وتعجب أنت، فيما كثير ممن يسميهم هذا الجندي البائس بالمسنين يملأون شوارع مدن أوروبية وأمريكية، بل جامعات عريقة، رافعين الصوت منددين بالإبادة التي قاموا هم بدراستها بشكل معمق وتدريسها لطلابهم، في محاولة لما يعرف بالاستفادة من التاريخ وعدم تكراره.. يبقى ذاك الجندي الإلكتروني البائس يطارد من يسميهم مجموعة من «العجزة» غير متابع لما يجري في العالم، من إعادة الاعتبار لكبار السن الذين يقدمون رغم ضعف الجسد، كثيرا من الخدمات لمجتمعاتهم، إما بنشر الوعي، أو المساهمة في تفسير الظواهر، أو في الوقوف مع الحق كجزء من مساهماتهم في ترسيخ قيم الأخلاق، في عالم لم يعد للأخلاق والأعراف أي قيمة فيه، يعاير ذاك الجندي الإلكتروني البائس الذي لا يملك حتى حق تعريف نفسه، وتنتهي أهميته إذا ما فعل ذلك ككل الجبناء واللصوص والمختلسين وتجار المخدرات المختبئين في أقبية المباني، أو بين مبانيها الفاخرة متنكرين بملابس العفة والنزاهة.. يعاير الشاب المتقد بمحبة أرضه الواقف عند حافة الكون وهو يردد للحق مطالبون كثر، أما الظلم فليس له أتباع، أو ربما بعض المرتزقة، يعايره بأنه مستمر في الاعتصام أو تنظيم المسيرات للدفاع عن فلسطين وشعبها منذ أكثر من عشرة أشهر.. فماذا يقول غير أنك تعتصم في شارع فرعي وهو يعرف تماما أنه ومن معه هم من منحوا التصريح محددين الشارع والمسار.. ثم يردد وكلكم مجموعة صغيرة من كبار السن.. ألم يصرخ ذاك التونسي قبل أكثر من أربعة عشر عاما “لقد هرمنا.. بن علي هرب” ثم دوت صرخته في بقاع الأرض من المحيط إلى الخليج عابرة النهر.
المحافظ والعجوز
لم يكن غريبا على حد رأي هالة فؤاد في “المشهد” أن نستقبل حركة تغيير المحافظين الجديدة دون حماس وفتور وأدنى أمل في تغيير حالنا للأفضل.. تشاؤم لايبدو مفرطا وسط موجة سياسات أطاحت بما تبقى لنا من حلم في تخفيف حمل أعبائنا، لا التركيز فقط على تخفيف أحمال الكهرباء الكريه. لم تحرك تصريحات المحافظين الجدد لنا ساكنا، ولم نستبشر خيرا أمام جولاتهم الصاخبة للتأكيد على جديتهم وحماسهم في حل مشاكل محافظاتهم.. اعتدنا على أن لكل محافظ جديد شدة تماما مثل الغربال، لكن سرعان ما تعود ريما لعادتها القديمة، وتظل الحال كما هو عليه، إن لم يكن يسير للأسوأ.. لكن الحقيقة ما فعله اللواء طارق مرزوق محافظ الدقهلية فاق كل التوقعات.. بعدما ما تردد عن إقتحامه منزل سيدة وأمر بمصادرة أكياس الخبز التي تحملها واتخاذ الإجراءات القانونية ضد أصحاب المخابز المخالفة، التي تسهل لمثل هذه التجاوزات. ورغم نفي المحافظ اقتحام منزل تلك السيدة، وتأكيده أنه رآها في الشارع وهي تحمل الأكياس، وبرر ما فعله بأنه رسالة لكل من يحاول مخالفة القانون والاستيلاء على سلع مدعمة لا يستحقها. تبدو الرسالة مقنعة، لكن الأكثر إقناعا وتأثيرا وتعاطفا حال تلك السيدة الفقيرة، التي يشي بها منزلها المتواضع.. الذي اقتحمه المسؤولون ليفتشوا عن خبز مدعوم بين أقفاص متهالكة بجوار زوج نحيل ضعيف بلغ من الوهن والعجز وقلة الحيلة ما لا تخطؤه عين. لم يرأف أحد بحاله، لم يَرْثَ أي منهم لتواضع البيت وفقر أصحابه، لم يفكر أحد كيف يقضي هؤلاء يومهم كيف يسدون رمقهم، هل لديهم مصدر رزق يكفي احتياجاتهم البسيطة، هل يتناولون وجباتهم الثلاث، أم يضعون حجرا لكتم جوع بطونهم الخاوية، هل لديهم بالفعل ما يتناولونه، أم يكتفون بكسرات الخبز يبتلعونها مع ملح حياتهم الشحيحة، هل ما زالوا يحلمون بطعم اللحوم أم أنها باتت من الأحلام المنسية؟
تجار الوهم
سؤال بليغ لهالة فؤاد: هل تحايلهم إن صح للحصول على مزيد من كسرات الخبز يعد سرقة، أم أن جريمة السرقة يجب أن يُعفى من عقابها الجائعون كما فعل الفاروق عمر في عام المجاعة، رسالة المحافظ لم تصل.. تماما مثلما لم تصل رسالته بوقف عدد من بطاقات التموين لضبطها مع شخص من غير مالكيها، وتشديده على أصحاب المخابز بعدم صرف الخبز إلا لأصحاب البطاقات شخصيا، أو أحد أبنائهم منعا لضياع حق المواطن.. متجاهلا أن كثير من حاملي البطاقات من العجائز، وأنه كثيرا ما يتضامن بعضهم مع بعض وشراء الخبز بتجميع البطاقات خدمة للمرضى، أو تسهيلا لظروف طارئة يمر بها أحدهم، أو لإعفائه من تعب الوقوف في طوابير الخبز وسط حرارة جو ملتهب، ونيران فرن يزيده سخونة واختناقا. الرحمة تأتي دوما فوق العدل.. والأهداف النبيلة إن خلصت النوايا يمكن أن تتحقق بطرق لا تقل عنها إنسانية ونبلا.. والرغبة في إثبات الجدية والحزم والضرب بيد من حديد على المخالفين وإثبات الذات وتكريس صورة المنقذ الناجح المستحق عن جدارة كرسي المنصب، وألق الجاه لا يمكن أن تتحقق على أشلاء المطحونين والمهمشين والفقراء، فالأهم هو القدرة على مواجهة الحيتان الكبار تجار الوطن الفاسدين مصاصي دماء الشعب وسارقي كنوزه وثرواته.. هؤلاء هم الأولى أن توجه لهم ضربة رادعة بيد من حديد.. والقضاء عليهم هو الخطوة الأولى التي سيتبعها حتما اختفاء اللصوص الصغار من المحرومين الجياع الصغار. إذا أردنا حقا أن نخطو على الطريق الصحيح علينا أن نواجه بقوة تجار الوهم وسارقي أحلام البسطاء وثروات الأوطان.
سلم يا رب
خلال الأشهر الماضية تردت صحة والد محمود علي “القاهرة 24″، سوءا دون تشخيص واضح من طبيبه الذي يتابع حالته منذ سنوات، والذي وصف مستواه العلمي بأنه لا يؤهله إلا أن يكون حلاقا أو سباكا صحيا، على أقصى تقدير، رغم أنه أستاذ جامعي في واحدة من أكبر كليات الطب في الجامعات المصرية، فرغم ظهور جميع علامات المرض الخبيث على أبي منذ فترة طويلة، إلا أنه لم يفكر يوما أن يطلب منه تحليلا واحدا، ولا أشعة واحدة، كل جهوده مجرد تخمينات وهمية وأدوية خاطئة والاكتفاء بسماعته اللعينة وجهاز السونار “الخربان”، و”كان الله بالسر عليما” وسط هذا العبث الطبي علمت أن هناك عددا كبيرا وقعوا ضحايا لإهمال هذا الطبيب وماتوا بالطريقة نفسها، لكن ماذا يفيد من كل ذلك فقد فات الأوان، وكل محاولات إنقاذ أبي، سواء داخل مصر أو خارجها أصبحت مستحيلة؛ لأنه وصل إلى مرحلة نهائية لن يفيدها أي علاج أو جراحة أو طبيب، وليس أمامنا سوى أن نرضى بقضاء الله وقدره، ونؤهل أنفسنا لوداعه، والأصعب من ذلك أن نظهر أمامه متماسكين، وأن نحبس دموعنا حتى لا يعرف طبيعة مرضه، وهي المهمة الثقيلة التي نجحنا فيها بفضل الله. رغم كل ذلك أخذت بنصيحة صديق عزيز وعرضت أبي على أكثر من طبيب من كبار الاستشاريين وأعدت إجراء التحاليل والأشعة أكثر من مرة، لعل هناك خطأ في التشخيص، أو التحاليل أو أملا – ولو ضعيفا- في علاجه، لكن الرد موحد: “مرحلة نهائية.. أيام معدودة”، ونزلت على طلب آخر طبيب الذي رأى أن أفضل شيء يمكن تقديمه لأبي هو أن يقضي هذه الأيام الأخيرة من حياته داخل أحد المستشفيات التخصصية. ثلاثة عشر يوما كانت عدة هذه الأيام المعدودة، قضاها أبي في مستشفى لم أشعر في حياتي بالرهبة إلا داخله، كنت مرافقا وملازما له في خمسة منها قبل أن ينتقل إلى العناية المركزة ومنها إلى الرفيق الأعلى. في هذه الأيام الخمسة كنت حريصا على أن أطعمه الوجبات الغذائية التي تقدمها المستشفى بانتظام، ذلك المستشفى الذي تفوح منه رائحة الموت من كل مكان، وحين أنظر إلى سرير أبي والأجهزة لساني يردد مرتجفا: “سلم يا رب”.
أيقونة مهدرة
لم يحظَ ملك ولا زعيم ولا قائد بالتكريم الذي قُوبل به الإمام الزاهد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في ماليزيا وإندونيسيا، فقد استقبل استقبالا شعبيا ورسميا يفوق الخيال، نهر من الحب والود والتقدير فاضت به مشاعر ماليزيا وإندونيسيا كلها، كانوا ينادونه «شيخنا وأبونا»، فهو أب للمسلمين جميعا. تابع الدكتور ناجح إبراهيم في “الوطن”: استقبله رئيس وزراء ماليزيا ورئيس إندونيسيا حتى ودّعه الرئيس الإندونيسي وكأنه يؤدي التحية العسكرية للإمام، هذا من الناحية الرسمية، أما من الناحية الشعبية فقد منحته أعرق الجامعات الماليزية الدكتوراه الفخرية. تحدّث الإمام في جمعية نهضة العلماء الإندونيسية التي يبلغ أتباعها أكثر من 120 مليون مسلم، وحاضر هناك في قادة الأديان الإندونيسية كلها، البروتستانت والكاثوليك والبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية، وكان عنوان هذا الحفل «الحوار والوئام بين الأديان والحضارات». ذهب الإمام بعدها إلى مؤتمر عقدته الجمعية المحمدية الإندونيسية في جاكارتا وكان بعنوان «الأزهر الشريف والمحمدية ودورهما الرائد في نشر وسطية الإسلام وتحقيق السلام العالمي»، وحضر علماء الجمعية ونخبة من علماء إندونيسيا ومفكريها ورحّب به حيدر ناصر رئيس الجمعية، قائلا: «شيخ الأزهر هو الداعم الأكبر لقضايا العالم الإسلامي والقضايا الإنسانية، فهو ليس إماما للمسلمين فحسب، ولكنه رمز للسلام والإنسانية على مستوى العالم». كانت كلمات الإمام الطيب رائعة وقوية كعادته، ومنها قوله: الأديان رسالة سلام إلى البشر والحيوان والنبات والطبيعة بأسرها.. الإسلام دين تكامل الحضارات وتلاقح الثقافات واحترام الآخرين.. التاريخ شهد لحضارة هذا الدين إنها كانت وما زالت حضارة الأخوة الإنسانية والزمالة الدينية العالمية، وأنها لم تكن أبدا مصدر شقاء للإنسانية. تعدّد الأعراق والأديان ليس خطرا على المجتمعات، والإسلام ربط المسلم بغيره بقواعد التعارف والتعايش المشترك.. الجرأة على التكفير والتفسيق والتبديع كفيلة بهدم المجتمعات لو لم تواجه بالفقه الصحيح. الوسطية خاصية الأمة الإسلامية الكبرى وتتجلى بين المحكمين للعقل. القرآن يبدأ رسالته بقرع أجراس العلم والمعرفة ليُنبّه إلى أن أمر العقيدة يتأسس على العلم والنظر العقلي، وليس مجرد التسليم القلبي.
دون اقصاء
تابع الدكتور ناجح إبراهيم، الاعتناء بتصريحات الإمام الأكبر في جولته الخارجية: النهج الوسطى الإسلامي لا يعرف الإقصاء وشيطنة المخالفين وإدانة مذاهب تلقتها الأمة بالقبول، فهو الضامن لوحدة المسلمين واستمرارها.. التعميم المعيب للإسلام من بعض الغربيين، انطلاقا من تصرفات فئة شاردة انحرفت بفهم الدين، عرقل جهود التقارب بين الشرق والغرب.. بعض المسلمين في الشرق لم يتخلصوا من عيب وضع الغرب كله في سلة واحدة، والنظر إليه على أنه عدو وشر مستطير.. الإسلام بطبيعته دين له تجارب تاريخية في تجاور الحضارات وتعدّد الأديان والأنظمة الاجتماعية تحت سماء الدولة الواحدة دون إقصاء أو إزاحة. مأساة فلسطين هي مأساة الأمة والعالم الحر، وهي جريمة إبادة تجاوزت بشاعتها كل الحدود، ونأمل أن تسهم هبة شباب الجامعات الغربية لنصرة غزة في الكشف عن منابع الخير في العالم.. سلخ القرآن عن السنة النبوية يضعه في مهب الريح ويفتح عليه أبواب العبث بآياته وأحكامه وتشريعاته، وضرب لذلك أمثلة من الصلاة والزكاة.. المشككون في السنة النبوية على اختلاف أماكنهم وأزمانهم ومشاربهم يجمعهم قاسم واحد، وهو الشك في رواة الحديث والتقليل من قيمة جهود مضنية بذلها علماء الأمة أعمارا، أراقوا فيها ماء عيونهم لتمييز الصحيح من غيره، من خلال بحث دقيق متفرّد في تاريخ الرواة حتى نشأ بين أيديهم علم «الإسناد» أو «الرجال»، وهو عليم لا نظير له عند غير المسلمين.. التاريخ لا يعرف شخصا آخر -نبيا أو زعيما أو بطلا – غير محمد، صلى الله عليه وسلم، سُجلت جميع وقائع حياته وأفعاله وأقواله وأسفاره وأخلاقه حتى خطوط وجهه ونمط عشرته في أهل بيته وأصدقائه وأعدائه.. منكرو السنة يسمّون أنفسهم بالقرآنيين، وهم أبعد الناس عن القرآن الكريم.. السنة النبوية محفوظة بحفظ القرآن.. العالم الإسلامي يفتقد تنسيق الجهود بين دوله ومؤسساته والخروج بصوت إسلامي موحّد ومُعبّر عن تحدياته وأزماته.
بيت الأمة
تلقى حمدي رزق رسالة الثالوث الوفدي الكبير عمرو موسى – محمود أحمد أباظة – منير فخري عبدالنور، وقرر نشرها في “المصري اليوم” نصّا دون تعقيب؛ من منطلق وطني. تقول الرسالة إن حزب الوفد يستحق أفضل من هذا الذي يحدث ويورثنا حزنا.. رسالة مقالنا المعنون «مفيش فايدة في الوفد»، الذي أثار شجونا وفدية عبّر عنها الثالوث الوفدي الكبير في هذا التعقيب. «مقالك في المصري اليوم بتارخ 13/7/2024 أثار شجون الوفديين وأكد المخاوف بشأن مستقبل العمل السياسي والنشاط الحزبي في مصر. ونحن إذ نؤمن بقدرة المصريين والوفديين على إصلاح ما فسد، وتقويم ما اعوج، واسترداد ما ضاع، فلن تقتصر جهودنا على إصدار البيانات، بل سوف نستمر في التواصل مع أجيال الوفد جميعا، من حملوا أعباء النضال بالأمس، ومن يحملونه اليوم، ومن يتأهبون لرفع العلم في الغد القريب حتى تتحقق آمالنا. ولو كان الأمر في يد هؤلاء لما وصلت الأمور إلى هذا القدر من التردى والهوان، إلا أن الأحزاب المصرية لا تعيش في فراغ وإنما تتعرض لمؤثرات كثيرة في مجتمع لم يألف بعد فكرة التعدد السياسي، وقد خضع لعقود طويلة لتحكم التنظيم السياسي الواحد، ثم الحزب المسيطر، أو كما كان يسمى «حزب الريس» الذي لم يعد له وجود في ظل دستورنا الحالي. لكن الإدارة في بعض قطاعاتها ما زالت تؤثر، إما مباشرة، وإما بطريقة غير مباشرة، وتتدخل في الشأن الداخلي للأحزاب السياسية، ما أفرغ التعددية السياسية من معناها وسد الطريق إلى التنمية الشاملة. ثم هناك سطوة المال التي تفسد كل شيء، إن لم تردعها الشفافية والمحاسبة، فضلا عن الفساد الذي يدعمه كل من يريد بسط نفوذه وسطوته على الوفد. ولا أحسب أن بين الوفديين من يجهل هذه الحقائق، إلا أن الوفد ليس شأن الوفديين وحدهم، بل شأن المصريين جميعا، باعتباره رافدا رئيسيا من روافد الحركة الوطنية المصرية القائمة على ثابتين هما سيادة الأمة والوحدة الوطنية، وما أحوجنا إليهما اليوم كما كنا بحاجة إليهما بالأمس القريب والأبعد. ومن هنا أهمية الإعلام في معركة إصلاح الوفد من أجل الوطن كله، ولك الشكر حتى لو قسوت على من يسعون إلى الإصلاح فأتحت لهم أن يؤكدوا أنهم يقفون في مقدمة معركة الحفاظ على الوفد ومكانته.
عنوان الخير
رغم كونه مصدرا للرزق ومنبعا للخير ومصدرا للثراء، فإن مصطلح “النفط” يعكس مشاعر منفرة في القاموس الجمعي للعرب، إذ يُدلل عموما وفقا لمصطفى عبيد في “الوفد”، على الحضارة المصطنعة والجمال، والإبداع المُستأجر، ويراه البعض سببا للاتكالية، ودافعا للدعة والسكون، وسبيلا للإفساد. وليس أدل على ذلك من أن الشاعرة الكويتية، بنت الخليج نفسه، سعاد الصباح، تقول في إحدى قصائدها «ثُم حلت لعنة النفطُ علينا/ فاستبحنا كل ما ليس يُباح». وهذا الشاعر نزار قباني، رحمه الله، يتحدث على لسان أنثى عربية تنتقد الثراء السهل الخالي من التحضر والوعي، فيقول: “متى يا سيدي تفهم؟ بأنك لن تخدرني بجاهك أو إماراتك/ بنفطك وامتيازاتك/ وبالبترول يعبقُ من عباءتك/ وبالعربات تطرحها/ على قدمي عشيقاتك”. من هُنا، فإن الرأي العام، في أغلبه يضيق كثيرا بخبر، أو إعلان، أو جدل بشأن مشاركة المبدعين المصريين في مشروعات صناعة السينما والطرب في مجتمعات نفطية مجاورة، لم تكن لها علاقة بالفن، بل كانت على عداء تام معه، ربما بدوافع قبلية أو تفسيرات متطرفة للإسلام. يلوم اللائمون في بلادي أهل الفن الذين ذهبوا للمشاركة في مهرجانات الترفيه، ووصلات الدعاية، وحفلات الجمال المصطنع في الصحراء. يشتط البعض عليهم، فيتهمهم بالجشع وعبادة المال، وربما بالانتهازية، دون أن يلحظ هؤلاء عدة أمور أراها مهمة. أولها أن مصر كانت لديها صناعات فنون عظيمة، وسينما مبكرة، مبهرة ومُعلمة، وأنها لأسباب عديدة تستحق مقالات ومقالات، وهنت وتدهورت مثل أمور كثيرة، وصارت أحوال كثير ممن يعملون فيها محزنة. عانى فنانون كبار من المرض والعزلة، وتجاهل المؤسسات، مع نظرة المجتمع الساذجة التي تفترض أن كل مشهور هو بالضرورة ثري، وواجهوا ظروفا قاسية في ظل تراجع شديد في عدد الأعمال الفنية، سواء في السينما أو الدراما خلال السنوات التالية لـ2011.
سعيه خاب
فضلا عن ما سبق أن ذكره مصطفى عبيد، فإن التوجيه العام للفن، أدى إلى تهميشه ونفور الفنان نفسه منه، لأن الفن حرية أولا، وثانيا، وثالثا، ولا يمكن ولا يجوز إدارته بتكليفات وتوجيهات فوقية. وما دام الفن موجها في محيطنا، فلم يعد أي مبدع يرى بأسا في أن يعمل في محيط آخر تحت إطار توجيه آخر، فالأمر سيان. ملاحظة أخرى جديرة بالتأمل هي أن الاعتماد على النجوم المصريين، يؤكد أنهم ما زالوا المصدر الأول لصناعة الجمال في المنطقة، وهو ما يمثل خبرا سارا وسط غابة الأخبار المحبطة. فعلم الجغرافيا يخبرنا أن الأنهار تجري من أعلى لأدنى، وأن فيض الجمال ينزاح رويدا ليُحسن الأقل حسنا. وهناك مَن يتصور أن هجرة بعض الفنانين إلى دول أخرى، تمثل عملية إخلاء للساحة المصرية من الغبداع. وهؤلاء يظنون أن خروج فنان ما أو مطرب بعينه، يعنى هروبا للفن خارج أرضه، ويتناسون أن المجتمع المصري بتناقضاته وتركيباته المعقدة، وزخمه، وتنوعه، وإرثه هو المُنتج للفن وللفنانين أيضا جيلا بعد آخر. فهناك بوتقة صهر لمواهب وورشة صناعة إبداع في مصر، سواء زادت الأعمال الفنية أو قلت، واشتغل الناس أم لم يشتغلوا، وهذا التكوين نتاج سمات اجتماعية وثقافية راسخة. وحسبنا هنا أن نتذكر ما فعله السلطان الغازى سليم الأول عقب احتلاله القاهرة قبل أكثر من خمسمئة عام. لقد قام الرجل بجمع ألف وثمانمئة فنان وحرفي وصانع وخطاط من أفضل الكوادر المصرية، وأرسلهم جبرا إلى الأستانة، ليشاركوا في صناعة الجمال بعاصمة السلطنة العثمانية. ربما تصور السفاح الغازي وقتها أنه ينزع عن مصر سحر الإبداع، ويقصره على بلاده، لكن سعيه خاب، فأخرجت المحروسة في ما بعد صناعا آخرين أكثر مهارة، وأعظم إبداعا، فرسموا وصوروا وأنشأوا وزخرفوا ثم ورثوا أجيالا آخرى جمالهم المُدهش.
أصل المشاكل
هناك حاجة لطرح هذا السؤال من جديد: كم منا يعيش بنعمة: «خلو البال»؟ «خلو البال» كما أخبرنا الدكتور محمود خليل في “الوطن” عنوان كتاب غزله يوسف إدريس في القرن الماضي. ويشتمل على مجموعة من المقالات التي تجتهد في تقديم إجابة عن السؤال اللغز: لماذا البال غير خالٍ؟ المقال الرئيسي يحمل الفكرة هو مقال «خلو البال». وفيه يتحدّث عن حال الكثيرين من حوله، وأيضا عن نفسه ويتساءل لماذا لا ينعم الجميع بخلو البال، كما ينعم به كثيرون في بقاع متفرقة من أرض الله؟ التقيت بشاب وفتاة في قطار في فرنسا. الشاب لا يملك عملا ثابتا، بل يعمل مترجما بالقطعة، ترك أسرته الثرية وآثر أن يعيش بمفرده، تزوج ثم طلق زوجته بعد عامين، وينعم معها الآن بعلاقة صداقة ودودة. يحلم بأن يكون ممثلا، ورغم تعثر خطواته، إلا أنه سعيد بمواصلة المحاولة. هو دائما سعيد، ولا يحمل للدنيا هما، ويعيش ببال رائق. أما الفتاة فعاملة في بوفيه القطار الذي يستقله الكاتب. تخدم أكثر من 300 راكب، وتقابل الجميع بابتسامة حقيقية تتلون بلون البهجة عندما ترتسم لشاب، وبلون العطف حين تتوجّه لشيخ، وبلون البراءة حين تتّجه نحو طفل. ابتسامة لا تعرف التصنّع. إنها تبتسم رغم أنها سوف تترك عملها بعد شهر بالتمام والكمال. وعندما سألها الكاتب كيف ستتصرّف؟ أجابته: أبحث عن عمل جديد؟ وهل عثرتِ عليه؟ بابتسامة مشرقة: لا.. لكنني واثقة أن الفرصة ستجيء. ما السر في خلو البال لدى هؤلاء وغيابه لدينا؟ الإجابة بسيطة: إنه الأمل والثقة في المستقبل.. فهم عكسنا مطمئنون إلى المستقبل. «المستقبل هو مشكلتنا ومبعث قلقنا والغيوم المسدلة فوق أعيننا». انشغال البال هو أصل مشكلاتنا، وجوهر الإخفاق الذي نشعر به في جنبات حياتنا.