جمهورية إمبابة» لأحمد البدري: جمهور السينما يتمرد على العنف ويلجأ إلى الكوميديا

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» الكثير من الصحافيين وصناع السينما في مصر أثنوا على استمرار عائلة السبكي في تمويل إنتاج الأفلام وإنعاش دور العرض، في الوقت الذي تراجعت فيه شركات إنتاج كبرى عن الاستمرار في ضخ أموالها في سوق مضطرب، خوفا من تكبد خسائر مادية بسبب توتر الأوضاع الأمنية في مصر بعد الثورة، ولكن ربما غاب عنهم أن التراث السينمائي الذي قدمه السبكي أفسد ذائقة أجيال كثيرة، خاصة تلك الطبقات الشعبية التي تغيب عنها ثقافة تلقي الفنون، من وجهة نظر عائلة السبكي التي يمتد تاريخها مع صناعة السينما المصرية إلى أكثر من ربع قرن. إنها تعي تماما متطلبات السوق السينمائي وإن السينما في النهاية هي سلعة تجارية تخضع للعرض والطلب، ومع تراجع سوق الأفلام في مصر وندرة الأعمال الجيدة، اعتقد أن المحتوى الذي يقدمه هو السلعة الرائجة لدى جمهور السينما، لكن مع تغيير المشهد السينمائي خلال السنوات القليلة الماضية، وتصدر جيل جديد من الشباب الموجة الجديدة في السينما المصرية تغيرت معها ذائقة المتلقي، الذي بدأ يتمرد على خلطة أفلام السبكي، الإيرادات التي كان يعتبرها مقياسا لنجاح فيلمه أصبحت أيضا دليلا ملموسا على الفشل المتلاحق الذي يطارده، انفرط عقد عائلة السبكي بين الإنتاج الذي لم يكتف به لكنه تطاول أيضا على مهنة الإخراج والكتابة.
‎بعد الثورة ظهرت كيانات إنتاجية جديدة صغيرة تعزف على وتر استغلال الانتشار الشعبي لنوعية أفلام السبكي ، فيلم «جمهورية إمبابة» الذي يعرض ضمن موسم أفلام شم النسيم من تأليف مصطفى السبكي، وإخراج أحمد البدري وإنتاج طارق عبد العزيز، واحد من هذا التجارب التي تنتمي إلى هذه النوعية من الأعمال، التي تقدم التوليفة المعتادة، من بلطجي وراقصة وعاهرة وحارة شعبية، بداية من عنوان الفيلم «جمهورية إمبابة» وهي إحدى المناطق الشعبية في القاهرة الكبرى، التي تسكنها فئات محدودة الدخل، عادة الأعمال التي تعبر عن مكان بعينه، يتجانس الأسلوب الفني لموضوعها تبعا لطبيعة وهوية هذا المكان، بما يميزه عن غيره، لكل حارة أو منطقة روح وخصوصية تنعكس في الصورة الذي تستمد تكوينا من تفاصيل المكان، لكن هذا التجانس لم نلمسه في الفيلم، الأحداث لا تنتمي إلى مكان محدد، إذا تجاوزنا عن ذكر إمبابة في العنوان يمكن أن تصلح الأحداث لأي مكان شعبي آخر.
يحكي الفيلم قصة حسن، وهو شاب فقير يعمل سائقا لسيارة أجرة ويقوم بدوره الفنان باسم سمرة الذي يرغب في الزواج من جارته، لكن أخاها يرفض هذه العلاقة طمعا في تزويجها من تاجر مخدرات غني، وتنجح خطته في تفريقهما، يجسد حسن شخصية الشاب الصالح الذي لا يقوى على مواجهة مجتمع يدفعه إلى التخلي عن سلميته، مجتمع يظلمه ويضعف قوته ويحوله إلى بلطجي يلجأ إلى العنف المضاد لينتقم ممن ظلمه، هذه الثيمة المكررة لتطهير صورة نموذج البطل الشعبي الذي حوله الظلم إلى مجرم، لم تعد واقعية في تصدير صورة الشخصية الشعبية على الشاشة، العنف والعنف المضاد أو الذي يحمل مبررات الدفاع عن النفس، جميعها صور لم تجعل المشاهد يتعاطف مع حسن، الذي يتحول بين مشهد ومشهد من إنسان تقي نراه يحرص على أداء الصلوات إلى بلطجي يمارس كل انواع الشرور، فيتحول من تاجر سلاح إلى تاجر آثار ومخدرات.
الفيلم يعد التجربة الأولى للفنانة فريال يوسف، حيث لأول مرة تؤدي دور فتـــاة من حارة شعبية، وهي التي حاولت أن تجتهد في تدارك اللهجة التونسية، لكن اللهجة لم تكن العائق الوحيد الذي حاولت اخفاءه، الشكل الخارجي للشخصية لم يقدم لنا مواصفات فتاة من حارة شعبية، وهي التي تبدو دائما في مظهر بالغ الأناقة، تمتد هذه الصــــورة إلى كل الشـــخصيات النسائية في الفيلم، علا غانم التي تقوم بدور فتـــاة ليل تخونها اللهجة الارســتقراطية المنتقاه التي لا تتوافق مع فتاة من حي شعبي تبيع جسدها ليل نهار، ويقودنا المحتوى الفارغ للحوار والإيقاع المبتور للمونتاج الذي يحاول لم شمل أحداث سريعة ومفككة، في كل لقطة إلى أربع رقصات استعراضية طويلة داخل أحد الكباريهات، حيث تأخذ الحيز الأكبر من الوقت الزمني للفيلم، ليتحول من فيلم سينمائي إلى «شو استعراضي» يستوقفه بعض المشاهد الادائية المفتعلة، إذا نزعنا عنه هذه الاسكتشات التي حولت فن الرقص الشرقي إلى فعل جنسي فاضح لتحول إلى فيلم روائي قصير الفنان باسم سمرة الذي وصل متأخراً إلى مرتبة النجومية يحاول في كل عمل سينمائي جديد أن يثبت انه نجم شباك، هو بالفعل نجم وله تجارب درامية ناجحة لكن ليس بالضرورة أن يتحول إلى نجم شباك، أن تصبح بطلا سينمائيا أو نجما عليك أن تتحول إلى بلطجي، أصبحت هـــذه هي اللغة الرائجـــة عند الجمهور، لكن هذا المنظور لم يتقبله الشباك إلا مرة واحدة، كما حدث مع أكثر من نجم صعدوا في الأدوار الأولى التي قدمها، وتراجعت شعبيتهم عندما أعادوا إنتاجهـــا مرة أخرى، مثل الفنان محمد رمضان الذي ابتعد عن تقديم دور البلطجي بعدما قدم فيلمين نجح الأول واخفق الآخر، كذلك الفنان محمد سعد الذي استهلك شخصية اللمبي في أكثر من عمل، انتهى به في كل مرة إلى مزيد من الانحدار، الجمهور قال كلمته وأعطى تقييما عمليا لنوعية فيلم «جمهــورية إمبابة» حيث لم يحقق في شباك التــــذاكر سوى بضعة آلاف مقارنة بالأفلام الأخرى التي عرضت معه خلال الموسم، حيث تميل موضوعاتها إلى الكوميديا فتجــاوزت إيراداتها الملايين.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية