سياسات «الميم»: كيف حسم ترامب حرب الصورة؟

تميل معظم التحليلات السياسية الحالية إلى أن المرشح الرئاسي، والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حسم السباق الانتخابي في الولايات المتحدة، بعد الصورة فائقة الانتشار، التي تظهره رافعاً قبضته، رابط الجأش، بعد محاولة اغتيال فاشلة. وعلى الرغم من أن التأثير السياسي والثقافي للصور أمر معلوم، وسبقت دراسته بشكل مكثّف، فضلاً عن ازدياد أهميته تدريجياً طيلة العقود الماضية، فإن الإجماع على أن صورة واحدة، يمكنها حسم نتيجة انتخابات البلد الأهم في العالم، مثير للتأمّل. سبق لوسائل الإعلام الأمريكية الحديث عن صورة أخرى لترامب، «دخلت التاريخ»، أي صورته «الجنائية»، بعد إيقافه لفترة محدودة عام 2023 في ولاية جورجيا، بتهمة محاولة التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية لسنة 2020. ظهر ترامب وقتها مهزوماً، «عبوساً وواجماً»، خاصة أنها الصورة الجنائية الأولى لرئيس أمريكي سابق، رغم كل هذا، يبدو أن صورة ما بعد محاولة الاغتيال قد جبّت كل ما قبلها.

ربما الأنسب القول إن صورة ترامب الأخيرة «ميم» أكثر من كونها صورة عادية، بمعنى أنها علامة ثقافية لافتة للانتباه، قادرة على استنساخ نفسها بشكل غير متناه، عبر تأثيرها على وعي ولا وعي ملايين المتلقين، الذين سيشاركونها، ويعيدون نشرها؛ يمجّدونها أو يسخرون منها؛ يكتبون عنها التعليقات أو يحاولون التلاعب ببعض عناصرها. المهم أنها ستستمر، وأن أعداء ترامب، مثل أنصاره، سيساهمون في استمرارها. اللافت أيضا أن ترامب، البالغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً، يدرك تماماً أهمية ذلك «الميم»، وكيفية توظيفه سياسياً. وربما هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، التي نرى فيها رئيساً صانعاً لـ»الميم»، وبكل وعي، وهذا قد يكون خطيراً إلى حد كبير.
تنبع خطورة الموضوع من أن «الميمات» على الإنترنت، تعمل أساساً على مستوى من التحفيز العصبي والنفسي، يمكن وصفه بالأقل من الفكري، والأقل من الذاتي. بمعنى أن متلقي الميمات ومتداوليها لا يُعنون بممارسة عمليات ذهنية مركّبة، مثل التحليل والنقد والفهم المتعمّق وصياغة الأسئلة، بل يميلون إلى الاندفاع مع «التريند» السائد على الشبكة؛ وقد يدرجون بعض الرموز والعناصر التي يتلقونها في منظوراتهم عن ذواتهم والعالم، وهي منظورات عابرة ومترحّلة بين العلامات الدارجة، لا تتمتع بشيء من الرسوخ والاستقرار، اجتماعياً أو أخلاقياً. وبالتالي فإن جانباً كبيراً من جمهور ناخبي ترامب، أو حتى أعدائه، يتحرّك على مستويات متدنّية من الوعي السياسي والذاتي. ولكن يبقى السؤال: هل «ميمات» الإنترنت والإعلام ظاهرة سياسية حاسمة لهذه الدرجة؟ وهل يمكن لصنّاع «الميم» أن يكونوا زعماء المستقبل الأكثر تأثيراً؟

بحثاً عن المتن

سعى الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة إلى تخفيف حدة خطابهما، بعد محاولة اغتيال ترامب، خاصة أن استطلاعات الرأي تظهر انخفاض ثقة المواطنين في المؤسسات الأمريكية الأساسية، إلا أن هذه المحاولة تبدو ضعيفة الفاعلية، ومتأخّرة للغاية، فالخطابات العدائية، والمتطرّفة، والفظّة، باتت الأكثر حضوراً في السياسة العامة. يصعب اليوم إيجاد خطاب معتدل موجه لـ»الأمة» برمتها؛ أو لمتن اجتماعي وسطي، يعوّل عليه في الحفاظ على القيم الأساسية؛ أو حتى لكتلة اجتماعية صاعدة، تسعى لإعادة تشكيل الحياة العامة، بما يتناسب مع توجهاتها ومصالحها، وكأن الصراع السياسي يجري بين أنصار ثقافات فرعيّة أو هامشية مشتتة، باتت هي «المتن» كله. ولكن أين اختفى المتن الاجتماعي الكلاسيكي؟ توجد نظريات ودراسات عديدة، تفسّر تراجع ذلك المتن باضمحلال المؤسسات الاجتماعية الوسيطة، وليس فقط النقابات التقليدية، والمدارس العمومية، والمؤسسات الثقافية والرياضة الجماهيرية، بل أيضاً مواطن العمل نفسها، إذ لم يعد الناس يلتقون مثل السابق في معامل أو مؤسسات كبيرة، لينتجوا بشكل مشترك ومكثّف، متبادلين الخبرات والأفكار والقيم، وإنما ازدهرت ظواهر مثل العمل المنزلي؛ والعمل على المنصات؛ وتحويل الملكية أو الحيازة الشخصية الصغيرة، مثل المنازل والسيارات، إلى عروض خدميّة، عبر تطبيقات مخصصة لهذا الغرض. وبالتالي بات الناس أكثر مرونة، وأشدّ فردانية، وأقل رغبة في التواصل المؤطّر مؤسساتياً. لم يكن هذا خبراً سيئاً بالضرورة، فقط رأى كثير من المفكرين، من مختلف التوجهات، أن تراجع المؤسسات الوسيطة الانضباطية، بما فيها من أبوية وهرمية، سيتيح للبشر بناء شبكات اجتماعية أكثر تحرراً، تتجاوز الإقصاء والتهميش والهيمنة، التي انبنى عليها المتن الاجتماعي سابقاً.
عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز على سبيل المثال، تحدّث، في دراساته عن الأعمال الاحتجاجية المعاصرة، من تونس حتى آيسلندا، عن نشوء نمط جديد من «شبكات السلطة المضادة»، قائم على تبادل أكثر مرونة وتفاعلية للمعلومات والخبرات والمشاعر، بين الأفراد المتضررين من سياسات السلطة. معتبراً أن الشبكات الرقمية المعاصرة هي «وسائل الاتصال الأسرع، والأكثر استقلالية وتفاعلية، وقابلية للبرمجة والانتشار الذاتي في التاريخ»، ولذلك فهنالك فرصة لقيام حركات اجتماعية، أفقية التنظيم، تمتلك أدوات لم تتح لأي حراك اجتماعي في ما مضى، ما يجعلها أقدر على تحقيق تغيير اجتماعي وسياسي وثقافي، أكثر ديمقراطية وأقل هرميّة من كل تغيير عرفناه سابقاً.

ربما بات من الواضح اليوم أن ذلك التعويل على «الشبكات الأفقية» في بناء سلطة مضادة؛ أو متن اجتماعي جديد أكثر تحرراً؛ أو حتى شكل جديد من «الشعب»، قائم على ائتلاف متعدد الفئات والمطالب، لم يكن في محلّه. إذ سرعان ما تبدّدت الحركات الاجتماعية الجديدة، بعد عجزها عن تقديم مشاريع وبدائل مقنعة، لتحلّ محلها أنماط من «المنظمات غير الحكومية»، القائمة على تنظيم هرمي أقرب إلى نموذج الشركات؛ فيما فقدت مواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة الإنترنت عموماً، كثيراً من «حريّاتها»، بفعل سياسات وخوارزميات شركات التكنولوجيا الأكبر، والقيود والقوانين التي فرضتها حكومات متعددة، فضلاً عن ازدياد أهمية ما يُعرف بـ»اقتصاد الانتباه»، أي تحويل انتباه البشر، الذين يطول بقاءهم على الشبكة، ويزيد ما ينتجونه عليها من بيانات، إلى سلعة قابلة للتداول.
لم يبق من كل الطموح السياسي بخصوص الإنترنت، إلا قدرة «ميم» أو «تريند» على الانتشار، نتيجة عوامل لا علاقة لها بتداول الخبرات والمشاعر والمعارف والأفكار بين بشر متعددين، وإنما ترتبط بالقدرة على لفت انتباه المستخدمين، وتحفيزهم عصبياً. فما الأنجح في لفت وتحفيز أولئك المستخدمين، المحبطين والوحيدين والمُستغلين، والمُقصين من متن اجتماعي لم يعد موجوداً أصلاً؟

الميم السياسي

إذا كان «الميم»، بوصفه ظاهرة ترفيهية، نموذجاً للعلامة اللافتة للانتباه، والقادرة على تكثير البيانات المُستخلصة من ملايين البشر المتصلين بالشبكة، فإنه على المستوى السياسي يصير «لافتاً» بشكل مقلق، إذ يصعب تصوّر كثير من الاستخدامات «التحررية» لعلامة قادرة على استنساخ نفسها عبر التحفيز العصبي. ينتشر «الميم السياسي»، إن صح التعبير، بناء على قدرته على تحقيق أثر مباشر وحاد لدى المتلقي، وبالتالي فهو متطرّف غالباً، ولا يسعى لبناء المشتركات عبر التواصل، بقدر ما يضرب على الأوتار الأكثر إثارة للغضب والتهكّم والاستفزاز، ما يفرّق المستخدمين بين فقاعات تواصلية شديدة الاستقطاب. وبالطبع، فإن الرموز المتعلّقة بالتوتر العرقي، والفخر القومي، والعداء الهوياتي، وكراهية الجنس الآخر، خاصة كراهية النساء، ستجد مجالاً كبيراً للانتشار، رغم كل ما تبذله شركات التكنولوجيا من جهود للحد من ذلك. يبدو أن فريق دونالد ترامب الإعلامي هو الطرف الأكثر براعة في مخاطبة جمهور الفقاعات ذاك، والتعاطي مع عوامل احتجاجه الكثيرة. واليوم بات لديه «الميم» السياسي الأقوى، ربما في تاريخ الإنترنت كله: الرئيس الأمريكي «الحقيقي»، الذي اضطهدته «المؤسسة»، وحرّضت عليه، ينجو بمعجزة من موت محقق، ويرفع قبضته باتجاه السماء، وتحت علم الأمة، إلى أي مدى من الشعبوية سيقود كل هذا؟

ما بعد الشعبوية

ربما لم يعد من الدقيق وصف ذلك النمط من السياسة والخطاب بالشعبوية، إذ لم نعد أمام قوة سياسية، أو زعامة كارزمية، تعمل على بناء «الشعب الحقيقي» سياسياً، وتدّعي تمثيله في مواجهة أعدائه، وضد جمود المؤسسات، و»الدولة العميقة»، التي تعيق تحقيق إرادته. فلا «شعب» يمكن ادعاء تمثيله فعلاً، بل فقط مجموعات من المحبطين، المتظلّمين من محبطين آخرين، يرون في ترامب، الرجل العجوز الصلب، والثري الوقح، نموذجاً لما يودّون أن يصيروا عليه يوماً، وليس بوصفهم شعباً، بل أفراداً أو مجموعات هوية.
قد تكون «الترامبية» ظاهرة أكبر من شخص ترامب نفسه، وظرفه السياسي المخصوص، وإذا كان أثرها محدوداً نسبياً في فترة رئاسته الأولى، فإنها قد تصبح نموذجاً عالمياً غير مسبوق، في فترته الثانية المتوقّعة، يغيّر كثيراً من المعايير المألوفة عن العمل السياسي؛ وربما ستؤدي إلى اضطرابات اجتماعية عنيفة، فيما يصعب ملاحظة بدائل جديّة لها، إذ يبدو أن الخطاب الموصوف بـ»التقدمي» أو «اليساري» قد استهلك نفسه بشدة، ولم يساهم إلا بزيادة التطرّف والاستقطاب، وتحطيم المشتركات والإمكانيات التواصلية، ما يجعله أقرب لـ»الترامبية» أيضاً، ولكنه عاجز عن إنتاج زعيم/صانع ميم موهوب ومؤثّر.

 كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية