دخلت ماليزيا مضمار سباق صناعة السيارات الذي تخوضه دول الجنوب مثل تركيا والمغرب والبرازيل وفيتنام وتايلاند وجنوب أفريقيا، سعيا للحصول على مركز عالمي في شبكات التصنيع والإمدادات. لكن ماليزيا التي كانت قد افتتحت عصر صناعة السيارات متأخرة عن مصر والمغرب بما يقرب من عشرين عاما، لا تهدف الآن إلى إنتاج «سيارة ماليزية» تخترق بها حواجز المنافسة العالمية، وإنما إلى تنويع وتعميق وتطوير الصناعات المغذية لإنتاج السيارات على المستوى المحلي، حتى تصل إلى مستوى الكفاءة والإنتاجية المعادلة للمستويات العالمية. وبعد نحو 40 عاما من اتفاقها التاريخي مع شركة ميتسوبيشي اليابانية لإنتاج سيارة محلية هي «بروتون» الآن تملكها «جيلي» الصينية، فقد أصبح لدى ماليزيا شبكة واسعة من الشركات المحلية المغذية لصناعة السيارات، قادرة على الوفاء باحتياجات شركات إنتاج السيارات الأوروبية والآسيوية المتوطنة محليا. وانتهت دراسات أعدها «معهد ماليزيا للسيارات والروبوتات وإنترنت الأشياء» إلى أن طريق ماليزيا إلى العالمية في صناعة السيارات لا يمر عبر التركيز على إنتاج سيارة محلية فقط، وإنما أولا عبر زيادة صادرات منتجات الصناعات المغذية، ما يساعدها على تحقيق وفورات الحجم وتمكينها من بيع قطع غيار السيارات بأسعار أكثر تنافسية. وما يزال رقم الإنتاج السنوي للسيارات في ماليزيا دون حاجز المليون سيارة سنويا، وهو الحاجز الذي يمثل حتى الآن الخط الفاصل بين تطوير صناعة محلية، وبين انطلاق تلك الصناعة إلى مرحلة المنافسة على المستوى العالمي.
ومن المعروف أن الصين تتسيد صناعة السيارات بكل أنواعها على المستوى العالمي، بإنتاج يتجاوز 30 مليون سيارة سنويا، وتأتي بعدها الولايات المتحدة في المركز الثاني بإنتاج يبلغ 10.6 مليون سيارة حسب إحصائيات «مجموعة ستاتيستا» للمعلومات. وعلى صعيد دول الجنوب العالمي تأتي الهند بعد الصين واليابان بإنتاج يقترب من 6 ملايين سيارة سنويا. وتنتج كوريا الجنوبية حوالي 4.2 مليون سيارة سنويا، تليها ألمانيا 4.1 مليون سيارة. وتدق البرازيل وتايلاند وتركيا وإندونيسيا أبواب المنافسة العالمية بقوة، بإنتاج يتجاوز مليون سيارة سنويا.
من المواد الأولية إلى التصنيع
كانت ماليزيا واحدة من أكثر ممتلكات بريطانيا ازدهارا في الخارج، حيث قدمت إمدادات غنية من القصدير والمطاط وتتمتع بموقع ملائم على طرق الشحن الرئيسية، ولكن مع حصولها على الاستقلال، ركزت الحكومة على تطوير قاعدة صناعية، والسعي إلى النمو السريع، وتعبئة رأس المال المحلي ونقل التكنولوجيا بسرعة. وكان قطاع السيارات هو أحد هذه الصناعات. ومنذ عام 1960 انتقلت ماليزيا إلى تجميع السيارات وإنتاجها. وبحلول عام 1980 استطاعت تطوير قدرتها بما يكفي لامتلاك سياراتها ذات العلامات التجارية الخاصة، أولا «بروتون» ثم «بيرودوا» وكلاهما طور سوقا محليا قوية وصدر للخارج مع بعض النجاح.
الآن بحلول عام 2024 أصبح المشهد مختلفا. ويعمل قطاع السيارات في ماليزيا في سياق متغير، لكن العوامل الأساسية لا تزال قوية، ويبدو المستقبل مشرقا للقطاع، حيث تسهم صناعة السيارات بنسبة 4 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي سنويا مع آفاق واعدة. وفي عام 2020 أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية للسيارات بهدف رفع نسبة إسهام القطاع إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. ومن خلال «هيئة تنمية الاستثمار الماليزية» قدمت الحكومة حوافز لصناعة السيارات لتشجيع التوسع المحلي في تطوير وتصنيع السيارات، بالإضافة إلى تحسين الأداء والكفاءة في قطاع المكونات وقطع الغيار. ولا يزال هذا المخطط مفتوحا حتى نهاية العام المقبل 2025. وقد وافقت الهيئة حتى الآن على 13 مشروعا بأكثر من 1.1 مليار دولار أمريكي.
ويمثل الطلب المحلي محركا رئيسيا من محركات توسيع وتطوير صناعة السيارات. هذا الطلب المحلي ينمو الآن بقوة، مدعوما بالنمو في الطبقة الوسطى. وقد بلغ عدد سكان ماليزيا في عام 2023 أكثر من 34 مليون نسمة بمعدل نمو سنوي قدره 1.09 في المئة. وتمثل الطبقة الوسطى حوالي 40 في المئة من التعداد الكلي للسكان. وقد أدى ارتفاع الدخل، وزيادة التحضر إلى زيادة الحاجة إلى المركبات الشخصية والعامة، وكان أحد جوانب المبادرات الحكومية الأخيرة، هو دعم التوسع في قطاع تمويل السيارات من خلال قروض أرخص بواسطة البنوك الحكومية. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى إضافة مليون سيارة جديدة على الطرق الماليزية كل عام.
توطين صناعة السيارات
كانت ماليزيا من أوائل التي حاولت توطين صناعة السيارات في جنوب شرق آسيا، ولها تاريخ طويل في إنتاج السيارات. وتسهم الصناعة في الوقت الحاضر بما يقدر بنحو 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لماليزيا، أو حوالي 8.4 مليار دولار أمريكي، وتوظف قوة عاملة تزيد عن 700 ألف شخص. وعلى المستوى الإقليمي في رابطة دول «آسيان» تعتبر صناعة السيارات في ماليزيا ثالث أكبر قطاع، وتحتل المركز 23 على مستوى العالم بإنتاج سنوي يزيد عن 740 ألف سيارة. ويعتقد مصنعو السيارات والخبراء في الصناعة والاقتصاديون أن تعديل اتجاه الصناعة يمثل ضرورة لتأسيس ماليزيا كمركز إقليمي للسيارات لرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» والاستفادة من قاعدة المستهلكين في المنطقة التي يبلغ عددها حوالي 700 مليون مستهلك. لكن ما يحول دون تحقيق ذلك هو أن تكاليف سلسلة التوريد في ماليزيا أعلى بنسبة 30 في المئة من نظرتها في الصين و10 في المئة أكثر تكلفة من تايلاند. ويتعين على ماليزيا القيام بالكثير من أجل اللحاق بالركب، حيث أنه على الرغم من النمو الكبير، فإن إجمالي حجم إنتاجها القياسي عند الحد الأقصى لطاقات الإنتاج حاليا لا يتجاوز 775 ألف سيارة، مقارنة بمستوى يبلغ 30 مليون سيارة سنويا في الصين و1.9 مليون سيارة في تايلاند.
ولا تعتمد القدرة على المنافسة على حجم الإنتاج بقدر ما تعتمد على نوعية ودرجة تطور الصناعة. وما تزال صناعة السيارات في ماليزيا تحبو في مجال إدخال الثورة الرقمية وتكنولوجيا الجيل الرابع إلى صناعة السيارات المحلية. كما يمثل التحدي البيئي والتحول من الوقود التقليدي إلى الوقود الأخضر عنصرا آخر من عناصر التحدي التي تواجهها صناعة السيارات هناك. وقد حددت ماليزيا لنفسها تحقيق هدف الحياد الكربوني بحلول العام 2050 وهو ما يتطلب التركيز على تطوير مكونات السيارات الكهربائية، والمركبات المسيرة ذاتيا، ومكونات إنترنت الأشياء التي بدأت تدخل تدريجيا في صناعة السيارات. ويتسبب الحجم الصغير نسبيا للإنتاج في دول جنوب شرق آسيا «آسيان» في فرض قيود على شراء المواد الخام بكميات كبيرة بسبب الآثار المترتبة على التكلفة والنفقات الإضافية لمناولة المخزون وصيانته. وفي هذا السياق فإن الحلول الرقمية توفر فترة راحة من حيث الرؤى والقرارات الفورية. كما تعزز الحلول الرقمية الكفاءة والتحسينات الفعالة في البحث والتطوير، لا سيما من خلال استخدام الهندسة بمساعدة الكمبيوتر وتقنيات التصنيع المضافة.
رئيس رابطة السيارات الماليزية شمسور زين قال أخيرا في تصريحات لوكالة «رويترز» إن شبكات التوريد المحلية، وما يرتبط بها من خدمات ما بعد البيع وشبكات الصيانة في تايلاند هي أكبر بكثير جدا من ماليزيا. وقال: «على الرغم من أن ماليزيا لديها سلسلة توريد سيارات ناضجة نسبيا، يعود تاريخها إلى أكثر من 50 عاما، إلا أن تكلفة إعداد أو تحديث تصنيع المكونات باستخدام التكنولوجيا الجديدة مرتفعة للغاية، وأن هذه التكاليف مدفوعة إلى حد كبير بتحركات الطلب والعرض. وقال إن الطريقة الأكثر فعالية لتبرير الاستثمارات في تحديث الصناعة وتطويرها تكنولوجيا هي أن تضع ماليزيا نفسها كمركز للتصدير. وأوضح شمسور أن صناعة السيارات المحلية في ماليزيا تحتاج إلى بناء كفاءتها من حيث الجودة والقدرة على تحمل التكاليف ورفع الإنتاجية في المكونات والأجزاء المنتجة محليا من خلال التوسع في الحجم لتخفيض تكلفة إنتاج المكونات والأجزاء وقطع الغيار.
شبكة إمدادات محلية قوية
ويتألف قطاع السيارات في ماليزيا من 28 مصنعا لتصنيع وتجميع السيارات، وأكثر من 640 مصنعا للمكونات. كل من العلامات التجارية الماليزية المحلية، مثل «بروتون» و»بيرودوا» مملوكة الآن بشكل أساسي بواسطة شركات عالمية. وقد أعلنت شركة صناعة السيارات الصينية «جيلي» المالكة حاليا للعلامة التجارية «بروتون» عن استثمارات جديدة بقيمة 10 مليارات دولار، منذ عام تقريبا، وذلك لغرض تطوير سيارة جديدة في مقاطعة «بيراك» أكبر مركز لصناعة السيارات في ماليزيا، وفي وادي التكنولوجيا المتقدمة للسيارات، حيث يتم التركيز على العمل مع مجموعة من العلامات التجارية وشركات صناعة السيارات، بالإضافة إلى تصنيع مكونات وقطع غيار عالية التقنية للتصدير، وكذلك لإمداد قطاع السيارات الكهربائية الناشئ محليا والبنية التحتية المصاحبة له.
وتتمتع منتجات الشركات الصينية واليابانية والأوروبية من السيارات المصنوعة محليا بشعبية كبيرة، مثل «بيرودوا» المملوكة لشركة تويوتا، و«بروتون» المملوكة لشركة «جيلي» الصينية بشعبية كبيرة في ماليزيا. كما تحتفظ الشركات المصنعة العالمية مثل هوندا وتويوتا ونيسان ومرسيدس بنز وبي إم دبليو وفولكس فاغن وبورش وجاكوار وبيجو بمرافق إنتاج في ماليزيا، بهدف الإنتاج للطبقات المتوسطة الآخذة في التوسع في جنوب شرق آسيا. كما تنشط الشركات المصنعة للمكونات الدولية في قطاع السيارات الماليزي. وتبذل ماليزيا جهودا قوية للبقاء في طليعة البحث والتطوير حيث يتحرك الاتجاه العالمي نحو الرقمنة ونماذج الأعمال الجديدة. وفي هذا السياق فإنها تدفع نحو تطوير وسائل مثل الناقل الميكانيكي المتنوع، والقيادة الذاتية، وتكنولوجيا السيارات الكهربائية، والاتصال الرقمي، وهي اتجاهات جديدة في تطوير تكنولوجيا الإنتاج وتطوير مستوى الرفاهية في السيارات ستقود السوق على مدى السنوات العشرين المقبلة. وقد وافقت هيئة الاستثمار على أكثر من 50 مشروعا ضمن فئة المركبات الموفرة للطاقة، اعترافا بالتحول المستقبلي في تصنيع المحركات.
وتتضمن استراتيجية صناعة السيارات الماليزية تحويل البلاد إلى رائد إقليمي في تصميم السيارات والهندسة والتكنولوجيا والتنمية المستدامة، وتسعى بنشاط إلى شراكات استراتيجية في مجال مركبات الجيل التالي. وتستفيد الشركات من العديد من التسهيلات الحكومية مثل حوافز بدل ضريبة الاستثمار، وتسهيلات مالية ولوجستية. وتعمل هيئة الاستثمار الماليزية على تعزيز الجهود لتشجيع المزيد من الاستثمارات الدولية في قطاع السيارات، وتعزيز التكنولوجيا ونقل الخبرات، مع ضمان بقاء ماليزيا متفوقة في مجال تصميم السيارات. وتنطلق الهيئة من الاعتقاد بأن عوامل مثل الطلب المحلي القوي، إلى جانب قربها من المراكز السكانية المزدهرة الأخرى، توفر للبلاد المقومات التي تجعل منها قاعدة مثالية لمزيد من الاستثمار والتطوير والإنتاج. لكن ماليزيا يتعين عليها أولا أن تستهدف بناء وتطوير علاقات شبكية أكثر متانة مع حلقات سلاسل الإمدادات في أسواق دول آسيان، التي توفر لها قاعدة قوية للانطلاق من التفوق الإقليمي إلى المنافسة العالمية.