عاموس هرئيل
في خلفية السفر المخطط له لرئيس الحكومة نتنياهو، يتعزز إجماع في أوساط رؤساء جهاز الأمن بإمكانية ووجوب التوصل إلى صفقة التبادل مع حماس في الأسابيع القريبة القادمة. سمع أبناء عائلات المخطوفين من كبار قادة جهاز الأمن، من بينهم رئيس “الشاباك” رونين بار، بإمكانية التوصل إلى تفاهمات تضمن رقابة إسرائيلية تمنع تهريب السلاح في معبر رفح ولا تُفشل الصفقة. القصد تطوير حلول تكنولوجية لتشخيص الأنفاق ومحاولات التهريب بالتعاون مع مصر، التي تناقش معها إسرائيل طبيعة الترتيبات وموعد انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفيا. القضية الأكثر حسماً تتعلق بطلب نتنياهو عدم تمكين مسلحي حماس من الانتقال من جنوب القطاع إلى الشمال عبر ممر نتساريم.
مع ذلك، يعتقد بعض رؤساء جهاز الأمن أن نتنياهو سيجد طريقة لتجاوز هذه المشكلة إذا نوى التوصل إلى اتفاق. يستمر رئيس الحكومة في إرسال رسائل متناقضة في هذا الشأن. والمواقف منقسمة في الائتلاف أيضاً. تولد لدى رجال الأمن انطباع بأن نتنياهو يتلاعب بمعسكري الائتلاف، مؤيدي الصفقة ومعارضيها، وفقاً لحاجاته، وأنه سيتخذ القرار في نهاية الأمر حسب الظروف السياسية. بقيت رؤية كيف سيؤثر إعلان الرئيس الأمريكي، بايدن، الانسحاب من المنافسة على الرئاسة، على المفاوضات. في كل الحالات، إذا توصل نتنياهو إلى قرار فيتوقع أن يتخذ بعد عودته من خطابه في الكونغرس وانتهاء الدورة الصيفية للكنيست، لأن نتنياهو يخشى من تعريض استقرار الحكومة للخطر. رئيسا الأحزاب اليمنية المتطرفة، بن غفير وسموتريتش، يهددان بالانسحاب من الحكومة إذا تم التوقيع على صفقة تشمل تنازلات لا يوافقان عليها. صادق نتنياهو أمس على سفر طاقم المفاوضات لجولة محادثات أخرى مع دول الوساطة الخميس القادم. في موازاة ذلك، نشر مكتب وزير الدفاع، غالنت، بياناً استثنائياً قبل سفر نتنياهو، جاء فيه: “على خلفية الإنجازات العملياتية في الحرب، وجدت الظروف وهناك نافذة فرص محدودة لصفقة تحرير المخطوفين”.
العقيد احتياط ليئور لوتين، المستشار المقرب من غالنت، الذي تخصص بالعمليات المتعلقة بالأسرى والمفقودين، قال “إنه الوقت المناسب. ثمة فرص خاصة بالمفاوضات، لكنها ستمر إذا لم تُستغل. شروط الصفقة تتضمن أخطاراً يمكن لجهاز الأمن أن يحتويها. هذا ما يقوله كل رؤساء أجهزة الأمن. أن تضع أمامهم شيئاً نظرياً يقول بإمكانية تحقيق المزيد من الضغط العسكري، فهذا غير صحيح”، وأضاف. “هواء بالون المخطوفين آخذ في النفاد. لقد بقيت طبقة صغيرة من الأوكسجين. حماس غيرت موقفها. ففي السابق، اشترطت الانتقال المرحلي في الصفقة (بين المرحلة الإنسانية والمرحلة الثانية) في نهاية الحرب. الآن هذا غير موجود. فالضغط على رئيس حماس، السنوار، من قبل حماس نفسها ازداد بشكل كبير”.
لوحظ التغيير في موقف حماس في 3 تموز عندما ردت للمرة الأخيرة على اقتراح بايدن – نتنياهو للصفقة. رئيس الـ سي.آي.ايه، وليام بيرنز، قال الأسبوع الماضي إن قادة حماس في الميدان يطلبون من السنوار التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتحرير المخطوفين الإسرائيليين. يمكن الافتراض بأن الضيف بالذات، رقم 2 في الذراع العسكري والذي كما يبدو قتل في عملية الاغتيال الإسرائيلية في 13 تموز، كان من بين الأشخاص في منظومة القوة الداخلية في حماس، الذي انتقل مؤخراً إلى تأييد الصفقة. هذا إزاء علاقته الوثيقة مع المستويات الميدانية في الذراع العسكري.
الانعطافة في موقف حماس حدثت لعدة أسباب. بشكل جزئي يقول جهاز الاستخبارات إن تفسير هذه الانعطافة يكمن في زيادة نجاعة الضغط العسكري. هذه النجاعة وجدت التعبير في تصفية الضيف وفي الهجمات الجوية الكثيرة التي قتل فيها بضع عشرات من المخربين والقادة الميدانيين في حماس. وثمة سبب محتمل آخر يتعلق بالتغير في الرأي العام الدولي بالنسبة للحرب. في الأشهر الأولى من السنة، أظهرت الدول الغربية اهتماماً كبيراً بما يحدث في غزة، مع وجود انتقاد متزايد لإسرائيل إزاء قتل المدنيين والمشكلات في إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. والآن تنشغل الولايات المتحدة بدراما تحدث حول الانتخابات الرئاسية وانسحاب الرئيس الأمريكي من المنافسة. الاحتجاج الغربي ضد إسرائيل تقلص، وثمة اعتقاد لدى حماس بأنها لا تنجح في إملاء جدول الأعمال الدولي، ووضع القضية الفلسطينية على رأسه.
في الوقت نفسه، يرتبط دعم الجيش الإسرائيلي للصفقة بسلم الأولويات الاستراتيجية. ثمة فكرة لدى الجيش آخذة في التبلور، وهي فكرة أن التحديات في جبهات أخرى (حزب الله، والحوثيون وخلفهم التوجيه من إيران) تزداد وتقتضي متابعة أكثر يقظة والاستعداد وتخصيص الموارد. والجيش الإسرائيلي معني بمواصلة العمليات ضد حماس كلما كانت حاجة إذا انهار وقف إطلاق النار. ولكنهم يريدون تقليص حجم القوات في القطاع للاستعداد لاحتمالية تصعيد آخر في لبنان.
ليس نهاية المطاف
يستمر التأهب لدى سلاح الجو وقيادة الجبهة الداخلية خوفاً من هجمات أخرى بالصواريخ والمسيرات من قبل الحوثيين في اليمن. جزء من قرار مهاجمة اليمن السبت الماضي، ينبع من الضغط الذي استخدمه الجيش. يخطط الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو منذ فترة طويلة لاحتمالية مهاجمة اليمن، رغم المسافة البعيدة، بسبب ازدياد عمليات الحوثيين الاستفزازية منذ بداية الحرب. حقيقة أن إطلاق المسيرة في فجر الجمعة الماضي تسبب بإصابات، قتيل وثمانية مصابين، زادت الضغط من أجل العمل.
نتنياهو نفسه لم يكن متحمساً للرد. خلال الحرب، حرص على القول إن الحوثيين لا يعتبرون مشكلة لإسرائيل. وقد برر ذلك بأن العالم هو الملزم بالعمل على حماية الملاحة البحرية. عندما تشكل التحالف البحري ضد الحوثيين برئاسة الولايات المتحدة، قال نتنياهو إن تشكيله أثبت صحة رأيه. لكن هجمات دول الغرب الكثيرة لم تزحزح الحوثيين عن موقفهم ولم تعزز أمن الملاحة في البحر الأحمر. قناة السويس وميناء إيلات تكبدا ضربة اقتصادية قاسية من الهجمات على السفن في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي. وقالت المنظومة السياسية إن هجوم الحوثيين في تل أبيب، ورد إسرائيل القاسي في ميناء الحديدية في اليمن، تقدم دليلاً على خطأ نتنياهو في قراءة الوضع. إن عقد الكابنت السبت الماضي بشكل استثنائي نابع أيضاً من عدم عرض خطة هجوم ضد اليمن في السابق، لأن رئيس الحكومة لم ير حاجة لذلك. صباح أمس، أطلق الحوثيون صاروخاً بالستياً نحو إيلات. تم اعتراض الصاروخ بصاروخ “حيتس 3” الإسرائيلي، الذي أطلق من جنوب إسرائيل. ولكن سمعت في منطقة إيلات صفارات الإنذار خشية سقوط شظايا بسبب الاعتراض. لم تحدث إصابات، واعتبر نجاح الاعتراض أمراً مفهوماً ضمناً، رغم استخدام منظومة “حيتس” بصورة جارية للمرة الأولى في الحرب الحالية. تعتقد إسرائيل أن هذا ليس نهاية المطاف، وأن الحوثيين سيواصلون ضرب أهداف إسرائيلية. المتحدثون الحوثيون هددوا في الأشهر الأخيرة بتشويش حركة الملاحة حتى في موانئ إسرائيل على البحر المتوسط، حيفا وأسدود، كما فعلوا لحركة الملاحة البحرية في ميناء إيلات. المليشيات الشيعية في العراق تفاخرت عدة مرات منذ بداية الحرب بمهاجمتها هذه الموانئ، رغم عدم تشخيص أي مسيرات قربها.
هآرتس 22/7/2024