من سوءِ حظِّ العراقيين أنّهم يُغمضون عيونهم على شعارات ويفتحونها على شعارات !،من سوءِ حظّهم أنّهم يصدّقونها أو هم مجبرون على تصديقها بالقهر والخوف،منذ أن هتف الشيوعيون بحياة الزّعيم الأوحد «عاش زعيمي عبد الكريمي ..الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي» والجموع تهتف خلفهم فاقدةً للوعي والبصيرة..،ليهتف بعد نهاية الأوّلين قومٌ آخرون قذفت بهم المتغيرات المحليّة والعربية إلى الشّوارع والسّاحات وهم يصرخون «هلهولة (زغرودة) للبعث الصّامد»!
ولم تزل الأهازيج والشّعارات إلى يومنا هذا هي كل ما يعيش مع موت القوانين والتطبيقات والأنظمة، ولم تزل أسوأ الحرف الّتي يمتهنها البعض هي صناعة الأهازيج والشّعر الشّعبي والأغاني الوطنية الّتي أصبح لها منشؤها التِّجاري أيضًا أسوةً بباقي السّلع التّجارية! إنها لعمري أسوأ الأشياء الّتي أتمنى أن تقتلع من جذورها لكونها العقبة الأولى والأساسية في طريق إعمال العقل والرّشد والفكر السّليم في بناء المجتمعات والدّول المتحضرة.
الأهازيج عندنا تُنسي الإنسان قدر نفسه وبالتالي سينسى حجم عدوه فيصاب بخيبة كبرى حين تكون ساعة المواجهة ،وتتبعثر كل حساباته الّتي بنيت على غرار قاعدة : (ملأنا البحر حتّى ضاقَّ عنّا ..وماءُ البحرِ نملؤهُ سفينا!) ،هذه قاعدة عمرو بن كلثوم الّذي كانت تحيط به الصحراء من كل جانب ولم يكن له ولا لقبيلته سفينة واحدة!
أذكر في زمن نظام صدّام حسين صدرت أوامر إلى عامة الشعب من المنظّمات الحزبية بكتابة عبارة (تسقط أمريكا) على الجدران وعلى إسفلت الشّوارع وفي كل مكان ،وانتشرت أغنية (فلتسقط أمريكا)الّتي أخذت حقّها في الشّهرة حينها،ولكن ما هي النّتيجة ؟ إحتلّت أمريكا العراق وأسقطت ليس نظامه السياسي فحسب بل كل شيء فيه في حين ذهب مطرب تلك الأغنية ليغنّي أغنية (أبو خد مشمشة!) وكان قبلها يعتبر فنّانًا جادًّا وهادفًا، فحين نكون لا نملك غير الكلام والأهازيج أو ما يعرف بالعامية العراقية بـ (المزامط) أي التهويل والفخر المبالغ به فحينها نكون قد وقعنا في بئر مظلم لانعرف له قرارا. يقول الدكتور السّيد عبد الحليم محمد حسين في الفخر: والفخر من نتاج العاطفة الجيّاشة الصّادقة والإنفعال القوي ، ومن هنا لا يلتزم الفخر بالحقائق التّاريخية ،بل يعمد إلى المبالغة والتّهويل، وإطلاق الخيال الخصب ..وتنطلق فيه العبارات والألفاظ موافقة له، مطابقة لمقتضى حاله،مشتدة بشدته.
فمتى ياترى سنفهم الواقع فهماً علمياً سليماً دون مبالغةٍ أو تهويل دون أن تخفّ أرجلنا على صوتِ الطّبل وعلى نغمة «أعد ..أعد» في الأماسي الشّعريّة الحماسية؟ متى؟ لعلّه يكون قريبا.
مروان عدنان