عالم يحكمه الصغار

خلال حضوره ملتقى سكول العالمي للريادة الاجتماعية منتصف الشهر المنصرم في أكسفورد، تحدث القس الشهير ديسموند توتو عن تجربته المريرة مع العنصرية، راويا تجربة شخصية مرت بها ابنته التي جلست بجواره على المنصة، خلال استحضاره لتلك التجربة.
ويروي توتو أنه، خلال دراسته في العاصمة البريطانية لندن ذهب للتنزه بصحبة ابنته، عندما لاحظت الأخيرة وجود بعض الأطفال البيض الذين تجمعوا حول بضع أراجيح. الطفلة الصغيرة آنذاك استأذنت والدها للعب على تلك الأراجيح. لكن لم يمض وقت طويل قبل أن يسمع توتو الأب صياح ابنته الحزينة فذهب متلهفا لنجدتها ليجدها وقد أبعدت عن اللعب بقرار الصغار البيض، الذين قالوا لها بأن هذه الألعاب وجدت لمن هم من أبناء بشرتهم فقط. توتو المصدوم من عنصرية الأطفال الصغار لم يشأ تضخيم الموقف، فاحتضن ابنته الباكية وأخذها جانبا ليشرح لها الأمر، بينما امتلأت عيناه بالدمع للحرقة التي اعتلت وجه وقلب ابنته الصغيرة. صدمة الأب المسكين كانت في عدم قدرة ابنته على تفهم الأمر، لاسيما أن شرحه لها كما توقع سيترك أثرا جارحا وكبيرا، إن هو استمر به فقرر مكرها إيقاف ذلك الشرح، عندها أبحر توتو في عالمه الخاص متسائلا، ماذا لو حكم هذا العالم أطفال صغار ببراءة ابنته؟ هل من شك يا ترى أن هذا العالم سيكون أكثر سموا وإنسانية؟ استحضرت هذه القصة وأنا أتابع المشاهد المتلاحقة لمعاملة الشرطة الإسرائيلية للجنود والمواطنين اليهود من أصول إثيوبية وما تبع سوء المعاملة هذا من مظاهرات احتجاجية شهدناها قبل أيام، نظمها ولسخرية القدر أولئك الذين أوتي بهم تباعا ضمن حملات الجسر الجوي، لنقل اليهود الفلاشا إلى دولة الاحتلال نهاية القرن الماضي. فبالنسبة لأي فلسطيني أينما كان، فإن المشاعر لا تفرق بين غاصب وآخر ولا تعطي صراع المغتصبين أي بال، لكنها تستحضر عقودا طوال من العنصرية التي مورست على الشعب الفلسطيني ذاته، ليس بالدفع والضرب وعراك الأيدي فحسب، وإنما بالقصف والتهجير والترحيل والمصادرة وتكسير العظام، واستخدام الأسلحة المحظورة. فإذا ما كان تعامل الشرطة الإسرائيلية مع من هم أبناء دينهم ومن يحملون على أكتافهم رموز جيش ودولة الاحتلال بهذا الشكل، فلا بد ألا يكون غريبا ما استخدم ضد الفلسطينيين من وحشية مفرطة خلال عقود خلت.
الحقيقة الراسخة هي أننا جميعا، كفلسطينين، عجزنا أيضا في كثير من المحطات كما عجز توتو ذات يوم عن التفسير لأطفالنا عن سبب الجشع المفرط والحقد الطاغي لدولة الاحتلال، عجزنا أن نفسر لهم كيف أن للاستيلاء على حياة الناس وقتل هويتهم أولوية أولى على السلم والأمن والعيش الآمن، كيف لاحتلال ظالم أن يبقى على قيد الحياة لعقود طوال دونما وازع أخلاقي أممي يضع حدا له، تماما كما رفض العنصرية في جنوب أفريقيا وأصر على إنهاء حكم البيض وتسلطهم.
عالم لو حكمه الصغار الأبرياء كحال ابنة توتو وبراءتها آنذاك، لما كنا وصلنا إلى هذه الحال، لا باسم الحقوق المزورة ولا الدين ولا بالادعاء باسم الله ولا حتى بسيل من الأكاذيب والتلفيقات التي نراها من حولنا في الإقليم اليوم، التي يقتل بموجبها الناس على أرضية مللهم وأفكارهم. عالم يحكمه الصغار ربما سيكون أكثر جدية والتزاما وإنسانية مما نراه اليوم من الدمار الذي نعيشه لحساب الجغرافيا أو الهوية أو الأرض.
عانت البشرية طويلا من ظلمها لذاتها على أرضية الصراع على المال والسلطة، وبحثت في قواميس الحكم والتسلط عن صيغ مختلفة تجسد من خلال الأرض والدين دولها وممالكها المزعومة، لكن حاضر اليوم يختلف عن ماضي الأمس، خاصة مع كثافة الانتساب إلى القرية الكونية التي جسدتها الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) وما أتاحته من سبل واضحة لإسماع الصوت ونقل الصورة وإيصال الرسالة. لكن وللأسف فإن ذلك الصوت وتلك الصور والرسائل اليوم لا تأتي في معظمها إلا مغمسة بالدم والمعاناة البشرية، بعدما فشلت وسائل الاتصال الحديثة في انهاء البلاء الأكبر في حياة البشر، ألا وهو احتلال الأرض والإنسان بالإكراه والإجحاف والتنكيل.
ربما نحتاج فعليا لعالم يحكمه الصغار، لأن حلحلة مصائب العالم العربي تحتاج اليوم إلى استيراد أناس آخرين من خارج هذا الكوكب حتى ينهوا تلك المصائب والنكبات التي تسبب بها الكبار. عالم الصغار ربما سيكون أكثر حكمة ورحمة من عالم الكبار.. ربما أقرب إلى الجزم بالإيجاب منه إلى السلب!

٭ كاتب فلسطيني

صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية