الناصرة ـ «القدس العربي»: يواصل مراقبون إسرائيليون رشّ الماء البارد على «الخطاب الناري» لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الكونغرس بل يتهمه بعضهم بالكذب والفشل وينعته بالأكثر فشلا في تاريخ إسرائيل. في مقال نشره موقع القناة العبرية 12 أكد رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الباحث في الأمن القومي الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين أن نتنياهو في خطابه في الكونغرس «السردية» الإسرائيلية بشكل جميل ولافت: «فظائع» السابع من أكتوبر، وحقيقة أن إسرائيل، منذ ذلك الوقت، تدافع عن نفسها في مواجهة هجمات المحور «المتطرف» في الشرق الأوسط، بقيادة إيران. ويقول أيضا إنه في مقاطع معينة من الخطاب، وخصوصاً عندما عرض جنود الجيش الذين قاتلوا بشجاعة، ترقرقت الدموع من العيون، وكانت هناك غصة في الحلق. ويمضي في امتداح القدرات البيانية البلاغية لدى نتنياهو «ولأن اللهجة كانت مكتملة، فإنها أبرزت ما لم يرِد في الخطاب – الدمج ما بين الأقوال والأفعال. نتنياهو ليس وزيراً للـ»العلاقات العامة والدعاية» وليس وزيراً للخارجية أيضاً، إنه رئيس الحكومة الذي وقعت إسرائيل خلال ولايته في البئر الأكثر عمقاً منذ تأسيسها. الكلمات لا تكفي لإخراجها من هناك، يجب اتخاذ قرارات عملية، من الضروري الدفع بها قدماً أيضاً». وعلى غرار مراقبين إسرائيليين أيضا كثر يشير يادلين للفجوة العميقة ما بين الكلمات والأفعال في خطاب نتنياهو برزت في ستة مجالات مركزية:
إعادة المخطوفين
لقد أكثرَ نتنياهو من شعارات «سنعيدهم جميعاً» لكنه امتنع من التطرق إلى صفقة التبادل المطروحة وإبداء الاستعداد للدفع بها قدماً. وأكثر من ذلك، هو يقوم بتأجيل سفر الوفد الإسرائيلي لإجراء المفاوضات في القاهرة، بعكس موقف جميع رؤساء الأجهزة الأمنية، كما أنه جعل القدرة على التوصل إلى صفقة أمراً أصعب، عبر وضع شروط جديدة لم تكن واردة في الصفقة الأصلية التي وافق عليها «الكابينيت» برئاسته، وتبنّتها إدارة بايدن ومجلس الأمن.
«اليوم التالي للحرب»
متأخراً تسعة أشهر، تذكّر نتنياهو الحديث عن إدارة مدنية فلسطينية. هذه الفكرة لم يدعمها بالأفعال. ولم يوقف فقط، على مدار أشهر، النقاشات بشأن «اليوم التالي للحرب» إنما قامت الحكومة، برئاسته، بعدم استغلال الضرر العسكري الصعب الذي لحِق بـ«حماس» من أجل تقوية جهات بديلة داخل غزة وخارجها، وهو ما كان من شأنه أن يخلق بديلاً من «حماس» والأهم أنه كان سيدفع الدول العربية المعتدلة إلى المساعدة على تحقيق هذا الهدف.
التصعيد في الشمال
نتنياهو تطرّق إلى الموضوع بشكل هامشي، ولم يقترح أيّ خطة عمل، أو استراتيجيا عملية لإعادة سكان الجليل الأعلى النازحين إلى منازلهم. أي استراتيجيا كهذه تمرّ من خلال صفقة تبادل وهدنة في الحرب في غزة، ومن شأن هذا السماح للجيش بالتحقيق والراحة والتحضير للمعركة الرئيسية ضد حزب الله. هذا في حال فشلت الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق سياسي يعيد الحياة الروتينية إلى شمال البلاد.
إيران
امتنع نتنياهو في الخطاب من ذِكر أن الخطة النووية الإيرانية حققت اليوم أكبر تقدُّم في تاريخها، وبشكل مفاجئ، لم يطالب العالم بإيقافها. جرى التقدم الإيراني في أعقاب خروج الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، بدفع من نتنياهو الذي وقف ضد الاتفاق في خطابه السابق في الكونغرس في سنة 2015. وبدلاً من السعي للتوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة تُترجم إلى خطة استراتيجية وعملياتية، وتتماهى مع تصريحات أربعة رؤساء أمريكيين بالالتزام بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، ادّعى نتنياهو، بطريقة غريبة للغاية، أن إسرائيل تعمل على منع إيران من تطوير سلاح نووي، وأنها تدافع عن أمريكا.
هدد نتنياهو بأن جميع أعدائنا سيدفعون ثمناً غالياً إذا هاجمونا، وذلك بعد تبادل القصف مع الحوثيين لكنه لم يقترح أيّ طريقة لمنع مسار وحدة ساحات الأعداء الذين يعملون ضدنا. لا توجد لدى إسرائيل أيّ مصلحة في تشتيت عملياتها، أو مواردها العسكرية على سبع جبهات مواجهة، ومن الأفضل لها عدم الانجرار إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، يمكن أن تتدحرج إلى حرب كاملة في الشمال والشرق.
التطبيع و«حلف أبراهام»
فيما يتعلق بهذا الموضوع أيضاً، وزع نتنياهو شعارات، لكنه نسيَ أن يقول ما يجب القيام به من أجل تحقيق التطبيع – أي أن يوافق على فتح أفق سياسي لحل الصراع مع الفلسطينيين. هذا الالتزام لا يسمح له بن غفير وسموتريتش بالتكلم عنه. الفيلسوفة حنة آرنت قالت مرة إن «القوة تتحقق فقط عندما تتلاقى الكلمات والأفعال». في خطاب نتنياهو في الكابيتول، يوم الأربعاء الماضي، كان التجسير بينهما غير ممكن.
ويخلص يادلين للتأكيد مجددا على ما قاله منذ شهور عدة مرات بأن صفقة التبادل المطروحة على الطاولة هي الخطوة الأساسية الأخلاقية والاستراتيجية، التي يمكنها إخراج إسرائيل من المأزق الذي دخلت إليه. ويضيف «لكن يبدو أن ما يوجّه نتنياهو ليس الضمير الأخلاقي وقيمة إعادة الرهائن، ولا الاعتبار الاستراتيجي الذي يمكن أن يقود إسرائيل نحو التطبيع ويمنع حرباً متعددة الجبهات، ويدفع قدماً ببناء ترتيبات إقليمية ودولية في مواجهة إيران التي تزحف نحو القنبلة النووية. ولسوء الحظ، من الواضح أن البوصلة الوحيدة التي تقود نتنياهو هي البوصلة السياسية ونجاته الشخصية».
نتنياهو
ليس تشرشل
وحمل واحد من أبرز المؤرخين الإسرائيليين، بروفيسور بيني موريس، على نتنياهو وقال إن نتنياهو ليس تشرشل، بل هو أسوأ رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل. وقال موريس في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» نهاية الأسبوع إن رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي، الذي كان يبدو في الماضي شخصاً ذكياً، قال في مقابلة أجراها مع القناة 12 العبرية في 14/7/2024 «إن التاريخ سيسجل أن نتنياهو هو الشخص الذي نجح في تعزيز قوة إسرائيل». وعن ذلك يعقب موريس بالقول إنه على خلفية ما مرت به إسرائيل منذ السابع من أكتوبر حتى الآن، يبدو كلام هنغبي غريباً فارغاً، لا أساس له، ولا منطق. موريس الذي سبق وقال في مقابلة بارزة مع صحيفة «هآرتس» قبل ست سنوات إن إسرائيل لن تقوى على البقاء وأنها إلى زوال لعدة عوامل أهمها بقاء ملايين الفلسطينيين في البلاد يتابع في مقاله: «يبدو أنني أفهم بعض الشيء في كتابة التاريخ، وليس لديّ شك في أن التاريخ سيكتب في العقود المقبلة أنه أسوأ رئيسٍ للحكومة. من المعقول الافتراض أنه يسعى لتحقيق النصر المطلق على حماس في الأشهر المقبلة، كسبيل للحصول على مكانة جيدة في تاريخ شعبنا. لكن حتى لو تحقق النصر المطلق، لا أعتقد أن هذا سيغيّر حُكم التاريخ بصورة جوهرية. سيظل نتنياهو يحمل وصمة 7 أكتوبر، وكذلك زجاجات الشامبانيا التي حصل عليها نتنياهو كرشوة واتُّهم بالفساد، إلى الأبد».
الأكثر فساداً والأقل كفاءةً
ويوضح موريس أنه ليس لديه أدنى شك في أن التأريخ للحرب الحالية في المستقبل سيجد أن نتنياهو هو المذنب الأساسي، سواء عن التقصير الاستخباراتي، أو عن الأداء الفاشل للجيش في 7 تشرين الأول/أكتوبر وما بعده (مثلما تبين أن تشامبرلين مذنب في الهزيمة التي حدثت في نيسان/أبريل ـ أيار/مايو في بداية الحرب العالمية الثانية). ويخلص موريس للقول: «يمكننا الافتراض أن نتنياهو وأتباعه سيزعمون، دفاعاً عن أنفسهم، أن كتابة التاريخ (مثل الصحف) هي في قبضة اليسار الليبرالي، وأن هناك عدداً قليلاً من المؤرخين من اليمين. لكنني متأكد من أنه حتى المؤرخين من التوجهات اليمينية، سيجدون في المستقبل أن نتنياهو هو المسؤول والمتهم بإخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وبإضعاف إسرائيل وتقوية أعدائها. لا أعلم ما إذا كان (نتنياهو هو الرجل الأكثر حقارةً في تاريخ الشعب اليهودي): كما يقول المعلق الصحافي نحميا شتراسلر في كل أسبوع في «هآرتس» لكن لا شك في أنه الشخص الأكثر فساداً والأقل كفاءةً من بين زعماء دولة إسرائيل على مرّ التاريخ، هكذا سيحكم عليه التاريخ».