محمود درويش – بول ريكور
يقول الشاعر محمود درويش في كتابه «ذاكرة للنسيان» عن حصار بيروت سنة 1982: «أهناك ما يكفي من النسيان كي ينسوا؟». يبدو السؤال متصلاً بمدى قدرة الإنسان على النسيان، غير أن الأمر – حقيقة- مرتهن بالحدث أو الأحداث بما تحمله من أثر، كما التواتر الكمي لهذه الأحداث، وعنفها، وما ينتج عنها، وإذا كان درويش في كتابه قد تساءل عن إمكانية النسيان، وتحققه قياساً على ذلك الزمن فإننا بحاجة لأن نتأمل لو كان درويش حاضراً الآن ليرى أن النسيان لم يعد متاحاً، أو مستساغاً، أو حتى مقبولاً.. فالتخلص من ذاكرة الألم بات مستحيلاً، ولاسيما حين يكون الألم بهذا الحجم، إذ لا يمكن للنسيان أن يتخذ مساره… إنما ستبقى الذاكرة قائمة وحاضرة، أو مشغولة بالألم، بل ستعيد موضعة المعنى منه، كما ثمة الكثير مما سوف ينتج عن تعلق هذه الذاكرة بفيوض من الأسئلة عن حقيقة عدالة هذا العالم، وهو يرى تصفيق الكونغرس لسفاح القرن الواحد والعشرين.
لطالما شكّلت قضية الذاكرة موضوعاً مركزياً في السّرديات المتصلة بالاستعمار، كما النزاعات، مع ما يتصل بذلك من نواتج وتداعيات نفسية تندرج تحت ما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة، غير أنّ الذاكرة الفلسطينية تمرست بالألم، والصدمة… فالقضية لا تتصل بالتداعيات التي تخلفها الحروب، وتموضعها في الذاكرة فحسب، ولاسيما حين تكون الأثمان عالية جداً، إنما المتأمل في وقائع الأرقام سيُدهش من هول أعداد الضحايا والقتلى، الذين تخلّفهم الحروب، مع التذكير بقدرة البشر على التعافي من آلام تلك الحروب، لكن يبقى السؤال كم نحتاج كي نتجاوز آثار هذه الحروب، بالتوازي مع القدرة على بناء قيم جديدة يحضر فيها التسامح، وهل يمكن أن يتحقق ذلك قياساً على تجارب سابقة في التاريخ بعد أن انتهت الحروب، وحل السلام؟
لقد بحث أكثر من دارس في جدلية التسامح والمغفرة، ومنهم بول ريكور، وجاك دريدا، وزيجمونت باومان… وهم مجتمعون يعدّون نتاج ثقافة أحدثت أكبر قدر من الضحايا في القرون المنصرمة الأخيرة، وبين ثنايا الحروب لم يتوقف البشر للحظات عن إنتاج الضحايا، كما هو ديدنهم منذ بدء الخليقة، حيث قتل ملايين البشر بكل أحلامهم وقصصهم، بل تلاشوا من هذا الوجود تحت عنوان واحد، هو السيطرة والهيمنة، غير أنّ النسيان ليس قرين الحروب دائماً، فقد كانت المحرقة عصية على النسيان، ومن أجل ذلك أحدثت لها المتاحف، غير أن الضحايا يسهمون الآن بمحرقة جديدة، والأداة لم تختلف كثيراً، فالسلاح الغربي يبقى قاسماً مشتركاً بين الماضي والحاضر، غير أن ما يختلف أن محرقة القرن الواحد والعشرين تقع الآن على مرأى من العالم الذي أدان المحرقة الأولى… كما أن المحرقة الجديدة يشهدها الأخوة في الدين والثقافة والعرق، وهكذا يبقى الشهود جزءاً من عين المعادلة، غير أنّ دوافع القتل تعدّ جزءاً من ثقافة القاتل.
ولعل من أشد الحروب التي لا يمكن تجاوزها تلك التي تنهض على نفي وجود الآخر، بمعنى التصفية المادية والمعنوية، وهي التي أدركتها البشرية، ومن أجل ذلك وصفتها بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، كما التي تمارسها دولة الكيان لتكون تعريفاً واقعياً لها.
إنّ المتأمل في دوافع الحروب، يمكن أن يختزلها في عامل الهيمنة والسيطرة القائم على تحقيق الاستحواذ، فهل يمكن أن نعدّ العامل الاقتصادي -أيضاً- محركاً للتاريخ ضمن رؤية ماركسية، لا يمكن أن نتجاهلها بأي حال من الأحوال. إن السيطرة تكمن بتحقيق أكبر قدر من المكاسب التي تتطلب بالمقابل حرمان الآخر، مع نفي قيم المشاركة، على الرغم من أنها قابلة للتحقق ضمن رؤية طوباوية، بيد أنها لا تصمد طويلاً أمام جشع الإنسان الذي حاربته الأديان السماوية كافة، كما الوضعية، بالتوازي مع عوامل تتصل بالصراعات الدينية والعرقية، التي تنهض على قيم الإقصاء، وتأجيج الكراهية، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الحروب حين تنتهي فإننا نحتاج إلى وقت كي نتعافى منها على مستوى الذاكرة، ويمكن أن نقرأ في التاريخ نماذج كثيرة، ومنها بالحروب الكونية التي قدمت درساً للدول الغربية بأهمية تجاوز الحرب، ونسيانها، بالتوازي مع بناء كيان تشاركي يتوجه نحو الخارج في تأكيد على جدلية الصراع الدائم، الذي بدأ قبل ذلك، ونعني سلسلة تشكيل ذاكرة الموت لدى الآخرين بعد تجربة استعمارية طويلة، ويمكن أن نضيف الكثير من الحروب بين الدول، كما الحروب الأهلية التي سوف تنتهي في يوم ما… لكن هل يمكن الجزم بأن نسيان الحرب، وفظائعها قد ينتهي مباشرة؟ أم أننا سوف نحتاج إلى شيء من الوقت، أو ربما إلى جيل جديد لم يعرف حروباً، لكنه يعي أنه فقد الكثير من أسلافه فيها، وعلى الرغم من ذلك فإنّ دولة الكيان الصهيوني لم تترك جيلاً فلسطينياً ينجو من ذاكرة الحروب والقتل والتهجير.
لا شك في أن الحروب قد تنتهي بنفي أسبابها بغض النظر عن المنتصر والخاسر، فهي في النهاية تنهض على شيء من الاعتراف المتبادل بوجود الآخر، أو الطرفين، وإذا ما انتهت الحرب ببقاء الهيمنة فإن الحرب حقيقية، ستعود لأن العامل الأساسي ما زال قائماً، أو بعبارة أخرى لن تنتهي الحروب إلا باسترجاع الحق، في حين ثمة شعوب قد تميل للمهادنة، غير أن الفلسطينيين من الشعوب التي لن تتوقف إلا باسترجاع حقها، كما لن تقبل الاستسلام أو الهزيمة، كون ذاكرتها قد امتلأت بالألم الذي اتخذ شكلا تراكمياً.
ولعل من أشد الحروب التي لا يمكن تجاوزها تلك التي تنهض على نفي وجود الآخر، بمعنى التصفية المادية والمعنوية، وهي التي أدركتها البشرية، ومن أجل ذلك وصفتها بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، كما التي تمارسها دولة الكيان لتكون تعريفاً واقعياً لها، وهذه الحرب تعدّ من أشدّ الحروب امتداداً في التاريخ، إذ لم تتوقف يوماً على مدى ستة وسبعين عاماً، وفي الأشهر الأخيرة اتخذت هذه الحرب المدى الأكثر دموية بمعدل قتل مرتفع، حيث أغلب الضحايا من المدنيين، ولاسيما من الأطفال والنساء.. إنها الحرب التي يعيها العالم أو سوف يتذكرها بوصفها حرباً ضد الأطفال، ومع ذلك، فإن ادعاءات الحمقى بأخلاقية هذا الكيان، وديمقراطيتيه ما زالت تروج هنا، وهناك، بل ما زال هناك من يصرون على أن يبقوا على سلامهم مهادنة لهذا الكيان، على الرغم من تصريحات قادة هذا الكيان التي تنص على رفض أسس السلام، غير أننا مصرون على سلامنا معه، مما يعني كما سبق- أن ذكرت في مقالات سابقة- أو لعلي أختزل المعنى بمقولة للروائي الإسباني جورج سانتايانا صاحب رواية «البيوريتاني الأخير» حين قال: «أولئك الذين لا يستطيعون تذكر الماضي محكوم عليهم بتكراره» ولا أعتقد ان تكرار تجاهل الوقائع ما هو إلا دلالة على عدم قدرة العرب على التعلم من التاريخ أو تذكر الماضي، في حين أن حنة أرندت، ترى أن النسيان وعدم التفكير في الأفعال قد يؤدي إلى المزيد من الشرور حيث قالت: «الشر هو في جوهره نسيان تام للتفكير».
كاتب أردني فلسطيني