جدعون ليفي
ما الذي يبعث هذا القدر من الصدمة لدى الاسرائيليين في سلوك نواب كديما؟ ما الذي توقعوه بالضبط، حين صوت بضعة آلاف منهم لصالحه؟ هل أغراهم حقا التفكير بأنهم يصوتون لسياسة جديدة ولسياسيين جدد؟ هل حقا فكروا في الايديولوجيا في سياق حزب وسط؟ ما الذي توقعوه من حزب يضم في قائمة واحدة يوليا شموئيلوف بيركوفيتش القومية المتطرفة ونينو أبسدازا اليسارية؟ أولم يلاحظوا الخدعة؟ واذا كان هكذا فانهم يستحقون الحصول على كديما كما تستحق اسرائيل الحصول على وهم عابث متحطم من حزب الوسط.
آفي دوان ليس مذنبا في شيء، ومثله ايضا الأهم منه، شاؤول موفاز، حاييم رامون وتساحي هنغبي. يجدر بالذكر بأن مشروع كديما نفذه عظام وأخيار حتى من اولئك، شمعون بيرس وحتى اريئيل شارون، بما في ذلك تسيبي لفني، فلماذا ننزل باللائمة الآن على الهوامش. فهم فعلوا ما يفعله الناس دوما في السياسة الاسرائيلية بشكل عام وفي احزاب الوسط بشكل خاص منذ عهود البراءة لرحاميم كلانتر وبشكل عام.
مذنبون هم من يُغرون على التصديق بأن هذه المرة، ها هي هذه المرة، سيكون هذا مختلفا. مذنبون هم اولئك الذين المرة تلو الاخرى يعطون اصواتهم لاحزاب كل شيء، التي هي احزاب فراغ ولا شيء؛ لاحزاب الوسط على أجيالها، من داش وحتى كديما، عبر حزب الوسط وشينوي والتي هي الخدعة الأكبر في السياسة الاسرائيلية.
كلها تُرصع دوما بالجواهر، بالنجوم الكبرى واللامعة وتتحطم هذه على الفور وتنطفيء. قوائمها تغلف دوما بالسوليفان المزين واللامع للافكار الجديدة، الطريقة الواعدة والايديولوجيا على الموضة، وهذا السوليفان هو ايضا يتمزق على الفور. ولكن المخترع الاسرائيلي الذي يعاقب كل مرة سياسيين معينين لا يعاقب السياسة أبدا. خطؤه يتكرر أبدا. المقترع الاسرائيلي هو الذي يُنبت منذ سنين كل هذه المهازل، والسياسة الاسرائيلية لم تصل الآن الى أي ‘درك جديد’ كما دُرج على القول الآن؛ فلا جديد تحت شمسها.
الدرك الجديد يأتي بالذات من جهة الجمهور: قبل ان تهدأ أصداء هذه المهزلة، تتجسد لها المهزلة التالية. هذه السرعة هي الدرك الحقيقي: نحو نصف مقترعي كديما باتوا يقولون منذ الآن في الاستطلاعات انه في المرة التالية سيصوتون لـ… يئير لبيد. المحللون هم ايضا متفقون: لبيد هو الرابح الأكبر من تحطم كديما.
فهل يمكن التصديق؟ هل توجد نكتة بائسة وهزيلة أكثر من هذه؟ ما لم يفلح في عمله يغئال يادين، امنون لبكين شاحك ويوسف لبيد، سينجح في عمله ابن الأخير، نسخته الشاحبة. لبيد لم يقل شيئا واذا به منذ الآن المنتصر القادم. وهذا مُضنٍ أكثر بكثير من سلوك الجالسين على المقاعد الخلفية في كديما.
يبكون ويطلقون النار، الاسرائيليون يحبون الهزء بسياستهم والاشمئزاز منها، وبعد ذلك هم (مرة اخرى) يذهبون للتصويت للوسط. في الساحة السياسية التي أصبحت مع السنين شوهاء، مشوشة الحدود، والفوارق بين معظم عناصرها طفيفة، منذ سنين لم يُطرح فيها حتى ولا بارقة فكرة جديدة، مقوضة أو على الأقل بديلة، اذا كان فيها أفكار فهي فقط تسير مع السنين يمينا يمينا الوسط هو يمين مع قناع.
للبرجوازيين الطيبين وللاسرائيليين من وسط الطريق ليس مناسبا التصويت لليكود، وبالتالي فانهم يصوتون لليكود المتخفي. لليساريين المزعومين، الذين هم بالطبع يؤيدون الدولتين (ولكن ليس هنا وليس الآن)، ليس مناسبا التصويت لحزب يسار حقيقي، وبالتالي بانهم يصوتون للوسط. أهلا وسهلا الى بسطة الأوهام الكبرى: شبكة واحدة (كديما) أُغلقت، واذا بها تنفتح الشبكة اللامعة الجديدة (يوجد مستقبل). ولكن لا، لا يوجد مستقبل. موفاز سيُنسى، هنغبي سيغرق، وربما، لا سمح الله، داليا ايتسيك ايضا ستختفي، ولبيد سيأتي بدلا منهم. ومرة اخرى ستتناثر الوعود، وستتطاير مرة اخرى الاسماء، ومرة اخرى سيسقط الاسرائيليون في الفخ الذي نُصب أمامهم ومرة اخرى سيصوتون للامر التالي، الذي لم يسبق له ان كان لنا. وبعد ذلك يتظاهرون بأنهم مصدومون.
هآرتس – 26/7/2012