محمد بزيان في حديث لنا سابق قبل أسابيع تحت عنوان ((المعضلة السورية)) حاولنا حصر العقد أو الإشكالات التي صعبت إلى حد كبير إنهاء الصراع في سوريا. وذكرنا من بين العقد موقف روسيا المساند للنظام القائم في دمشق. ذلك أن روسيا تورطت مع نفسها في مساندة نظام بشار الأسد، بحيث لم تعد قادرة على الخروج من المستنقع الذي وقع فيه هذا النظام، ومحاولتها انتشاله منه بعد هذه المجازر المتتالية التي صار ارتكابها نهجا متبعا يسلكه النظام الذي قرر تدمير كل ما على التراب السوري من بشر وشجر وحجر بما توفره له روسيا من حماية سياسية ودبلوماسية وبما تمده من سلاح وذخيرة. لدرجة أن تكونت قناعة لدى البعض فاعتبر روسيا شريكا في ما يجري من مجازر. وبالنتيجة أصبحت روسيا تبدو في نظر هذا البعض دولة كبرى خارجة عن المجموعة الدولية. وأن موقفها مبني أساسا على ((المكابرة)) وليس على العقلانية وروح المسؤولية في معالجة المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري. ولعله من المفيد في هذا السياق أن نحاول فهم الموقف الروسي وخلفياته باعتباره بقي حتى الآن عقبـة كأداء في طريق وضع حد للفظائع المقترفة في حق الشعب السوري على يد نظام دخل عالم الجنون فلم يعد يعي ما يفعل.
وعليه كي نستطيع فهم الموقف الروسي، ثم بعد ذلك نحاول تقييمه، علينا أولا إدراك بعض الخلفيات الأساسية. أهمها أن الموقف الروسي هو رد فعل على الموقف الغربي. وهو من جهة أخرى ارتداد لما تعرض له النظام الدولي لما يشبه الزلزال في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا النظام مازال يبحث له عن توازن واستقرار أو قل هو يحاول البحث عن قواعد يستطيع أن يقوم عليها وتحكمه على مدى سنوات عديدة مقبلة. ولذلك كانت ((المسألة السورية)) محـل صراع حاد بين روسيا والغرب خاصة. فأخذ كل طرف يسعى إلى فرض إرادته بصورة ما، واضعا مصلحته أولا. بغية تحقيق مكاسب أو مواقع على خريطة النفوذ التي أخذت تتضح معالم حدودها مع بداية الربيع العربي. وظهر فيها نفوذ روسيا ينحسر خارج جغرافية سوريا وإيران. ومن الطبيعي والحال هذه أن تشعر روسيا بالقلق جراء تمدد النفوذ الغربي في المنطقة ليمتد إلى أفغانستان التي أعلنت بشأنها الوزيرة كلينتون أخيرا بأنها ((دولة حليفة خارج الحلف الأطلسي)). وكما ترى فإن موقف روسيا من الثورة السورية نابع من نظرتها إلى أن الغرب الذي يسعى إلى توسيع دائرة نفوذه في المنطقة على حسابها. أما موقف الغرب فنابع من نظرة تقوم على أساس نشر الديمقراطية القائمة على النظام التعددي ديمقراطية تخدم مصالحه بطبيعة الحال. وما الثورة السورية بالنسبة له سوى حلقة في سلسلة الثورات العربية التي توجت كلها حتى الآن بإقامة نظم تعددية. لم يحلم في يوم من الأيام بأن يرى عالما عربيا يحتل قلب العالم القديم يتحول بسرعة مدهشة وبخطوات تبدو ثابتة نحو تغيير يحدث من الأسفل ضد الأحادية والاستبداد باتجاه التعددية والديمقراطية بأقل كلفة ممكنة، إذا استثنينا الحالة الليبية.
إن الصراع في سوريا لسوء حظ الشعب السوري يخفي صراعا بين قوى الاستكبار العالمي على حد تعبير الإيرانيين. وقد عبر المبعوث الآممي السيد كوفي عنان بدقة حينما وصف الخلاف بين الغرب وروسيا حول المسألة السورية بقوله ((التنافس الهدام بين الغرب وروسيا..)). عندما نحاول النظر إلى مجريات الأحداث في سوريا وإلى موقفي الطرفين الروسي والغربي منها ومدى تماسك كل منهما، فإننا نجد اختلالا في الموقف الروسي. حتى وإن حاولنا النظر إلى المسألة من زاوية النظرة الروسية. فالموقف الروسي مثلما يبدو لنا غير متماسك بحيث نلاحظ وجود ما يمكن اعتباره خطأ في الوسيلة وفي الهدف. فمن حيث الوسيلة، روسيا تتمسك وبكل إصرار بنظام فقد مبررات استمراره بعد أن أخرج دباباته وكل أسلحته الثقيلة لقتل شعبه وتدمير مدنه وإضرام النار في بيوت مواطنيه وحقولهم! إن مساندة مثل هذا النظام سياسة تنطوي على خطأ فادح. بعبارة أخرى هذا الموقف يفتقر إلى كل المبررات الشرعية والأخلاقية وبخاصة بالنسبة لدولة كبرى تقع على عاتقها كغيرها من الدول الكبرى الأخرى مسؤولية الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين. وإذا كان وزير خارجية روسيا صرح يوما بأن بلاده تدافع عن احترام مبادئ القانون الدولي الذي لا يسمح بالتدخل في شؤون الدول فهذا أمر مقبول ويستحق الثناء. لكن إذا تعلق الأمر بأعمال القتل الذي يطال المدنيين من الأطفال والنساء فإن مبدأ عدم التدخل يفقد معناه لأن حق الإنسان في الحياة مقدم على غيره من الحقوق. فليس معقولا أن تبقى المجموعة الدولية تتفرج على ما يقترف من مجازر على يد طغمـة كأنها ليست من بني آدم وإنما جاءت من كوكب آخـر فجعلت تدمر كل ما على أديم الأرض التي يقيم عليها شعب هو جزء من الأسرة الدولية مثلما. كان في إمكان روسيا أن تطلب من الأسد التنحي مثلما فعلت الولايات المتحدة مع حليفها حسني مبارك. كان مثل هذا الطلب كفيلا بأن يشعر بشار الأسد وزبانيته بأن سياسة القمع مرفوضة ولن تجديه نفعا. ولن توفر حماية لنظامه. وبذلك كان من يمكن تجنيب الشعب السوري ما تعرض له من مجازر.. ومن الضروري الإشارة إلى أن هناك تقصيرا فادحا من جماهير الأمة في النهي بالكلمة عما يتعرض له الشعب السوري من مذابح. إنه لمن المحزن أن لا تتحرك جماهير الأمة فتخرج في مظاهرات احتجاجا وتنديدا بما يتعرض له الشعب السوري من ذبح كما تذبح الخرفان أو أسوأ من ذلك. لأن الخرفان تذبح وفقا للأوامر الشرعية، فلا تطعن ولا تنحر بغير الحاد ولا يسفح دمها على مرأى من أمهاتها وأخواتها من البهائم. بينما يقتل أطفال سورية على مرأى من أمهاتهم وإخوانهم. يحدث هذا والأمة شعوبا وحكاما ينظرون ويأكلون حتى التخمة وينامون ملء الجفون. لو تحركت الشعوب في مظاهرات منــددة بالقتلة وبمن يقف وراءهم ممن حولوا الدم السوري إلى أوراق يساومون بها في سوق المصالــح بدلا من لغة التأسف والتوسل وانتظار مجلس الأمن ومبعوثه، لأحس هؤلاء أن مواقفهم المخزية تسخط الأمة وتغضبها. ولغيروا حينها من مواقفهم وسياساتهم قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. ويتم تدمير أقدم مدينة وأعرقها دمشق بالمروحيات والدبابات ويدفن سكانها تحت أنقاضها.. أما من حيث الهدف وهو المحافظة على استمرار العلاقة الحسنة بينها وبين سوريا فالأمر يقتضي قيام هذه العلاقة على أساس وجود مشاعر صداقة لدى الشعب السوري نحو روسيا. أما محاولة إقامة صداقة متينة بالاعتماد على رعاية مصلحة الحكم غير الشعبي فسياسة غير منتجة.. فالنظرة السليمة التي نرى أنها غائبة في الموقف الروسي من الثورة السورية فهي ظن روسيا أن سقوط النظام القائم الآن في سوريا. ومجيء نظام جديد يعني أنها خسرت سوريا تماما وانقطعت العلاقة الحسنة معها. بينما الواقع لن يكون بهذه الصورة المتوقعة. إلا إن أرادت روسيا نفسها ذلك مثلما تفعل الآن بسياستها المتبعة حاليا تجاه الشعب السوري. أما غير هذا فإن الواقع سيفرض على أي قيادة في دمشق أن تكون علاقتها بموسكو حسنة ومتينة. أولا بسبب عمق العلاقة بين الشعبين والدولتين التي مرت عليها فترة زمنية طويلة. وثانيا بسبب ((الضرورة)) كذلك. إذ لا يمكن لسوريا أن تستغني عن إقامة علاقة قوية مع روسيا في ظل وقوف الغرب وانحيازه إلى إسرائيل المحتلة. وخلاصة القول إن الدفاع على نظام دموي خطأ يرتكب وأن السعي إلى الصداقة المتينة مع الدول تقتضي إيجاد روابط التواصل بين الشعوب بحيث تجد هذه الشعوب ضرورة تدفعها إلى التقارب والتفاهم مع غيرها. ونعتقد أن بشار الأسد ونظامه هو من يعمل اليوم على تقويض علاقة الصداقة مع روسيا. ومن المفارقات العجيبة التي يأتي بها التاريخ أحيانا. أن الثورات في القرن الماضي على الاستعمار أو الاحتلال كانت تزعج الغرب وترضي الشرق، أما الثورات على الاستبداد اليوم فتزعج الشرق وترضي الغرب على الرغم من أن هدف الثورات واحد في الحالتين وهو سعيها إلى الحرية. وبنظرة ربما أكثر عمقا نجد أن الموقف الروسي يتجه إلى معالجة المسألة في الظاهر أو النتيجة وليس في اللب أو السبب. ونحن على قناعة لو أن القيادة الروسية أعادت النظر في تصوراتها لغيرت موقفها. وإن كان ذلك صعبا عليها لأسباب ذاتية لكن ليس مستحيلا. خلاصة القول إذا كان النظام المستبد والمتعنت في دمشق قد أوصل البلد والمنطقة إلى أبواب المجهول. ووضع نفسه في ورطة فإن القوى الدولية هي أيضا في موقف لا تحسد عليه بسبب الموقف الروسي الذي تمسك إلى آخر لحظة بنظام مجنون فجره معه إلى حافة المجهول..