الأمم المتحدة- “القدس العربي”:
في لقاء مع الصحافيين المعتمدين بالأمم المتحدة من القدس المحتلة عبر الفيديو، قال أندريا دي دومينيكو، مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، إن ما شاهده في غزة والضفة الغربية في الشهور العشرة الأخيرة عبارة عن “تجريد منهجي للإنسانية” ضد المدنيين إضافة إلى الإرهاق الجسدي والنفسي المطلق الذي أصاب كل سكان غزة.
وقال في لقائه الذي وصفه بأنه الأخير من فلسطين المحتلة بعد خمس سنوات ونصف من العمل بعد أن رفضت إسرائيل تجديد تأشيرته، “إن سكان غزة حرموا من مجرد التفكير فيما قد يحمله الغد لهم ومع هذا كانوا يبتسمون لكن ابتساماتهم يحيط بها إطار من الحزن الدفين”. وأضاف قائلا إن قطاع غزة أصبح مقبرة للأطفال كما قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
وردا على سؤال “القدس العربي” حول عدم تطرقه لمعاناة آلاف المعتقلين الفلسطينيين وخاصة في مراكز الاعتقال في غزة والتعذيب الذي يتعرضون له قال دي دومينيكو: “لم أتكلم عن المعتقلين لأنني لست الأكثر تأهيلا في هذا الموضوع. لقد أصدرت المفوضية العليا للاجئين مؤخرا تقريرا حول المعتقلين ومعاناتهم، فهم أكثر معرفة مني في موضوع هو من اختصاصهم”. وأضاف: “ومع هذا أتفق معك في أن أوضاع هؤلاء المعتقلين، كما سمعتها من عدد من المعتقلين الذين أطلق سراحهم وقد تحدثت أكثر من مرة مع هؤلاء، صعبة للغاية لكني سأترك التفاصيل إلى تقرير مفوضية اللاجئين”.
وردا على سؤال آخر لـ “القدس العربي” حول رسالته الأخيرة وماذا يمكن أن يطلق على الأوضاع التي شاهدها خلال الشهور الأخيرة غير أنها حرب إبادة، قال أندريا دي دومينيكو: “كنت أفكر اليوم ما هي الرسالة التي أريد أن أتركها خلفي وأنا أغادر المنطقة. إن رسالتي هي: يجب ألا يكون أي إنسان محصن ضد الرعب والعنف وهذا ما يجري الآن، ففي بداية الحرب عندما كنا نعلن عن مقتل عشرين شخصا مثلا يكون الرد مرعبا على الضحايا وكنا نتعرض للصدمة. لكن مع مرور الأيام أصبحت مثل هذه الأحداث يومية وبدأ الناس يعتادون عليها. يجب ألا نقبل هذا. ورسالتي: لا تتعودوا على عدم التأثر بسقوط الضحايا ومعاناة الناس من ويلات الحرب”.
وقال إنه لأمر خطير أن يصبح هو وزملاؤه ومنظمات المجتمع المدني والموظفون المحليون الذين كانوا دائما على الخطوط الأمامية محصنين ضد الرعب. وأضاف: “لا يجوز لنا أن نسمح بحدوث هذا. ولا أستطيع أن أشرح هذا لأطفالي. ما هي مصداقيتنا كأمم متحدة وكمجتمع دولي عندما نحاول تعزيز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في أماكن أخرى، وفي سياقات أخرى، بعد هذه الصفحة المظلمة التي نشهدها في غزة”.
وأعرب السيد دي دومينيكو عن القلق بشأن الغضب المتزايد ضد إسرائيل، وهو الأمر الذي قد يوقظ القوى المظلمة التي يمكن أن تغذي معاداة السامية. وأكد أن الأمم المتحدة تواصل دعوة جميع القادة للتحدث ضد معاداة السامية والتعصب ضد المسلمين وخطاب الكراهية من جميع الأنواع، والذي لم يسفر إلا عن تعزيز الوصمة والتهميش.
وأكد دي دومينيكو أنه ما زال يريد التمسك بـالأمل، مستشهدا ببرنامج العودة إلى التعلم الذي أطلقته الأونروا الخميس. وأضاف: “لقد حاولنا وسنستمر في المحاولة لاختراق ستار الضباب الذي خيم على غزة”. ودعا إلى السماح للصحافيين الدوليين بدخول غزة، فضلا عن ممثلي الدول الأعضاء، مضيفا: “عند تنفس الغبار وروائح الظروف المعيشية في غزة، سيدرك العالم ماذا يحدث هناك”. ودعا مدير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى وقف فوري لإطلاق النار مؤكدا أنه لا يمكن إقامة سلام دون عدالة، مضيفا: “باسم الإنسانية، نحن بحاجة إلى وقف لإطلاق النار والتوصل إلى سلام دائم ليس لشعبي فلسطين وإسرائيل فحسب، وإنما أيضا لنا ولكم جميعا كبشر”.
وقال مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة إنه من المصادفة أن يقدم إفادته للصحفيين في هذا الوقت المحزن للغاية حيث يكمل الصراع 300 يوم. وأشار إلى أوامر الإخلاء في غزة التي أدت إلى نزوح المزيد من الناس، وتشمل مناطق أعلنتها إسرائيل بشكل أحادي مناطق إنسانية آمنة. وذكّر بأن خسائر الحرب في ازدياد حيث قتل أكثر من 39,000 شخص في غزة، وأصيب أكثر من 91,000، فضلا عن نزوح 1.9 مليون شخص – وهو ما يمثل 90 في المائة من سكان القطاع. وأشار أيضا إلى وجود 115 “رهينة إسرائيليا” في غزة. وأضاف دي دومينيكو: “في هذه البيئة، نقوم بالكثير. فنحن نوفر للناس المياه والطعام والخيام والملابس والمشاعل والمكملات الغذائية ومبالغ نقدية. ونجهز المستشفيات بأسِرة وأدوية ووجبات غذائية ونسهل الإخلاء الطبي”.
وتحدث دي دومينيكو عن الوضع في الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، حيث تم التحقق من مقتل 572 فلسطينيا منذ ذلك الوقت، بمن فيهم 141 طفلا، ومعظم هؤلاء أصيبوا برصاص القوات الإسرائيلية وبعضهم قتل على أيدي المستوطنين. وأشار إلى استمرار عمليات الهدم هناك، والتي باتت منتشرة وتؤثر على منازل موجودة في مناطق لم يتم المساس بها لسنوات. وقال: لقد هدم أكثر من 1300 مبنى، 39 في المئة منها كانت مأهولة بالسكان، مما أدى إلى نزوح ما يقرب من 3,000 شخص.
وتطرق دي دومينيكو إلى عنصر آخر مثير للقلق وهو عمليات التفتيش والاعتقال التي صارت أكثر تواترا. وأشار إلى مصدر قلق آخر وهو أن سلوك القوات الإسرائيلية أصبح أكثر عدوانية، “حيث يتم إيقافنا بشكل منهجي عند نقاط التفتيش، ويطلبون من الموظفين النزول من السيارة، وإخراج المفاتيح، والتحقق من هوية كل موظف على حدة. ويبدو أن هذا، للأسف، اتجاه متزايد”. وقال إنه بعد مرور عشرة أشهر، لا يستطيع معظم موظفي الأمم المتحدة المحليين دخول القدس الشرقية بسبب عدم وجود تصاريح، فضلا عن مسألة التأشيرات التي باتت مشكلة للمنظمات غير الحكومية الدولية في الضفة الغربية.