وسط ظروف شديدة الاضطراب جيوسياسيا في منطقة الشرق الأوسط، حصلت مصر أخيرا على شهادة صلاحية للحصول على دفعة جديدة من قرض التسهيلات الائتمانية الممددة المعدل، بقيمة 820 مليون دولار تقريبا بعد جدل استمر عدة أسابيع، بسبب خلافات على تقييم الأداء الاقتصادي للحكومة المصرية خلال الأشهر الأخيرة. القرض نفسه زادت قيمته من 3 مليارات دولار عند الموافقة عليه في أواخر عام 2022 إلى 8 مليارات دولار في شهر اذار/مارس الماضي، بعد أن تمكنت الحكومة من عقد صفقة تاريخية مع دولة الإمارات تبيع بمقتضاها أراضي منطقة رأس الحكمة مقابل مبلغ نقدي يصل إلى 35 مليار دولار، إضافة إلى حصة من عائد الاستثمارات في المنطقة. الموافقة على الشريحة الأخيرة من القرض تفتح الباب أمام حكومة مصر أيضا للتقدم إلى الصندوق للحصول على قرض جديد ميسر طويل الأجل بقيمة 1.2 مليار دولار من حساب آلية بناء الصلابة الاقتصادية وزيادة القدرة على التحمل، نظرا للظروف الجيوسياسية والبيئية الصعبة التي تترك آثارا سلبية. على سبيل المثال خسرت مصر خلال الأشهر الأخيرة أكثر من نصف إيراداتها من قناة السويس بسبب توتر الملاحة في البحر الأحمر. ويعود هذا التوتر إلى قرار أصدرت حكومة أنصار الله اليمنية (في الشمال) بحظر مرور السفن الإسرائيلية وسفن الدول الحليفة لها من مضيق باب المندب في أي من الاتجاهين.
وقد استفادت الحكومة من التقدم الذي أظهرته الإحصائيات في مكافحة التضخم، وتخفيضه طبقا للأرقام الرسمية من أكثر من 35 في المئة إلى حوالي 27 في المئة مع مؤشرات ترجح تراجعه إلى أقل من 25 في المئة خلال السنة المالية الجديدة التي تنتهي في آخر شهر حزيران/يونيو المقبل. الأكثر من ذلك هو أن الحكومة تؤكد أنها على الطريق إلى تخفيض معدل التضخم إلى رقم واحد يتراوح بين 7 إلى 9 في المئة قبل نهاية برنامج القرض المستمر الذي من المقرر أن ينتهي في تشرين الأول/أكتوبر عام 2026. ويستعمل خبراء صندوق النقد الدولي عددا من المعايير المحددة سلفا لتقييم أداء الحكومة الاقتصادي، منها مدى تحقيق استقرار في السياسات النقدية والمالية والاجتماعية خلال فترة ما بين المراجعات المقررة للصندوق. وعادة تكون ملاحظات الخبراء أساسية في تحديد ما إذا كانت الدولة المقترضة مؤهلة لتسلم الشريحة التالية من القرض، وما إذا كانت سياستها النقدية والمالية والتجارة والاجتماعية إيجابية في الاتجاه الصحيح، الذي يعزز تحقيق الأهداف المتفق عليها في الاتفاق. وتتضمن المؤشرات الإيجابية زيادة الفائض الأولى في الميزانية، وارتفاع قيمة احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وتخفيض التضخم، إضافة للالتزام بتخفيض الانفاق العام بما في ذلك الإنفاق الاستثماري على المشروعات المركزية، التي بدأت الدولة إقامتها ولم تتم بعد. حصول مصر على هذه الدفعة من قرض الصندوق من شأنه أن يرفع درجة ثقة المستثمرين، ومؤسسات التصنيف الائتماني، من ناحية الإقبال على الاستثمار في الجنيه المصري، ومن المحتمل أن تعيد مؤسسات التقييم الائتماني الرئيسية درجة التصنيف الائتماني لمصر من درجة (-B) الحالية، حيث أن التقييم الحالي على هذه الدرجة يقع داخل المستوى الموجب.
ومع ذلك فإن السوق بشكل عام لا يمكن أن تتجاهل أسباب الجدل الذي أدى لتأخير الموافقة على تقرير الخبراء إلى الاجتماع الأخير لمجلس المديرين في الشهر الماضي، بعد أن كان من المتوقع أن يتم في النصف الثاني من حزيران/يونيو. ويعود أهم أسباب هذا الجدل إلى أن الأساس المفهومي الذي يقوم عليه هذا القرض هو أنه «قرض للإصلاح الهيكلي» وليس لمجرد تقديم تمويل للمساعدة على تحقيق الاستقرار المالي. ويعني الإصلاح الهيكلي هنا تحرير نظام سعر الصرف، وتعديل طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق، وإطلاق قدرات التنمية الكامنة في القطاع الخاص، وإعداد ترتيبات مالية كافية لتعويض الفئات الفقيرة على تحمل آثار الإصلاحات الهيكلية في الأجل القصير والمتوسط. وتعاني السوق من ظواهر احتكارية أو شبه احتكارية لشركات تابعة مباشرة للدولة، أو أجهزتها التي يطلق عليها مصطلح «الأجهزة السيادية» تتطلب الإسراع في تنفيذ برامج الخصخصة. وطبقا للجدول الزمني المتفق عليه بين الحكومة والصندوق فما تزال هناك التزامات مشروطة بالمراجعة الثالثة لم تتحقق بعد، وهو ما أثار قلقا كبيرا لدى مجلس المديرين. ويشمل ذلك شروط الإفصاح والشفافية المرتبطة بمتابعة أداء الموازنة العامة للدولة، وتقارير الحسابات العامة المتعلقة بتدقيق الإنفاق العام، والتعديلات القانونية المطلوبة لتحقيق ما يسمى «الحياد التنافسي» أي ما يتعلق بتوحيد نظم ومعايير المعاملة الحسابية والضريبية والقانونية للشركات في مجموعها، بصرف النظر عما إذا كانت مملوكة للدولة أو للقطاع الخاص. ومع استمرار التضخم عند مستواه الراهن كما هو معلن رسميا عند 27.25 في المئة، مترافقا مع متوسط سعر الإيداع لدى للبنك المركزي لليلة واحدة عند 27.25 في المئة، فإن العائد الحقيقي على الاستثمار في الجنيه يساوي صفرا، وهو ما لا يبرر تدفقات الأموال الساخنة إلى مصر للاستفادة من ارتفاع سعر الفائدة الحقيقي، حتى إذا قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيض نسبة العائد على الاستثمار في الدولار الشهر المقبل. وهناك تقارير تشير إلى تخارج نسبة تزيد عن 10 في المئة من الأموال الساخنة التي تدفقت على مصر بعد صفقة رأس الحكمة. هناك مشكلة أخرى تتصل بالعلاقة بين الحكومة والبنك المركزي يتعين على «الدولة» علاجها لإصلاح علاقتها مع الصندوق، ألا وهي مشكلة السحب على المكشوف من البنك المركزي، الذي يتيح زيادة كمية النقد المتداول في السوق لتمويل مشروعات مركزية لصالح جهات تابعة، بطباعة نقود من دون وجود مقابل حقيقي لها. وما لم تتخذ الحكومة أو السلطات التنفيذية إجراءات شفافة يتم تطبيقها بالفعل لعلاج أسباب القلق لدى الصندوق والسوق، فإن مصير المراجعة الرابعة للقرض سيكون محفوفا بالخطر.
ملامح السياسة المالية
زيادة حاجة مصر للاستمرار في برنامج الإصلاحات الذي وضعه الصندوق، وسط ظروف إقليمية متوترة، تركت آثارها السلبية على موارد البلاد من العملات الأجنبية، كما أن الظروف المحلية الصعبة، أدت إلى تقليل معدل النمو إلى ما يقرب من نصف المعدل المحقق في العام السابق، مسجلا 3.5 في المئة في عام 2023 (تقدير وزارة التخطيط 3.8 في المئة للسنة المالية 22/23) مقابل 6.2 في المئة عام 2022. وتشير توقعات النمو للعام الحالي 2024 إلى معدل يتراوح بين 2.7 – 3.0 في المئة، على أن يعاود النمو بمعدل قد يصل إلى 4.5 في المئة في السنة المالية 24/25. لكن هذا التقدير يتطلب استمرار برنامج القرض والسماح لمصر والاستمرار في صرف الشرائح المحددة من القرض الذي يغطي 46 شهرا اعتبارا من كانون الثاني/يناير 2022. في هذه الحالة فإن الحكومة تعد ملفات لطلب الاقتراض الجديد من الصندوق (1.2 مليار دولار طبقا لآلية الصلابة والاستدامة) ومؤسسات تمويلية أخرى، كما تستعد وزارة المالية للعودة إلى سوق السندات الدولية وأسواق التمويل الإسلامي، بطلبات لقروض جديدة.
ومن المتوقع أن تبدأ السياسة الاقتصادية من حيث انتهى تقرير صندوق النقد الدولي عن المراجعة الثالثة لقرض الـ 8 مليارات دولار. ومع أن التقرير يعترف بأن الجهود التي بذلتها السلطات المصرية مؤخرا لاستعادة استقرار الاقتصاد الكلي بدأت تؤتي ثمارها بشكل إيجابي، فإنه سجل مجموعة من النقاط العاجلة، التي نعتقد أنها ستكون على رأس أولويات السياسة الاقتصادية للحكومة الجديدة التي شكلها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي كان على رأس الحكومة السابقة. وتتضمن هذه الأولويات:
-ضرورة استمرار العمل على تخفيض التضخم، وذلك من خلال سياسة مالية متشددة تتضمن تخفيض الإنفاق الاستثماري، والإبقاء على سعر الفائدة مرتفعا بما يكفي لكبح الطلب. وكان وزير المالية في الحكومة السابقة الدكتور محمد معيط قد ذكر في بيان الميزانية المعمول بها حاليا أن معدل التضخم المتوقع للسنة المالية حتى نهاية يونيو 2025 سيكون في حدود 25 في المئة. ولم يصدر عن وزير المالية الحالي أحمد كوجيك ما يشير الى تغيير هذا المعدل المستهدف، وهو معدل مرتفع بكل المقاييس، يحد من فرص النمو للقطاع الخاص، بما في ذلك قطاع الأعمال الصغير والمتوسط، الذي يعاني بالفعل من ضغوط شديدة، مع ضعفه أو عجزه عن مزاحمة الدولة في الحصول على الائتمان المصرفي لتمويل أنشطته.
-المحافظة على مرونة سعر الصرف. ولم يشر تقرير المراجعة إلى ضرورة تحرير سعر الصرف تحريرا كاملا، لكنه طلب من الحكومة ضرورة أن يكون سعر الصرف مرنا بما يكفي للاستجابة للصدمات النقدية والمالية، وعدم تخزين الصدمات داخل داخل قنوات مغلقة بقرارات إدارية، بما يؤدي إلى حدوث صدمات عنيفة في سوق الصرف الأجنبي، وهو ما يضطر الحكومة إلى تخفيض سعر العملة المحلية بنسبة كبيرة مرة واحدة، ما يسبب حالات متكررة من عدم الاستقرار الاقتصادي. ويعتبر خبراء صندوق النقد الدولي أن نظام سعر الصرف المرن هو حجر الزاوية في برنامج الإصلاح الذي يتبناه الصندوق. ومن المرجح أن يسمح البنك المركزي بتحرك الدولار داخل هامش يتراوح بين 5 – 7 في المئة خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية، وإعادة تقييم السعر بنهاية العام الحالي لإضفاء قدر أكبر من المرونة على نظام الصرف.
-استمرار ضبط أوضاع المالية العامة، مع تعزيز تعبئة الإيرادات، أي خلق إيرادات جديدة، وزيادة الإيرادات الحالية، لإتاحة الحيز اللازم لتوسيع البرامج الاجتماعية. هذا يعني بقراءة اقتصادية دقيقة أن الصندوق يطلب من الحكومة الاستمرار في ممارسة سياسة نقدية متشددة، تفرض المزيد من القيود على الأنشطة الاقتصادية وتقليل الإنفاق العام، باستثناء ما يجب تخصيصه لزيادة نفقات الرعاية والتعويضات الاجتماعية المباشرة لتخفيف الضغوط على غير القادرين والفئات الأولى بالرعاية. كذلك فإن نص ملاحظة الصندوق يطلب صراحة العمل على زيادة حصيلة الإيرادات العامة، بواسطة أدوات الجباية المختلفة، لتوفير الموارد اللازمة لزيادة الإنفاق الاجتماعي. وهذا النص ليس جديدا على توصيات تقارير صندوق النقد الدولي عام 2014 حتى الآن. فقد كان الصندوق هو الذي طلب فرض ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات. وقد بلغت حصيلة ضريبة القيمة المضافة في الأشهر الـ 11 الأولى من السنة المالية الأخيرة 599.6 مليار جنيه، وذلك من إجمالي حصيلة الإيرادات الضريبية للفترة نفسها بقيمة 1437.5 مليار جنيه. هذا يعني أن اقتراح الصندوق يدر على الحكومة من ضريبة القيمة المضافة ما يعادل 44.5 في المئة من حصيلة الإيرادات الضريبية. ومن المعروف أن ضريبة القيمة المضافة هي «ضريبة شريرة» يتحملها الغني والفقير على السواء، عند شراء أو استعمال السلع والخدمات الخاضعة لها. وفي المقابل فإن حصيلة الضرائب الرأسمالية في الفترة نفسها بلغت 3.1 مليار جنيه. وكان التطور الأهم في مالية الدولة هو القفزة الكبيرة في الإيرادات غير الضريبية بقيمة 510 مليارات جنيه، ما يعادل 23 في المئة من اجمالي الايرادات العامة الضريبية وغير الضريبية التي بلغت 2.217 تريليون جنيه خلال الفترة، بسبب التحويلات التي حصلت عليها الحكومة من إيرادات صفقة رأس الحكمة.
الثقب الكبير في السياسة المالية
بعيدا عن الصخب الفارغ بشأن تخفيض أعباء الدين العام، فإن مدفوعات الفوائد المستحقة على الدين الحكومي والمضمون، بلغت وحدها خلال11 شهرا الأولى من السنة المالية الأخيرة حتى نهاية ايار/مايو الماضي 1.322 تريليون جنيه جنيه، مقابل 731.2 مليار جنيه في الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة، أي بزيادة قدرها 590.6 مليار جنيه بنسبة زيادة بلغت 81 في المئة تقريبا. جزء كبير من هذه الزيادة يعود إلى تأثير تخفيض سعر الصرف، وهو ما يجسد أحد أسباب خطورة التوسع في الاستدانة الخارجية، وخطورة التثبيت الإداري لسعر الصرف مهما كانت إغراءات أو مبررات ذلك.
وسيكون تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية للمساعدة في زيادة نمو القطاع الخاص أمرا أساسيا أيضا. وهذه تمثل واحدة من النقاط الشائكة المتوقع أن تستمر كذلك حتى نهاية اتفاقية القرض نظرا لارتباطها بالحاجة إلى إجراء تغييرات هيكلية عضوية في بنية الاقتصاد ترتبط بطبيعة العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وما يطلق عليه «سياسة الحياد القانوني والضريبي والتنظيمي والرقابي» في تعامل الدولة مع الشركات بما فيها شركات المؤسسة العسكرية. وكذلك تحتاج الإصلاحات إلى تعديل في أهداف وأولويات السياسة الاقتصادية. وقد كانت هذه من أهم نقاط المساومات بين وفد الصندوق والحكومة في المراجعة الثالثة لمدى الالتزام بشروط القرض.
ينتهي برنامج القرض في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2026. ومن المفترض أن يحقق الأهداف المحددة له بنسبة نجاح كبيرة بنهاية تلك المدة. وتتضمن الأهداف تخفيض التضخم إلى ما يتراوح بين 7 – 9 في المئة، وتخفيض الدين الحكومي إلى 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وألا يتجاوز العجز في الحساب الجاري نسبة 3 في المئة من الناتج. وليس هناك هدف متفق عليه كميا بالنسبة لتخفيض نسبة التدخل المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي. لكن توجد معايير عامة تم الاتفاق عليها، إلى جانب إعلان الحكومة التزامها بتنفيذ وثيقة ملكية الدولة، التي تتضمن برنامجا لتخارج الدولة من أنشطة اقتصادية محددة كليا أو جزئيا.