القاهرة ـ «القدس العربي»: تبدد بسرعة تأثير العملية الجبانة التي وقعت في طهران، واستيقظ مجلس الحرب في الكيان على وقع مزيد من الخسائر في صفوف الجنود الإسرائيليين في ساحات المعارك في غزة، ليدرك نتنياهو وجنده أن هناك مليوني غزاوي يحملون صفات البطل إسماعيل هنية، وأكد أسامة الأزهري وزير الأوقاف أن «قضية القدس وفلسطين، ما تزال القضية الأولى في وجدان كل مسلم، وندعو الله أن يعجل بالفرج على أشقائنا وأهلنا في فلسطين عموما وفي غزة خصوصا، وأن يرفع الله تعالى كل ما نزل بهم من ظلم وقهر، ونطمح وندعو الله تعالى أن يهيئ اليوم الذي يتقرر فيه حق أشقائنا في فلسطين في إقامة دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية». كما وجه وزير الأوقاف رسالة خلال كلمته في المؤتمر الدولي التاسع لوزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي تنظمه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود قائلا: «من بلد الله الأمين من مكة المكرمة، ينطلق صوتنا جميعا معتصمين بحبل الله مؤتلفين مجتمعين، كلمتنا واحدة في تقديم الهداية والإرشاد والعلم والأخلاق والرحمة، وفي تقديم مقاصد الشريعة لكل دولنا وأوطاننا وشعوبنا بما يجمع القلوب ويحقن الدماء ويطفئ نيران العنف. وقال المتحدث باسم الخارجية المصرية السفير أحمد أبو زيد، إن مصر تواصل اتصالاتها على مدار الساعة مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، للتأكيد على خطورة الوضع في الشرق الأوسط ومعالجة أسباب وجذور الأزمة وضبط النفس. وأن الوضع المتأزم والمعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني على مدار أكثر من 9 أشهر في قطاع غزة؛ هما السبب الرئيسي لحالة التصعيد الذي يشهدها الإقليم، وانتقد عجز المجتمع الدولي عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار ومعالجة الوضع الإنساني داخل القطاع. وشدد على أن سياسة التصعيد الإسرائيلي المستمرة، على خلفية انتهاج سياسة الاغتيالات السياسية، وانتهاك سيادة الإقليم؛ يعرض الوضع إلى الانفجار في أي لحظة، مطالبا بضرورة توفير الإرادة السياسية لدى الجانب الإسرائيلي للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة. وقال إن هناك إرادة حقيقية لدى مصر وقطر للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مؤكدا أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يحتمل المزيد من الانتظار.
وحول مواردنا المائية كشف الدكتور عباس شراقي أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا في جامعة القاهرة، أن أمطار أسوان أو السودان لا تضيف شيئا لإيراد النيل، وأن السودان أو مصر لا يساهمان في إيراد نهر النيل السنوي، والسيول في مصر نادرة وغير منتظمة، وأمطار مصر قليلة. وأكد أن جنوب السودان أمطاره أكثر من إثيوبيا في حوض النيل، وأمطاره غزيرة وتكون مستنقعات من أكبر مستنقعات العالم لعدم وجود أنهار تنقل المياه، عكس مصر التي تحوى أنهارا كثيرة دون مياه، وأضاف: “مصر أنهار بلا مياه وجنوب السودان مياه بلا أنهار. وأوضح الخبير المائي أن إيراد النيل يأتي من مصدرين رئيسين الأول إثيوبيا 85٪ والثاني منطقة بحيرة فيكتوريا 15٪”. “ولا يساهم السودان أو جنوب السودان أو مصر في إيراد نهر النيل السنوي، وما يهطل من أمطار لا يضيف شيئا يذكر للنيل، مصر أمطارها قليلة للغاية فهي الدولة الأولى عالميا في قلة الأمطار، وما يهطل أحيانا على هيئة سيول فهو نادر وغير منتظم”.
تاريخها يشهد لها
اغتالت إسرائيل في يومين متتاليين اثنين من قادة فصائل المقاومة، أحدهما تصفه برئيس أركان حزب الله، وهو فؤاد شكر، كما اغتالت في اليوم التالي رئيس الجناح السياسي لحركة “حماس”، إسماعيل هنية. الحقيقة التي انتهى عندها عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” أن مسلسل الاغتيالات الإسرائيلية قديم ومستمر، ولكنه هذه المرة قدم ضربة مزدوجة قوية في بيروت وطهران، استهدفت أبرز قائد سياسي من غزة، كما استهدفت قائدا عسكريّا مهمّا في حزب الله. والحقيقة أن دولة الاحتلال اعتمدت سلاح الاغتيالات مع كل خصومها ومَن اعتبرتهم أعداءها في كل مكان في العالم، فإذا أخذنا لبنان فسنجد أنها قتلت حوالي 40 قائدا عسكريّا من حزب الله، أبرزهم محمد ناصر مسؤول قسم العمليات في الحزب، وطالب عبدالله، أحد قادة المنطقة المركزية الجنوبية، ووسام الطويل، القيادي في قوة النخبة المعروفة باسم «الرضوان»، كما أكدت اغتيال محمد الضيف القائد العسكري لكتائب القسام، وغيرهم الكثير. فعندما اغتالت إسرائيل الضيف الشهر الماضي لم يفرق معها قتل حوالي 100 مدني فلسطيني، بينهم أطفال ونساء، والأمر نفسه حين اغتالت فؤاد شكر في قلب الضاحية الجنوبية المكتظة بالسكان المدنيين، فقتلت طفلين شقيقين بدم بارد. لقد اعتادت دولة الاحتلال في حرب الاغتيالات التي تمارسها منذ قيامها، ألا تفرق بين مدني وعسكري، وبين سياسي ومقاتل، فهى على استعداد أن تقتل الجميع ما داموا اختاروا أن يكونوا في خندق مقاومتها، لأنها تعرف أنها دولة محصنة فوق القانون والشرعية الدولية، واعتادت عدم احترام قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، ومؤسسات الشرعية الدولية، دون أي حساب أو مساءلة. والحقيقة أن استراتيجية الاغتيالات هي في الأساس استراتيجية انتقام لا انتصار لأن القادة الذين تقتلهم إسرائيل يأتي بدلا منهم قادة جدد، ولم يختفِ أي تنظيم اغتالت إسرائيل معظم قادته، ومع ذلك لا تزال متمسكة بهذا الأسلوب. والحقيقة أن سبب ذلك يرجع إلى أن إسرائيل ترغب دائما في تحقيق «انتصارات استعراضية» للرأى العام الداخلي، فلذا كانت حريصة على استهداف محمد الضيف، حتى لو كانت تعلم أن وفاته لا تعني انتهاء التنظيم، ولا تزال تعتبر أن اغتيال يحيى السنوار أحد أهداف حربها في قطاع غزة، حتى لو كانت تعلم أن هذا الاغتيال لن يؤدي إلى نهاية حركة “حماس”. حرب الاغتيالات مارستها إسرائيل في كل العصور، كرسالة تخويف للجميع بأن مصير أي مقاوم سيكون مثل هؤلاء الشهداء.
منعطف درامي
دخل الصراع الدائر والمتعدد الجبهات بين إسرائيل من جهة، ومعظم تشكيلات المقاومة في المنطقة من جهة أخرى والمنتشرة في فلسطين، إيران، ولبنان، وربما أرادت دولة الاحتلال، حسب دريني سعيد في “الشروق” تكثيف الصراع والدخول به في مرحلة نوعية ومفصلية، عبر البدء بالاغتيالات السياسية الممنهجة، التي استهدفت أبرز القيادات المفصلية لدى التنظيمات الجهادية، إن كان إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، أو فؤاد شكر أهم القادة العسكريين لحزب الله، وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت على علم بكل تحركات القادة، لكنها تعمدت استخدامهم كأوراق استراتيجية تقايض عليها، وتخفض أو تزيد من حدة الصراع، حسبما يخدم أهداف نتنياهو السياسية، فقبل أربعة أشهر تمكنت من بعض أبناء إسماعيل هنية وأحفاده. القراءة الجيدة لتطورات الصراع، تفهم في سياقات الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى الكونغرس، ورغم التصفيق والاستقبال في المؤسسة التشريعية الأهم عالميا، إلا أن الدعم الأمريكي لنتنياهو كان باهتا ـ إن جاز التعبير ـ وإن أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن استعداد أمريكا الدفاع عن إسرائيل ضد أي هجمات، فهذه التحركات الأمريكية لن تنقطع، ولا شك تأتي في إطار حفظ المصالح الأمريكية في المنطقة، وصد الجماعات الجهادية، والمصنف معظمها إرهابية لدى واشنطن. وبالعودة إلى المؤشرات على هذا الدعم الأمريكي الباهت مؤخرا لإسرائيل، فيتضح أن بايدن يحاول من جهة، ختام مشواره السياسي ببعض النقاط البيضاء، محاولا تجاوز أخطائه التي برزت في كل صور الدعم غير المقنن لإسرائيل سواء أكان عسكريا، لوجيستيا وأيضا سياسيا.
النهايات تقترب
من جهة أخرى والكلام ما زال لدريني سعيد، تسعى هاريس المرشحة في الانتخابات الأمريكية الاستفادة من أخطاء بايدن لتعلن في لقاء جمعها ونتنياهو، ضرورة حل الدولتين، المضمون ربما والذي كاد ينسى من قبل الغرب وقادته مؤخرا، إلا أن تراجع حظوظ ترامب، عقب ظهور هاريس بسياساتها وخلفياتها، يهدد طموح نتنياهو في الدعم الأمريكي المتواصل، ومنه أراد نتنياهو توريط الولايات المتحدة في اشتباك مباشر مع إيران، وقبيل وضوح السياسات الأمريكية، وبينما تعاصر الولايات المتحدة مفترق طرق، تنتظر إسرائيل الرد الإيراني تجاه اختراق سيادتها وأجهزتها المخابراتية. حقيقة الأمر فإن الرد الإيراني لم يتوقف وربما قبيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لكن بطبيعة الحال طالما انتهجت طهران مبدأ المناورة السياسية مع دولة الاحتلال، كونها اعتادت الرد العسكري عبر وكلائها وأذرعها الممولة والمدربة بشكل جيد، بدلا من الاشتباك والمواجهة العلنية، حتى مع تصريحات خامنئي بأن الرد على إسرائيل سيكون قاسيا، ومع انتفاضة الإعلام الفارسي بوجوب الرد الحاسم والسريع، فطهران لا ترغب في ذلك، وربما لن تضيف أكثر مما تضيفه الأذرع والوكلاء، بل إن خسائر المواجهة المباشرة، قد تكبدها مزيدا من عقوبات يصعب التمرس معها، وفي ضوء إشكاليات الداخل المتفاقمة، أضف الاتفاق النووي الذي تحاول بشتى الطرق إتمامه، مع أي من المرشحين الأمريكيين، وإن كانت تتخوف من ترامب تحديدا. بشكل عام فإن النهايات قد اقتربت، سواء من قبل دولة الاحتلال، التي تعمدت التصعيد، وعلى نحو ما يعانيه جيشها من الإنهاك الواضح، أو من قبل واشنطن ومع بروز الإدارة الأمريكية المنتظرة وأيا كانت، ستنتهج عكس ما انتهجه بايدن حتى لو ترامب المنكفئ على الداخل، هذا من جانب، من جانب آخر فربما يستخدم نتنياهو هذه الاغتيالات للترويج والزعم بأن أهدافه قد تحققت إحياء لماء الوجه، خصوصا أنه لا توجد معايير واضحة يمكن بها قياس أهداف هذه الحرب.a
نبوءة روسية
التعليق الروسي الذي تنبأ بتوسع رقعة الحرب في المنطقة.. يأتي من سابق معرفة بطبيعة الرد الإيراني.. خصوصا بعد تصدرها المشهد واختراق عمقها الأمني أمام العالم.. وتصفية واحد من أهم الكوادر في صراعها مع إسرائيل.. وما زاد الطين بلة وفقا لمصطفى كفافي في “الوطن”، أنه قد حدث أثناء الاحتفال بتنصيب رئيسها الجديد. وعلى جانب آخر تعلم روسيا جيدا ثقل حركات المقاومة الإيرانية في المنطقة.. تعلم حجم تعاونها مع النظام السوري. وتعلم أيضا أن ردود أفعالها قد تأتي على شكل ضربة مزدوجة تجمع صواريخ حزب الله في لبنان.. ومسيرات الحوثيين في اليمن.. وتستفيد من دعم الوجود في العراق وسوريا.. فضلا عن حركات المقاومة في الداخل الفلسطيني.. وطبقا للتقديرات الروسية ستشهد المنطقة ردود فعل ستجعل الشرق الأوسط على شفا صراع تتسع فيه حلبة الحدود الجغرافية.. أي بين إيران وحلفائها من جانب (الشرق).. وإسرائيل وحلفائها من جانب آخر (الغرب). القارئ المدقق للتقديرات الروسية سيلاحظ وجود خطوط واضحة منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى.. خطوط تقترب تارة من أطراف القضية الفلسطينية باستضافتها حوارات قادة الفصائل.. وتبتعد تارة أخرى عن صناع القرار في إسرائيل. وعلى سبيل المثال لا الحصر كان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تشبيه نادر حين وصف الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة بحصار النازيين على مدينة لينينغراد. يقول المؤرخ الإسرائيلي سيميون غولدين إن عدم إدانة موسكو للهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول رغم وجود مواطنين روس بين القتلى «خيانة قذرة».
ستنكسر يوما
شاهد مصطفى كفافي مؤخرا على إحدى شاشات التلفزيون الإسرائيلية باحثا في قسم الدراسات الروسية في الجامعة العبرية في القدس متحدثا عن استقبال موسكو لقادة «حماس» في مفاوضات إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين.. ووصف روسيا بأنها تقف إلى جانب المعتدي وليس إلى جانبنا على الإطلاق.. وفي المحافل الدبلوماسية تدعم روسيا قرارا لوقف إطلاق النار على قطاع غزة لكنه لم يدخل حيز التنفيذ بسبب التعنت الإسرائيلي المطالب باستمرار المعركة. ولا يمكن تغافل التأثير الذي تحدثه الجمهوريات السوفييتية ذات الأغلبية المسلمة على صانع القرار في الكرملين. عالم اللغة الإسرائيلي سيريل أصلانوف، الذي طالما كثّف رحلاته لنشر الثقافة اليهودية في الجامعات الروسية، كان له تصريح شهير حين قال: «ستكتشف بعد وقت طويل من العمل أن ما يسمى بالتقارب الإسرائيلي مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي المفككة كان مجرد وهم». باتت إسرائيل تنصح بعدم السفر إلى بعض المناطق الروسية، بسبب موجة حقد جديدة ومفاجئة حيال اليهود. ولا يمكن نسيان صور مطار داغستان الذي اجتاحته جماهير غفيرة من المواطنين عجزت قوات الأمن عن ردعها قبل وصول طائرة آتية من تل أبيب نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي. واعتدوا فيها على كل ركاب الطائرة الإسرائيليين. إذن رغم تعنت الغرب ووقوفه إلى جانب إسرائيل يبدو أن الشرق في (محادثات بكين الأخيرة) أو (تصريحات الكرملين) يرصد المواقف كافة ويحللها بدقة شديدة وبتعليقات تصب في صالح القضية الفلسطينية، ولكن دون تحرك على الأرض.. في انتظار يوم تنكسر فيه شوكة الاحتكار الأمريكي لورقة الوساطة.. وعندها سنرى إن كان هذا الشرق قادرا على حل مشكلات المنطقة دون انحياز… أم أنه سيرضخ هو الآخر لتأثير اللوبي الصهيوني المؤثر على أعصاب الاقتصاد العالمي.
على الورق
في معظم الدوائر الحكومية، لو اطلعت على تقارير رسمية لوجدت معدل الأداء والتقييم تشير إلى أنك في سنغافورة، فتقارير الكفاءه السنوية أغلبها كما قال سعيد صابر في “المشهد”، ممتاز لا فساد ولا رشوة ولا تراخٍ في الأداء، وعلينا أن نصدق الورق ونكذب الواقع المرير، الذي يقر بأننا نقبع في قعر التاريخ، وليس هناك تصنيف لنا عالميا، لا في الصحة ولا التعليم ولا في دخل الفرد وإنتاجيته، إذن ما الحل؟ الحل هو تغيير شامل في أسلوب إدارة البلاد، ففي الإدارة مثلا تنتقل الدولة من المركزية إلى النظام الكونفيدرالي (الولايات والأقاليم) وتبقى مركزية الدولة في الدفاع والأمن والمنظومة القضائية، وتبقى حافظة نقود الدولة البنك المركزي ووزارة المالية ضمن مركزية الدولة أيضا، هذا يوزع على جميع الأقاليم ويسهل من عملية الإدارة والسيطرة وتحديد مواضع الخلل ومحاسبة المقصرين. نعود إلى الولاية وكيفية إدارتها، تعادل الولاية جغرافيا المحافظة عندنا، ويكون المحافظ هو حاكم الولاية، وتنقسم الولاية إلى مقاطعات (مراكز) ويكون لكل مركز حاكم يعاون حاكم الولاية (عمدة المركز) ويدير شؤون المركز الذي تتبعه عدة قرى وتشكل مجالس شعبية مصغرة فيها لجان توعية كتلك التي في مجلس النواب لإدارة ملفات الصحة والتعليم والأمن والزراعة والصناعة وخلافه.. بقيت عملية الموازنة المالية وتقوم فيها الدولة المركزية بإعطاء حصة من الموازنة العامة لكل إقليم (محافظة) وفق عدد سكان وموارد الإقليم نفسه، ويكون اختصاص كل حاكم ولاية بمعاونة جهازه الإداري وعدد من الخبراء كل في مجاله، الاستغلال الأمثل لموارد الإقليم وتنميتها، على سبيل المثال في محافظة الجيزة مثلا، هناك مصرف (اللبيني) تتجمع فيه مياه الصرف الصحي وتترسب بالتربة بعمق أربعة أمتار ويعتبرها الجميع مصدر وباء مع أنها منجم ذهب، فلو قمنا بتطهير هذا المصرف الذي يمتد بضعة كيلومترات، لكان الناتج آلاف الأمتار المكعبة من السماد العضوي وحولناه بالتعاون مع أساتذة التربة في مركز البحوث الزراعية لحبيبات عضوية، وعالجنا بها تربة الظهر الصحراوي في محافظة الجيزة ولاستزرعنا مئات الآلاف من الأفدنة.. هذه واحدة من الأمثلة العديدة والمتنوعة، ولكننا لا نستعين بأصحاب الفكر والرؤى، ونضع المسؤول في المكان وفق ولاءاته السياسية لا الفكرية، لذا آل بنا الأمر إلى ما نحن فيه الآن. مصر غنية بمواردها تنتظر من يبعثها من مرقدها.
نكرر أخطاءنا
هل لدى الحكومة خطة واضحة باستمرار تدفق الدولارات إلى شرايين الاقتصاد المصري، بعد أن ينتهي مفعول دولارات صفقة رأس الحكمة وأموال مؤسسات التمويل الدولية، وكيف تضمن الحكومة السير على الخيط الرفيع جدا الذي يوازن بين ضرورة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وعدم الإضرار بمعيشة المواطنين، خصوصا الفقراء ومحدودي الدخل، إضافة إلى قضية التفكير في تحويل الدعم من عيني إلى نقدي. الأسئلة السابقة وجهها عماد الدين حسين في “الشروق” للدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال لقائه رؤساء تحرير الصحف مؤخرا في مقر مجلس الوزراء في مدينة العلمين الجديدة. كان الدكتور مدبولي واضحا في التأكيد على أن هناك خطة ورؤية واضحة لدى البنك المركزي، بأن تكون الأموال الساخنة في إطار عملية يمكن إدارتها، ولا تؤثر سلبا علينا. طبعا نتذكر أن هناك نحو 22 مليار دولار هربت من مصر في الأسابيع التالية لبدء الحرب الروسية الأوكرانية في نهاية فبراير/شباط 2022، وكانت أحد الأسباب الأساسية في الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عانت منها البلاد. خصوصا بعد أن رفعت الولايات المتحدة وأوروبا سعر الفائدة من صفر في المئة تقريبا لنحو 5.5% والتقارير المتواترة أن هذه الأموال الساخنة عادت إلى التدفق من جديد إلى مصر بفعل سعر الفائدة المرتفع جدا. وكل التمنيات أن نكون أكثر وعيا في عدم تكرار ما حدث قبل عامين. في ما يتعلق بتدفق الدولارات قال رئيس الوزراء إن هدف السياسة النقدية الحالية ضمان استمرار تدفق الدولارات وبقية العملات الصعبة من المصادر الأساسية، خصوصا تعظيم الصادرات، وبالأخص من قطاع الصناعة وجذب الاستثمارات وتحويلات المصريين في الخارح.
التحدي الأكبر
الدكتور مدبولي كما قال عماد الدين حسين كان واضحا في أن ما تم اتخاذه من إجراءات بعد قرار توحيد سعر الصرف قبل شهور، ساهم إلى حد كبير في حل للمشكلة خصوصا القضاء على السوق السوداء، وعودة تحويلات المصريين من الخارج إلى شبه معدلاتها الطبيعية. بالطبع يظل التحدي الأساسي هو كيفية زيادة الصادرات، خصوصا من قطاع الصناعة، على أن يكون ذلك هو «الشغل الشاغل للحكومة». وفي ما يتعلق بموارد الدولارات أيضا فإن الدكتور مدبولي قال إن التوترات في المنطقة جعلت إيرادات قناة السويس الشهرية تتراجع إلى 300 مليون دولار بدلا من 850 مليونا قبل بداية الأزمة، هذا النقص يسبب مشكلة كبيرة، وبالتالي علينا أن نفكر في سيناريو ماذا لو توقفت الحرب، وعادت هذه الإيرادات مرة أخرى، لكن علينا أيضا أن نفكر في سيناريو آخر ماذا لو تفاقمت الأمور، وخسرنا الـ300 مليون دولار الحالية؟ وجود الـ6 أو 7 مليارات دولار التي خسرناها، بسبب الأزمة سيحل مشاكل كثيرة للاقتصاد المصري، لكن التوقف الكامل هو سيناريو شديد السواد لمصر. النقطة التي ركز عليها رئيس الوزراء، أن العالم والمنطقة يعيشان أوضاعا شديدة الاضطراب، وكل يوم هناك مشكلة عالمية أو إقليمية لا دخل لمصر بها، لكنها تتأثر بها كثيرا. وبالطبع فإن حديث رئيس الوزراء جرى قبل ساعات قليلة من تصعيد الإجرام الإسرائيلي باغتيال إسماعيل هنية وفؤاد شكر، والإعلان عن مقتل محمد الضيف، خلال أقل من يوم، وهو ما ينذر بدخول المنطقة في صراع شامل قد لا يبقي ولا يذر. هل يدرك المواطن العادي هذه التقاطعات والتداخلات، وهل يدرك تأثيرها على أوضاعنا الاقتصادية، وأن الحكومة لا دخل لها فيها؟ هذا هو لسان حال رئيس الوزراء في العديد من إجاباته عن الأسئلة.
لماذا يكرهونه
ما الذي يدفع الناس إلى كره الطبيب أو تحميله وفاة مريض إذا كانت الأقدار بيد الله، كما تعلمون، وما على الطبيب إلا الأخذ بالأسباب التي منها ما هي معلومة وأغلبها غير معلوم، فيجعل الناس يتركون كل شيء ويمسكون في الطبيب. يجيب الدكتور طارق الخولي في “الوفد”: أتحدث هنا عن المريض الذي يحمله الأهل في حال إعياء شديد، أو حادث أو ما شابه ذلك من أحداث مرضية من إغماء أو غيره، وعندنا بروتوكول للعمل في كل حالة بطبيعة الحال يعرفها المتمرس ويعرفها الخبير الذي قضى عمره في المستشفيات، ويعلم كيفية التعامل مع الحالات الطارئة، وبطبيعة الحال كل طبيب في تخصصه فليس كل نزيف هو حالة أوعية دموية فقد ينزف مريض القلب وقد ينزف مريض الكبد وقد تنزف البواسير والمرأة أيضا تنزف وكل حالة من هؤلاء يعالجها طبيب مختلف، وإن كان الذي يجمع بينهم هو كلمة النزيف فقط. لأن الطب لا يُجمع في مقال واحد ولا حتى في كتاب، ولكن لمحاولة إزالة آثار الاتهام عن أهم فئة في مجال العمل من أجل الصحة التي أمرنا الله أن نحافظ عليها، وهو إظهار ما يحدث داخل «الغرف المغلقة» من كل الأجهزة الطبية، لأن هذا أشرف مكان (وهنا أتحدث عن نفسي) عملنا فيه وهو قسم الاستقبال، ومن بعده أي شيء لأنك في لحظات لا بد أن تفهم حالة المريض فتشخص وتعالج في لحظات، وقد يكون ذلك أمام الأهل والأحباب، وقد تتخذ قرارا مصيرا في لحظات، أو تجد أنه لا عنده شيء أو أنه متمارض وقد تتخذ قرار عملية عاجلة أو تقر بحدوث وفاة في ذهول الأهل مما تقول، وتظل ثابتا وهذا من أصعب الأمور التي تمر علينا.
لو كان فعل
الطبيب إن بدا صلبا في مثل هذه الحالات التي حدثنا عنها الدكتور لطفي الخولي، فقد لا يتمالك نفسه من البكاء في بعض الأحيان وقد بكيت بكاء شديدا على أم مات ولدها، لأنني تأثرت جدا ببكائها، وقد ماتت هي بعده بفترة قصيرة. بطبيعة الحال تجد في كل مهنة «أنذال» وهناك من يذهب ليهمس في أذن الأهل أن الطبيب لو كان فعل كذا لكان كذا، أو لو لم يجرِ له العملية، لكان لم يمت، وهذه أنفس مريضة، فلا يوجد سبب لأفعالهم ولا يوجد سبب لأن يتنازل الطبيب عن حقه منهم يوم القيامة، إذا وقفوا بين يدي الله ففضح أعمالهم، ولكن نقول إن الأهل لا بد أن يكون عندهم أيضا وعي، وأذكر أحد الجيران الأعزاء وهو سفير، اتصل بنا، لأن أخاه مات في عيادة طبيب أسنان، وبطبيعة الحال لم أسأل هل أعطاه الطبيب البنج أو لا، لأن الكل سألني ذلك وإن كان الكل يريدون تحميل الطبيب المسؤولية، وحتى لم أسأل عن اسم الطبيب، ولا أين العيادة، وإن أجبت أن الوفاة قد تحدث من بنج الأسنان وقد لا تحدث منه والطبيب مهما حدث لا يريد أي أذى للمريض، وما من أحد منا إلا وأخذ بنج أسنان ولم يمت. ويقول العارفون بالاتهام إنه شر للأنام دون إلهام فحافظ على الدوام والرياضة بانتظام تُكفى شر الآلام وتعيش في سلام.
متهمون كلهم
“نعم.. هذا اتهام مني، أنا كاتب هذه الكلمات، وبصوت عال وصارخ وحزين موجه إلى كل المسؤولين عن سلامة الطرق والمرور في مصر… أين هم؟ وماذا يفعلون؟ ما هذه الخيبة؟ وما هذا الإهمال الذي يصل إلى حد الجريمة الكاملة؟ تابع الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام”: إنهم بإيجاز شديد، وباختصار، حولوا واحدا من أهم منجزات الدولة في مصر في العقد الأخير، إلى كوارث ومصائب ومآس يومية، نعم لم تشهد مصر في تاريخها المعاصر نهضة في إنشاء وتعبيد وتوسيع الطرق السريعة كما تشهدها اليوم، ولكن تلك الطرق الواسعة والسريعة، استحالت بفعل الفوضى والإهمال إلى مصائد مرعبة للموت والخراب، لأن الطرق الممهدة والواسعة تغري بالسرعة العالية، لا بأس.. هذا يحدث في الدنيا كلها… ولكن عندما يكون الطريق السريع خاليا من اللوحات الإرشادية الواضحة والمتكررة عن الحدود القصوى للسرعة، وعن الاتجاهات والمواقع، بل وحتى خاليا مساء مما يسمى «عيون القط» على جانبي الطريق، فهذه خيبة وعندما نكتفي بأجهزة الرادار على الطريق، (فضلا عن أننا نعلم أن السائقين يعرفون أماكنها فيهدئون سرعتهم قبلها، بل ويجتهدون في تحذير من لا يعلم منهم بوجودها) ونكتفي بوجود الكمائن، التي تحصل غرامات السرعة، فهذا معناه أن الهدف هو جمع الغرامات والفلوس، ومن المهم أيضا حماية أرواح الناس. وعندما تنعدم الرقابة البشرية المباشرة على الطريق، والسحب «الفوري» للرخص، التي لا يجدي معها دفع «الغرامة»، فهذا إهمال. قد أكون مبالغا أو منفعلا.. ولكن هل قرأتم الخبر الحزين عن الشباب حسام شوقي وفتحي إسماعيل ومحمود كمال وتامر فتحي العاملين في شركة سينرجي «بعد وفاتهم في حادث سير مروع على طريق الضبعة» يوم الخميس الماضي.. هكذا ببساطة… «حادث سير»؟ نعم…علينا أن نؤمن بقضاء الله، وندعو لهم بالرحمة… ولكن هل هناك من يشرح لنا كيف وقع الحادث ومن المسؤول؟
مجرد أفكار
بين العرب جميعا يعد المصريون الأكثر تقديما للاقتراحات حول كل شيء، وفي أي مجال. يستشهد الدكتور عمار علي حسن في “الوطن” بما يلي: سنجد مئات الرسائل الجامعية تُناقش سنويا في قضايا مهمة، تختص بها العلوم البحتة والعلوم الإنسانية، وبعضها يقدم معدوها توصيات في نهاية الأطروحة. وهناك آلاف الأبحاث تنتجها الجماعة الأكاديمية المصرية، بعضها جيد ومفيد جدا. وتوجد مراكز بحوث قومية في العلوم الاجتماعية وفي مجالات الكيمياء والفيزياء والهندسة والطب والأدوية، ومراكز بحثية أخرى أنشأتها السلطة الحالية نفسها، وملتصقة بها، إلى جانب بعض المراكز البحثية ومكاتب الخبرة الخاصة. وهناك المجالس القومية المتخصصة التي تبحث سنويا كل مشكلات مصر بشكل دوري، وتستعين بخيرة العلماء، وتقدم حلولا علمية لها. وماثلة لكثير من الأفراد والمؤسسات المصرية العديد من بيوت الخبرة الأجنبية التي تُستشار بأجر في بعض الأحيان. وتوجد أيضا خبرات الدول الأخرى وتجاربها المدونة في خطط منشورة ومتاحة. وبالطبع فإن برامج الأحزاب السياسية تحمل الكثير من الاقتراحات، في إطار واجبها الذي يفرض عليها أن تطرح نفسها بديلا، ولو نظريا أو شكليا، عن السلطة القائمة، ما يُعطي هذه البرامج بعض الوجاهة، في مجال الاقتراحات، القانون يفرض على كل حزب جديد أن يقدم برنامجا مختلفا، ولو في بعض الجوانب، عن الأحزاب الموجودة بالفعل. وهناك كثير من الاقتراحات صاحبت أربعة انتخابات رئاسية شهدتها مصر منذ 2005 إلى الآن، بغض النظر عن توافر الحرية والنزاهة لها جميعا، قدمها المرشحون، سواء كان لديهم واجب لتقديم بديل حقيقي، أو نظروا إلى هذا باعتباره جزءا من الإجراءات التي يلزم استيفاؤها. وينطبق الأمر نفسه، لكن بشكل أكثر اتساعا على الانتخابات النيابية، ثم انتخابات تجريها النقابات المهنية والعمالية، وفيها تُقدم حلول لمشكلات المنتمين إلى المهنة أو الحرفة. وفي أوقات الأزمات تلجأ السلطة لعقد «حوار وطني» تستدعي فيه رجال سياسة وتكنوقراط ليدلوا بدلوهم في المشكلات الراهنة، ويقدموا بشأنها الكثير من الاقتراحات.
ذهب سدى
توجد مقالات تُكتب في الصحف انتبه لها الدكتور عمار علي حسن تقدم تصورات ناجعة تسهم في حلحلة مشكلات عدة، لاسيما حين تُفسح صفحات الرأي مكانا لبعض أهل الاختصاص في مختلف المجالات، وللمشاركة أيضا في الملفات الخاصة التي تعد من حين إلى آخر مواكبة لتطور الأحداث، وفي التحقيقات الصحافية المعمقة والاستقصائية. وحين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت باتت الطريق مفتوحة أمام الجمهور العام ليدلي دلوه، وبعض هؤلاء على دراية جيدة، وكثير من اقتراحاتهم لافتة، وهم إما فضلوا عرضها أمام الرأي العام، أو لم يجدوا قناة اتصال بالسلطة. وهناك الخبرة التاريخية للمصريين التي تراكمت على مدار سنين طويلة وموضوعة على رفوف المكتبات، أو تسكن رؤوس بعض العجائز. فكثير من المشكلات المعروضة على الساحة المصرية حاليا ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة ومزمنة، وطالما تم تقديم حلول لها. ويكفي مسح سريع للصحف المصرية الصادرة قبل عقود من الزمن لندرك هذا الأمر جيدا. وعقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 استجابت الحكومة لاقتراح إنشاء بنك أفكار، فانهالت عليه آلاف التصورات والاقتراحات والتوصيات، وراود الأمل أصحابها أن يجد ما قدموه من يطلع عليه، وينظمه، ويلتقط منه ما يفيد، ويفسح له طريق التطبيق في الواقع، لكن هذا ذهب سدى، ولم يلبث أن لف النسيان هذا البنك، ولا يعرف الناس مآل مقترحاتهم. أبدع العقل الجمعي المصري، شأنه شأن عقل شعوب بلدان عربية أخرى، في تقديم تصورات يروم منها خروج البلاد من ضيق لا تستحقه إلى براح يليق بها. وبعد كل هذا، يقال للناقدين، قدموا اقتراحات، لإظهارهم بمظهر المقصر أمام الرأي العام، مع أن لنقدهم، إن لم يسقط طبعا في التجريح أو الدعاية أو إهمال منطق العلم ومجافاة المصلحة العامة، وظيفة أخرى مهمة هي التذكير والتنبيه بغية تصويب الاتجاه، والقيام بواجب الاختلاف وهو فريضة حياتية، لا سيما وفق نظرية «الدفع» التي تقوم عليها الحياة كلها.