لندن ـ «القدس العربي»: اضطهاد، عنصرية، مزارع يكدح فيها السود قبل انتهاء العبودية، عنف أسري، فقر، أحياء فقيرة مهمشة تعيش على حافة المجتمع، مخدرات وعصابات، هذه هي الموضوعات والقصص التي تحفل بها السينما والدراما الأمريكية والأدب الأمريكي، عند الحديث عن السود، والتي عادة ما يصنعها مخرجون وأدباء سود، وعادة ما يلقى الكثير منها حفاوة نقدية كبيرة. بعض هذا الاحتفاء يكون مستحقا، لجودة الصنعة السينمائية والأدبية. ولكن الكثير منها يحصد الجوائز ويلقى من التكريم الكثير، لمجرد أنه عن معاناة السود، ويصبح الأمر كما لو كان تكفيرا من الرجل الأبيض عن عنصريته، أو حتى لا يتهم ذلك المهرجان أو تلك الجائزة الأدبية بأنها بيضاء أكثر مما ينبغي أو بأنها تهمش السود.
ولكن ماذا لو كان المخرج أو الأديب أسود، ولكنه لا يريد تناول الثيمات والمواضيع التي يعتقد المجتمع الأبيض أنها عن السود؟ ماذا لو أراد المؤلف أن يعبر عن ذاته كبشر خارج إطار لون أو نمط؟ هذا تحديدا ما يتناوله فيلم «خيال أمريكي» للمخرج كورد جيفرسون، وهو بالمناسبة أمريكي ينحدر من أصول افريقية. هذا الخروج عن النمط السائد من الأفلام التي تتناول السود يأتي بمثابة مفاجأة تجعل أعينا تلمع، خاصة أن تناول المخرج للقضية فيه من الذكاء الكثير. بطل الفيلم هو ثيلونيوس إليسون (جيفري رايت في أداء مميز) وسُمي بهذا الاسم تيمناً بعازف البيانو والمؤلف الموسيقي الأسود ثيلونيوس مونك، ولهذا يسميه أصدقاؤه بـ«مونك». مونك روائي وأديب محدود الشهرة وأستاذ للأدب في جامعة أمريكية. يبدأ الفيلم في قاعة للمحاضرات في الجامعة، حيث خط مونك على لوح الكتابة اسم كتاب بعنوان «The Artificial Nigger» وهو عنوان قصة قصيرة، للكاتبة فلانري أوكونر كُتبت في خمسينيات القرن العشرين. ولكن كلمة «nigger» بما تحمله من معان عنصرية، أساءت لحساسيات إحدى طالباته من البيض، التي أصرت على الخروج من الصف اعتراضا على رؤية مثل هذه الكلمة التي اعتبرتها مسيئة للغاية، دون مراعاة السياق الذي كتبت فيه على سبورة الصف الجامعي، ودون مراعاة أن من كتبها بخط يده على لوح الكتابة أسود. تشكو الطالبة البيضاء مونك الأسود لإهانته السود باستخدام كلمة عنصرية، فما كان من إدارة الجامعة إلا أن تتخذ موقفا مناهضا للعنصرية من وجهة نظرها، وتوقف مونك عن العمل. هذا هو العالم الذي يعيش فيه مونك، وهو عالم يملي على السود ما يجب أن يستاءوا منه وما يجب أن يصلح لمادة يدرسونها في الجامعة، وما يصلح أن يتناولوه في أعمالهم الأدبية.
تقدم بداية الفيلم هذه صورة مصغرة من حياة مونك ومعاناته كأديب. فهو يريد أن يعامل كإنسان مجرد عن لون جلده، ويريد أن يكتب كأديب فقط وليس كأديب أسود يعبر عما يعتقد الرجل الأبيض أنه هموم الرجل الأسود. محاولاته تلك للتعبير عن ذاته، دون تناول العنصرية ومعارك التحرر وغيرها تحد من فرص نشر أعماله الأدبية، وتجعل دور النشر عازفة عنه. بالنسبة لدور النشر أعماله ليست سوداء بالشكل الكافي. بعيد إيقافه عن العمل يسافر مونك لزيارة أسرته ووالدته المسنة المريضة، وبزيارته تلك، نرى عالم مونك الحقيقي. قد يرسم البعض في مخيلته عند الحديث عن عودة رجل أسود إلى جذوره ومنزل أسرته بيتا رثا وأساسا متهالكا، فهذا ما زرعته السينما والدراما في مخيلتنا الجمعية. ولكن منزل أسرة مونك منزل أنيق، ينتمي للطبقة المتوسطة في شريحتها العليا بامتياز. إنه بيت فسيح على الشاطئ، وأسرته همومها هي هموم أي أسرة أمريكية من هذه الطبقة. شقيقه جراح تجميل ناجح وثري اكتشف ميوله الجنسية المثلية في منتصف العمر، ويحاول الاستمتاع بمثليته المكتشفة حديثا. شقيقته طبيبة ناجحة وعلاقتها شائكة بوالدتها. نرى أسرة مثقفة تستمتع بالقراءة والأدب ولا تتحدث إنكليزية خشنة، أو ذات تركيبات نحوية ركيكة. أسرة مونك ذاتها تحطم الصورة النمطية عما يخال الكثير من البيض أنه حياة السود. وذات يوم في عطلته الجامعية الإجبارية يشاهد مونك لقاء تلفزيونيا يغير حياته إلى الأبد. يشاهد برنامجا ثقافيا يحتفي بأديبة سوداء شابة تخرجت في جامعة أمريكية عريقة، وألفت رواية يشيد النقاد والمحافل الأدبية بأصالتها وبتصويرها للمعاناة الحقيقية للسود. يفاجئ مونك أن ما تقدمه الكاتبة في هذه الرواية هو الصورة النمطية التي يخالها المجتمع الأبيض عن السود، من الحديث بلغة ركيكة ومفردات بذيئة والحديث عن العنف والمخدرات.
وهنا وكنوع السخرية الضمنية أو الاستهزاء بتلك الصورة النمطية، يقرر مونك أن يستخدم اسما مستعارا ويكتب رواية تغص بكل التصورات النمطية عن حياة السود. وحين يرسلها للناشر يفاجئ بأنها حازت استحسانا كبيرا وقُبلت للنشر بعقد سخي، وفرصة لتحويلها لفيلم. يقدم الفيلم سخرية لاذعة من المؤسسات الثقافية والأدبية الأمريكية، فهي تحتفي بأعمال رديئة لمجرد أنها تقدم صورة نمطية ترضي تخيل المجتمع وتعطيه جرعة متخيلة من التعاطف مع السود، مع هؤلاء المهمشين الذين يعيشون في قاع المجتمع، والذين لا يمكن للرجل الأبيض أن يتخيل أن تكون لهم حياة عادية كحياته.
يقدم جيفرسون خطين متوازيين في الفيلم، يكملان بعضمها بعضا ويعد أحدهما تعليق المخرج على الخيال الأمريكي الساذج حول السود. نرى في خط النجاح الكبير الذي تحققه رواية مونك باسمه المستعار عن الحياة المهشمة البائسة لرجل أسود. ونرى في خط آخر حياة أسرة مونك الحقيقية ووالدته الأنيقة، وجارته السوداء الجميلة التي تبادله الإعجاب. والخلافات الأسرية في البيت الكبير، خلافات لا علاقة لها بالعنصرية أو الطبقية، ويمكن أن تحدث في بيت أي أسرة بغض النظر عن اللون أو العرق.
«خيال أمريكي» فيلم جريء وذكي يجعلنا نقف أمام أنفسنا وأمام تحاملاتنا التي نصورها في هيئة تعاطف. فالطبقة المثقفة الأمريكية البيضاء تتعاطف مع السود، لأنها تخالهم أقل حظا وأقل سعة في العيش. يأتي التعاطف مصحوبا بنظرة دونية للمتعاطف معه. ولكن ماذا لو كان ذلك الأسود يعيش حياة تشبه حياة ذلك المثقف الأبيض؟ ولا يكتفي جيفرسون بذلك، بل يجعلنا شركاء في سردية الفيلم، ويقدم لنا نهايات مختلفة لنختار منها، أو ربما لنرفضها جميعا. وما نقبله أو نرفضه يقول عنا وعن طريقة تفكيرنا وعن تعاطينا مع الغير الكثير.