أهم ما ينبغي على الطالب الاضطلاع به في السنة الأولى بشعبة الاقتصاد خاصة في مادة علم التدبير هو التمييز بين دلالات ومجالات؛ التسيير والتدبيرt.
التسيير، ببساطة، هو الاشتغال على إدارة عمل/ورشة ما لكن في إطار منظومة ونسق محدد سلفا لا يجوز للمسير تجاوزه. بينما، التدبير يتناهى مدلوله إلى امتلاك «المدبر» لآفاق واسعة لابتكار حلول لما استجد من المشكلات دونما الارتهان بقيد من القيود أو نسق من الأنساق. صحيح أنه لا مانع للمدبر من الاسترشاد والاستعانة بالتوجيهات الموضوعة على طاولة المسير، لكن طبيعة التدبير أساسا تتجه إلى تجاوز الموجود من الأنماط المتبعة في التعامل مع المشكلات التي تعرض لحياة الورشة/ الشركة.
المتأمل في الطريقة التي يتعامل بها «المنتظم الدولي»؛ مع أي نموذج تنموي صاعد في آسيا أو في العالم الثالث عموما أو مع أي تجربة ديمقراطية ناشئة في المنطقة. المتأمل في النهج المتبع في هذا التعاطي مع محاولات النهوض في المنطقة، لاشك، أنه لن يخطئ في الجزم بان العالم الخارجي المهيمن على القرار الدولي لا يرضى بظهور بذور تجربة ديمقراطية/ نموذج تنموي يتأبى على النسق المعين –باعتباره الوحيد- للتنمية و الديمقراطية.
العالم الخارجي المهيمن على القرار الدولي-إذن- لا يرضى نهائيا بنموذج صاعد يتطلع لا لتسيير تجربته فحسب؛ وإنما يرنو لتدبيرها وفق إمكانياته الذاتية ورصيده التاريخي وموقعه الجيو-سياسي و طبعا دونما إغفال التجربة البشرية الغنية في سبل النهوض لكن دون الارتهان الأعمى لأي نسق من الأنساق.
السبب، واضح، هو أن العالم المهيمن اليوم حريص على مصالحه يسعى لتأبيد هيمنته. ظهور أي تجربة تنزع نحو التدبير خارج نسق المهيمن يعني من المحتمل- أن تشق طريقها نحو النجاح. وبالتالي، فذلك إيذان ببداية تخلخل التوازن القديم وانطلاقة فعلية لتوازن جديد في العالم يأخذ فيه المهيمن (سابقا) موقعه الطبيعي وتأخذ فيه كل تجربة حقها. وهكذا، يتأسس عالم يسود فيه العدل بين الأمم والتعايش السلمي والعمل المشترك من أجل المصير المشترك لهذا الكوكب.
مجموعة من الحروب التي نشاهدها ضد دول الجنوب؛ الفكرة المركزية التي تقف وراءها: تدبير أي دولة في الجنوب لشؤونها خط أحمر.. الجنوب قدَرُه التسيير فقط.
إن الوعي بأن «التدخل الخارجي» يفعل فعله في بلداننا لأنه يريد الديمومة لنسق معين بإكراه الدول على الاكتفاء بالتسيير فقط في إطار إملاءات معينة (من صندوق النقد و غيره..)، أمر مهم أن يعيَه الذين يستسهلون طريقة صدور قرار سياسي في بلداننا. وإن ترك التجارب الصاعدة تدبر شأنها وتجترح بدائلها، لأمر هام و شرط لا مندوحة عنه لاستتباب الأمن والعدل والسلام و التسامح على ظهر هذا الكوكب.
نختم مع الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله الذي يتحدث بالمناسبة- عن كون هيمنة المهيمن حاليا لن تدوم أكثر من 15 سنة (يعني لن تستمر إلى أكثر من 2030). وفي سياق دفاعه عن إمكانية نجاح نماذج التدبير خارج النسق المحدد، يُلح على نموذج اليابان مرارا و يرى «أن تطور اليابان يعود بالأساس إلى سيرورة اجتماعية ثقافية ذاتية، لعبت فيها اللغة والقيم دورا حاسما. فنجاحات اليابان في المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية فندت إذن إطروحة الطريق الوحيد (الغربي) نحو التحديث، وهذه السابقة حطمت نهائيا احتكار الغرب للحداثة، وأثبتت أن الحداثة لا يمكن أن تتحقق إلا بواسطة مجهود ذاتي. مضيفا: «إن التخلف ليس إلا العجز عن التعبئة الرشيدة للموارد البشرية وللكفاءات».
أيوب بوغضن – كاتب مغربي