«لا تجرح الماء»: محكيات الوله للسعودي أحمد قران الزهراني

ثمة حكي يغري إنصاتك بالاقتراب الآسر من ينابيع البوح. حكي، تحول سلطته دون اقتراب ما عداه، ما دمت هناك، مستسلما تماما، لتراتيل إنشاده بما يشبه طقس الحلول. ذاك هو رهان ديوان «لا تجرح الماء» للشاعر السعودي أحمد قران الزهراني، حيث ليس لك سوى أن تقتفي أثر النداء، وقد غدوت خلسة مسكونا بالرغبة في استقبال المزيد من نيازك القول، ومقبلا على النهل من هسيس أسراره التي يمحو بعضها بعضا، في سياق تتالي انكتاب مشاهد وفصول المحكي.
والظاهر أن انحياز العمل لفتنة الحكي، هو في حد ذاته مخاطرة جمالية، يتعذر على التجربة الشعرية التورط في شطحاتها، ما لم تتحقق لها شروط غواية محكمة النسج، وما لم تكن مطبوعة بفرادة مقالبها. ذلك أن جاذبية الحكي، تتجسد أساسا في قدرته على استدراج الإنصات إلى مدارجه، على أساس ما يمتلكه من حمولة سردية، مشحونة بسحر الإثارة، وقوة الإقناع. وبالتالي، فإن كل حكي يفتقر إلى هذه الحمولة، سيكون حتما عرضة للتلاشي قبل أن يتلمس مجراه إلى رحابة الإصغاء.
لا تذهب إلى أقصى الحكاية في الكتابة
تبدو على غير انسجام بالذي ترويه في بدء
الحكاية، ربما أخذتك أغنية «الجريدة» من
حروف قصيدة ما زلت تكتب بعض جزئياتها في
اللاشعور.
والتنويه بسحر الإثارة وقوة الإقناع في السياق الذي نحن بصدده، يحيل على حميمية وأنس تلك العوالم الهلامية التي دأب المتلقي على استشعار معالجته لها، دون أن يمتلك القدرة على تبين ملامحها، ومندهشا في الآن ذاته، بقدرة الحكي الشعري على بسطها أمام فضوله، منتشيا من جديد باستعادتها ومعايشتها، باعتبارها امتدادا طبيعيا لتجليات أحواله وصفاته، بكل ما خفي منها وما ظهر.
أعبر الآن و روحي
بين كفي
وقنديلي سراب.
وقراءات وجوه
عبرت من شهوة الطين
إلى لحد التراب.
وكتاباتي وجوه
خلقت من نطفة الحرف
كتاب.
أيضا من بين أهم إيجابيات الحكي، تفسيره لتلك الهوة العميقة التي يحدث أن تصد المتلقي عن متعة تفاعله مع عوالم النص الشعري. وأعني بها الهوة الناتجة عن توجسه من احتمال عجزه عن اختراق الغموض الدلالي، الملازم لهذه العوالم، بفعل ما تحفل به من انزياحات ترميزية. ذلك أن جمالية الحكي، ترفع الكلفة بين النص والمتلقي، وتعمق لديه إحساسا بالحظوة، كما لو أن هذا النص قد كتب له خصيصا ومن أجله لا غير، فهو وحده المؤتمن على ما يرد فيه من أسرار. فضلا عن كون الحكي يستدعي وبصيغة مباشرة هذا المتلقي، الذي دون أريحية إنصاته، يظل عالقا في اغتراب الحد المهجور من الهاوية. من هنا يمكن القول إن شعرية الحكي في قصائد المجموعة، هي بمثابة استضافة حميمية وتفاعلية لذلك الإنصات المتعدد، والمتوزع في فضاءات الأمكنة والأزمنة.
صباحا،
أغادر بيتي بلا رغبة في الذهاب
ولا رغبة في الإياب
ولا موجعا من تقاسيم يوم ثقيل الملامح
لا حزن يصحبني في صباحي
ولا فرح يحتويني
لا بين.. بين.
صباحا،
ألملم وجهي
وأمضي وحيدا
بلا أسئلة.
كذلك، تحيلنا بنية الحكي الشعري، على الكفاية البنائية التي تملكها التجربة الشعرية. وهي بالمناسبة اللبنة الأساس والمركزية في هندسة المعمار النصي، التي لا يستقيم القول الشعري دونها، حيث لا مجال للحديث عن نص يخلو من هاجس البناء، ليستفيد بدل ذلك من تكديس ركام الكلام على عواهنه، وكيفما اتفق، كما هو ملاحظ في أغلب المجاميع التي تحشر جزافا في خانة الكتابة الشعرية. مع التذكير بأن تقنية الحكي ليست في حد ذاتها سوى أداة بنائية، إلى جانب غيرها من الأدوات المتعددة، الحاضرة في النصوص المتفردة بشعرياتها العالية.
قمر وأغنية تعلقها الحمامة فوق صدري
كلما أصحو على صوت المغنية الحزينة
قمر وظل حمامة ثكلى تغادر عشها الأبدي
تدنو من ركام الشارع الخلفي
هذا الشارع المنسي كان أمامنا قوسين
والحراس كانوا يصعدون سلالم الدار العتيقة
يسرقون السمع يفشون الكلام السر
يقتاتون من صيد الحمام الأسود المرتاب من
عين المدينة.
والجدير بالذكر، أن استراتيجية الحكي المنتظر في المجموعة، تعلن عن حضورها مع قصيدة «القصيدة» التي تستهل به المجموعة الشعرية نصوصها. والموحية بتوظيف الشاعر الزهراني، لما يمكن توصيفه بـ»محكيات العبور النصي» التي تتبدى في صيغة تعريفات مشذرة للقصيدة، حيث كل تعريف يأخذ شكل نواة دلالية، لما يمكن أن ينكتب/ينحكي الآن، بين تضاعيف المجموعة ذاتها، كما بين صفحات أي أفق شعري، قد ينجز لاحقا هناك. غير أن أهم ما ينبغي استخلاصه من إشارتنا إلى المستهل النصي، بما هو توصيف جمالي وفني للقصيدة، كما يراها الشاعر أحمد قران الزهراني، فهو الحضور المركزي لـ»ثيمة» الأنوثة، التي تتجاوز بتعريفاتها الشعرية حدودها البسيطة والمتداولة، كي تنفتح هكذا، على تخوم اللامتناهي، وقد غدت مشحونة بسحرية إيقاعات الحكي.
إن الأنوثة هنا، كما ترد في إيماءات تعريف (القصيدة) هي على التوالي «نافذة الروح» «طعم الأنوثة في مبتدأ الليل» «وجه الحياة المؤبد» «بلقيس تخطو على الصرح» «أنثى تراقص مرآتها» «أم تظلل أبناءها بالدموع» «غانية ما تزال توسوس للجن» «ذئب حلال» «أغنية من خيال الشياطين» «وحي الإله الخفي» «صوت الرسول المشرد». ففي قلب هذه التوصيفات الممهورة بكثافتها الإيحائية، تأخذ القصيدة شكل أرحام حية، تعد بميلاد كل التناقضات والأضداد الأنثوية الصارخة والمضمرة، التي تكتظ بأطيافها ذاكرة الأساطير، والمراوحة عادة بين مأساوية القتل وفتنة الميلاد. وهي أيضا، وبموازاة ذلك، الذاكرة ذاتها التي يطمئن الحكي الشعري إلى التباساتها الدوامية، في استنطاقه الجارح لإشكاليات الوجود، كي تفصح عما تيسر من مكنوناتها. يتعلق الأمر في هذا السياق بحنان «الوله» وعنفه أيضا، ذلك الممسك بزمام الحكي ، والمتعقب لأطياف أنوثة منذورة لتناسخاتها، التي تضيق بديناميتها العبارة. الوله بما هو حالة لاهبة لأعلى مدارج العشق ومقاماته، حيث ترمي الذات المتدلهة بأجساد مصائرها في أتون ما يقتل ويحيي، ملتاعة بوجيف الحيرة وحريق الغبطة. الوله، الذي تتخلص فيه الأنوثة من نمطيتها، كاشفة بذلك عن ذلك الغموض الذي لا يكف عن استدراج القصيدة إلى عمق فراديسه ومنافيه.
ثنتان
والقلب الشريف
وزهرة الرمان والباب المخاتل
يسكنون ملامحي
وأنا…
وعصفور بلا لغة يغرد في فمي
نصحو لكي لا يستمر الحلم أبعد من مسافة
قبلتين
تشاكس العبث اللئيم.
هكذا وحالما يطأ الوله الرحيم والرجيم في آن، أرض الغواية المدارة بشبق الأنوثة، لا يسع الحكي ساعتها، إلا أن يستشرف آفاقه العصية، التي تتصادى فيها إيقاعات الوشاية، أسفار البدء، أحاجي الصمت، ابتهالات الضوء، مراثي الجوع، التواشيح، دون أن تجرح الماء، أو يجرحها حتى.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية