مطالب بفتح أبواب الحرية أمام المحبوسين السياسيين… ورياح الأمل تهب على سكان الزنازين بعد الإفراج عن 600 سجين

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين أمل بقرب بزوغ فجر الحرية للآلاف من المحبوسين على خلفية قضايا سياسية، واحزان تتزايد بسببب تواصل الإبادة التي يتعرض لها مليونا غزاوي نسيهم الجميع، تعددت تطلعات المواطنين على مختلف توجهاتهم، وأكّد بدر عبدالعاطي وزير الخارجية ضرورة وقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، باعتبارها السبب الرئيسي في اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، مجددا طلبه من الدول الكبرى والمؤثرة بالاضطلاع بمسؤولياتها في التدخل والضغط على إسرائيل للتوقف عن اتباع سياسة حافة الهاوية والاغتيالات، وانتهاك سيادة الدول الأخرى. وأجرى عبد العاطي اتصالا هاتفيا مع جوزيب بوريل الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، ضمن الاتصالات التي يجريها مع وزراء خارجية المنطقة وخارجها للعمل على احتواء حالة التوتر والتصعيد الراهنة، وحرص الوزير، حسب بيان صادر عن الوزارة، على إطلاع بوريل على نتائج الاتصالات التي أجراها، بهدف احتواء حالة التوتر والحيلولة دون اندلاع مواجهات عسكرية واسعة النطاق.
قال الإعلامي عمرو خليل، أن معتقل «سديه تيمان» الإسرائيلي سيئ السمعة، عاد مؤخرا إلى الواجهة الإعلامية، ويوصف بأنه «غوانتانامو إسرائيل»، حيث يتعرض فيه المعتقلون الفلسطينيون للتعذيب والاعتداء الجنسي والجسدي. وأضاف أنه وفقا للتقديرات، فقد استشهد داخل هذا المعتقل وحده 36 أسيرا، وهو الرقم المعلن من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية. وأشار إلى أن من أبرز القصص التي تروى عما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون، ما حدث للأسير بدر دحلان، الذي تعرض لضرب مستمر وهجوم بالكلاب على مدار شهر كامل. وتابع: «ثم تأتي قضية المهندس الفلسطيني فتحي عبد العال، الذي تم اختطافه من شمال قطاع غزة، وتعرض للتعذيب والاعتداء الجنسي على مدار 7 أشهر، وخرج مضطربا عقليا من سجن سديه تيمان». وواصل: «قالت منظمة أطباء لحقوق الإنسان في إسرائيل، أن لديها معلومات موثقة عن حالات اعتداء جنسي أخرى لم يُكشف عنها في المعتقل، وإسرائيل ستواصل الانتهاكات داخل معسكرات الموت طالما لم تجد إلا مجتمعا دوليا صامتا أمام تلك الجرائم».
وجه الرئيس السيسي باتخاذ الإجراءات القانونية نحو إصدار قرار بعفو رئاسي عن 600 محكوم عليهم في جرائم مختلفة من الرجال والنساء، تفعيلا للصلاحيات الدستورية الممنوحة له. ورحب حزب حماة الوطن، بتوجيه الرئيس السيسي، وأكد الحزب؛ أن القرار يأتي في ضوء الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية في الدستور، بما يكفل حالة من الاستقرار داخل المجتمع المصري. وأشار حماة الوطن، إلى أن استمرار قرارات الرئيس السيسي بالعفو الرئاسي، تأتي لتعزيز الاهتمام الرئاسي بملف حقوق الإنسان، انطلاقا من الاستراتيجية الوطنية، وأن التوسع في قرارات العفو الرئاسي استجابة لمطالب ومقترحات القوى السياسية، لاسيما خلال جلسات الحوار الوطني، التي ارتكزت على ملف حقوق الإنسان. كما أصدر الرئيس السيسي قرارا بتكليف المستشار محمد الفيصل يوسف رجب بالقيام بأعمال رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات (بدرجة وزير)، لمدة عام؛ اعتبارا من 7 أغسطس/آب 2024. كما أصدر قرارا بتكليف محمد عبد الغني عبد الرازق بالقيام بأعمال نائب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات؛ وذلك لمدة عام خلال الفترة نفسها.
في انتظار المزيد

أشاد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بتوجيه الرئيس السيسي باتخاذ الإجراءات القانونية نحو إصدار قرار بعفو رئاسي عن 600 محكوم عليهم في جرائم مختلفة من الرجال والنساء، تفعيلا للصلاحيات الدستورية الممنوحة له. ووفقا لهدى النجار في “الأخبار”، أكد رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الكاتب الصحافي كرم جبر، أن التوجيه الرئاسي يؤكد حرص القيادة السياسية على توفير مناخ إيجابي يتناسب مع حالة الحوار الوطني، كذلك يؤكد اهتمام الدولة بمتابعة الظروف الإنسانية للمحكوم عليهم. وأضاف جبر، أن الدولة تولي اهتماما كبيرا بملف حقوق الإنسان، وقطعت شوطا كبيرا في عملية الاستقرار الاجتماعي، موضحا أن الدولة المصرية ماضية في تطبيق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في ضوء ما يكفله الدستور والقانون، وأن الرئيس السيسي استطاع إنهاء الخصومات الموجودة بين أفراد المجتمع ولم شمل المجتمع وجمعهم في غرفة تفاوض واحدة، من خلال تطبيق مفهوم العدالة التصالحية، وأنقذ مصر من دعاوى الفوضى والتحريض بعدما رفض الانصياع وراء بعض المطالبات بمحاكمات شعبية أو أشياء من هذا القبيل ورسخ سلطة القانون واستقلال القضاء، وأن مصر دولة متسامحة ونظام الحكم حكيم ورشيد، يعمل على لم شمل المصريون جميعا ويقوم باحتوائهم. واختتم رئيس الأعلى للإعلام، أن قرارات العفو الرئاسي تدخل الفرحة والبهجة في بيوت وأسر المصريين، وتؤكد حرص الرئيس السيسي على مستقبل أبناء مصر واهتمامه بتوفير حياة كريمة لهم.

غيرت العالم

كثير جدا ما فعلته حرب غزة بنا وبغيرنا، وأكثر منه تكشف عنه الأيام يوما بعد يوم. كله أثار ويثير جدلا، وسوف يثير المزيد مع مرور الوقت. من الآن حسب جميل مطر في “الشروق” نختلف في ما بيننا. نختلف في صمت غالبا، ولكن نختلف بانفعال أحيانا. أشاهد فضائيات عربية وأعجب لفداحة الاختلافات ليس بين بعضها بعضا بقدر ما هو بين شهر وآخر وأحيانا بين نشرة وأخرى. هل هي حرب في غزة أو حرب في فلسطين، أم هي ثورة شعب في مقام وتاريخية ثورة الجزائر، أم هي عواقب فلتان في منظمة التحرير الفلسطينية، يدفع ثمنه الشعب في غزة ومخيمات الضفة، أم هي المرحلة الجديدة في حرب مستمرة تشنها الصهيونية العالمية هدفها المعلن بناء دولة إسرائيل التاريخية، أم هي مجرد مرحلة الفرصة السانحة، فرصة الاستفادة من حال انحدار أمريكا والغرب عموما ليس فقط كمستودع لقيم معينة، ولكن أيضا كجماعة إمبراطورية سادت ثم تحللت فهي في أزمتها الراهنة تتعرض لانتكاسات ومظاهر ضعف متزايدة ومتكالبة. كثيرة هي الاختلافات، ولكن أكثر منها وأهم مشاعر الغضب والاحتقان و«الدعم الساكت» والتضامن «شبه المستتر» بين مختلف شعوب المنطقة عربية وغير العربية. ببساطة غير مفتعلة أستطيع الزعم بأن الشرق الأوسط، وفي قلبه الإقليم العربي، يدخل الآن مرحلة متقدمة من مراحل تطوره أو انحداره متأثرا بما اصطلح الإعلام الرسمي في النظام العربي على تسميته بالحرب على غزة، وهي التسمية القاصرة عن الإلمام بالأبعاد المترامية للأهداف الإقليمية والدولية المتوخاة من هذه الحرب. كانت الحرب بالفعل والرؤية الأعمق عملا فاعلا في الشرق الأوسط كما في النظام الدولي، وكانت بالقدر نفسه عملا كاشفا.

ليست حدثا عابرا

كثيرة بالفعل النتائج أو العواقب المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن هذه الحرب، واكتشف جميل مطر أن الغرب بدأ بسبب هذه الحرب يكتشف أن انحداره سمح لجماعة الضغوط الصهيونية بزيادة التدخل الفعلي في عمليات صنع السياسة وتوجيهها في عدد غير قليل من الدول الغربية. أظن أيضا أنه صار اليوم قريبا جدا من اكتشاف العلاقة الجديدة والغريبة بين اليمين المتطرف الأوروبي، وكذلك الأمريكي من ناحية، ومنظمات الضغط الصهيوني من ناحية أخرى. الطرفان، كما نلاحظ، لهما اهتمام مشترك بقضية الهجرة عامة ومن الدول الشرق أوسطية خاصة. واضح تماما من ردود الفعل لما يسمى بحرب غزة أن الأجيال الجديدة في سلالات الهجرة الشرق أوسطية صارت تشكل في دول الغرب تيارا سياسيا مناوئا للمصالح الصهيونية. ومن تجليات تلك الحرب أن تأكد للعقل العربي، ربما للمرة الأولى، أن إسرائيل ليست حدثا عابرا لأجل قصير. ستظل في العقل العربي ذي الصفات الخاصة حدثا عابرا، ولكن لأجل أطول ولأهداف أوسع وأكثر. اتضح الأمر بمعايشة استعراضات القوة التدميرية للدولة اليهودية وتعمدها مد أذرعها الطويلة تهدد بها مواقع بعيدة جغرافيا عن بعضها بعضا، محطمة أعراف القانون الدولي ومستهينة بفكرة العدالة الدولية.. تأكد أيضا اجتماع ثلاثة تطورات دولية وإقليمية عظيمة الأثر. أولها، وجرى الحديث عنه من قبل، انكشاف مدى انحدار عناصر قوة الغرب. يتصل بهذا الانحدار تدهور قوة التزام مجلس الأمن ومؤسسات أخرى في الأمم المتحدة وفشلها في وقف القتال وفرض عقوبات على إسرائيل كدولة احتلال. ثانيها، ولا شك صرنا في إقليمنا العربي وبفضل حرب غزة وتداعياتها الدولية نشعر بأهميته لنا وعلينا وهو صعود الثورة في عالم الجنوب وبالذات حجم الغضب المكبوت فيه وحساسيته الشديدة للعنصرية في كل أشكالها. ثالثها، عجز جامعة الدول العربية عن أداء واجباتها نحو حماية الأمن الإقليمي ووقف عملية إبادة شعب عربي على أرض عربية. يرتبط بهذا العجز، ولو جزئيا، حالة أشبه ما تكون لحال الشلل في قيادة المنظمة الإقليمية العربية ربما بسبب بطء إجراءات صنع قيادة جديدة للمنظمة تحظى بالرضاء العام. الأمانة العامة بقيادتها الراهنة وجهازها الإداري لم تقصر، العجز يعود إلى حقيقة أن النظام العربي دخل فعليا، خاصة في وقت الأزمة الراهنة، مرحلة تحول جذري سوف تمتد آثارها ربما إلى أسس تشكيل النظام الإقليمي ومنها عقيدته.

بوسع القتلة

واضح أن هناك إدراكا أمريكيا متزايدا بخطر الانزلاق إلى حرب شاملة في المنطقة إذا استمر التصعيد، وإذا استمرت محاولات نتنياهو لتوريط أمريكا في حرب مباشرة ضد إيران، أو ـ على الأقل ـ وفق ما يرى جلال عارف في “الأخبار” استغلال الوجود العسكري الأمريكي لإشغال جبهة لبنان ولإبقاء المنطقة كلها على حافة الهاوية. انخراط الرئيس الأمريكي بايدن في اتصالات مكثفة مع الرئيس السيسي وأمير قطر والعاهل الأردني، يشير إلى إدراك (تأخر كثيرا) من جانب أمريكا بأن إطفاء النيران المشتعلة لا بد أن يبدأ بإيقاف حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل في غزة. التحرك الأمريكي الآن يأتي في ظل ظروف بالغة الخطورة، لكنه يأتي أيضا مع اتضاح المسؤولية الإسرائيلية عن التصعيد الذي يأخذ المنطقة كلها إلى قلب الخطر. وزير الخارجية الأمريكي بلينكن يقول، إن المفاوضات حول وقف إطلاق النار في غزة وصلت لمرحلتها الأخيرة. والرئيس الأمريكي ـ في المكالمة الغاضبة مع نتنياهو ـ طلب إنهاء الاتفاق خلال أسبوعين لأنه يعلم أن الصفقة جاهزة، وأن من يماطل هو نتنياهو وحده. وواشنطن أعلنت بوضوح أن اغتيال إسماعيل هنية تم دون علمها، وجاء ليعقّد الموقف ويمنع إيقاف القتال. حجم المخاطر الهائلة إذا استمر التصعيد، والمخاوف الأمريكية من التورط في حرب لا تريدها ولا تتمناها، يفرض على أمريكا أن تتحمل المسؤولية وأن توقف الحرب التي ما كان لإسرائيل أن تشنها وتستمر فيها العشرة شهور حتى الآن إلا بدعم أمريكا ومشاركتها، الاتفاق جاهز وإلا ما كان بايدن قد طلب من نتنياهو التوقيع عليه خلال أسبوع أو اثنين. والبديل هو التصعيد الخطر على كل الجبهات ـ الغضب الأمريكي من خروج نتنياهو على النص لا بد أن يتحول لفعل إيجابي، قبل أن تجد أمريكا نفسها متورطة في الأسوأ ـ اتفاق إنهاء الحرب في غزة ممكن إذا تلقى نتنياهو رسالة واضحة بأن أساطيل أمريكا لم تحتشد لمساعدته على إشعال المنطقة.. بل لإخراج إسرائيل من ورطتها.

غزة وكفى

أثار إعلان “حماس” اختيار يحيى السنوار لخلافة الراحل إسماعيل هنية في رئاسة المكتب السياسي للحركة، الكثير من ردود الأفعال الدولية والإقليمية. ويقول عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم”: تقييمي الشخصي، الذي قد لا يكون ما تفكر فيه “حماس” في الأساس، هو استمرار سيطرة ما يمكن تسميته «حماس الداخل» على قرار الحركة، فهم الأكثر قربا من الواقع الفلسطيني على المستوى المكاني، ومن حيث التفاعل على الأرض كذلك، على حساب «حماس الخارج»، الموجودين في دول إقليمية، كخالد مشعل وغيره. بالتأكيد، يبقى حضور «حماس الخارج» في المشهد العام، سواء بالتأثير أو التواصل، إلا أنه يظل تأثيرا محدودا على القرارات الخاصة والمصيرية في غزة. إعلان اختيار السنوار يؤكد أن القرار من غزة، وليس من مكان آخر. فإسماعيل هنية، قبل اغتياله في طهران، كان يبدو وكأنه صاحب قرار في مسألة التفاوض والهدنات السابقة مع إسرائيل، ما نجح منها وما لم ينجح، تماما مثل السنوار، الذي كان حاضرا من اللحظة الأولى في التفاوض. السنوار يعرفه الإسرائيليون جيدا، ربما ليس بالشكل المباشر، لكنهم يعرفونه من خلال القرارات والمواقف التي تتخذها وفود المفاوضين من الحركة. فهي غالبا ما تكون قرارات اتُّخذت من غزة، وأن أحد الفاعلين الرئيسيين فيها هو السنوار.

واجب السنوار

اختيار الرجل الذي لم تستطع آلة الحرب الإسرائيلية الوصول إلى مكانه، يذكّر عبد اللطيف المناوي بمقولة «عليّ وعلى أعدائي»، وهي تصعيد من جانب الحركة في مقابل التصعيد الذي لا ينتهي من إسرائيل، بل إن تصعيد تل أبيب مرشح للزيادة بترقية السنوار الذي كان قائدا للحركة في غزة فقط. المسألة خرجت عن إطار حتى الحرب، خرجت عن إطار مباراة ملاكمة قوية وعنيفة، إذ خلع الجانبان فيها القفازات ليدخلا في عراك خارج حتى حدود المناورات والمغامرات المحسوبة. لقد أصبح الوضع أكثر صعوبة، فكلا الطرفين في هذا الوقت لا يقبل الآخر، ولا يفكر من الأساس في التفاوض أو سماع الطرف الآخر، وربما لا يفكرون أيضا في سماع الوسطاء. إذا كانت هناك نقطة مضيئة فهي أن يحيى السنوار لم يتورط في اختطاف حركة “حماس” لغزة في 2006، ولا في الدماء التي أُسيلت بسبب الأزمات بين “حماس” وفتح في حدود هذا التاريخ وما قبله، وهذا يعني أملا – ولو ضئيلا للغاية – في فرصة تواصل داخلي فلسطيني- فلسطيني، قد يأتى معه بعض الفرج، ولكن النقطة المضيئة شديدة الخفوت. كلمة أخيرة بخصوص الوسطاء يصر عليها المناوي: أعلم أن الجميع الآن يضرب أخماسا في أسداس. فالجانبان في تصعيد مستمر، والحقيقة المؤكدة أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. أعلم أن النوايا من البداية كانت صادقة، وكان الهدف هو المواطن الفلسطينى البسيط الذي يدفع ثمن مغامرة السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لذا أن الاستمرار في التوسط هو واجب إنساني، رغم صعوبته الشديدة.

ما تبقى منها

تغامر الولايات المتحدة الأمريكية بما يتبقى لها من مصداقية في المنطقة، عندما يخبر وزير دفاعها وزير الدفاع الإسرائيلي أن واشنطن تقف مع تل أبيب بكل قوتها ضد أي هجوم يستهدفها. هذا الكلام الذي نقله لنا سليمان جودة في “الوفد” قاله لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي، وهو يهاتف نظيره الإسرائيلي يوآف غالانت، الذي يتحسب في مواجهة ضربة ايرانية قد توجهها حكومة المرشد في طهران إلى إسرائيل، ردا على اغتيال إسماعيل هنية في العاصمة الإيرانية يوم 31 يوليو/تموز.. وقد مضى زمن كانت فيه إدارات أمريكية تنتصر لعدالة القضية في فلسطين، ولم تكن تنتصر للدولة العبرية ظالمة ومظلومة، على حد سواء، كما تفعل إدارة بايدن. لقد عرفنا إدارات أمريكية لديها الحد الأدنى من الإنصاف، وكانت إدارة الرئيس جيمي كارتر مثالا من بين أمثلة، وكان ذلك عندما حشدت كل ما تستطيع لعقد اتفاقية سلام بين القاهرة وتل أبيب، عادت بمقتضاها سيناء كاملة إلى وطنها الأم. وكانت المفاوضات كلما تعثرت بين الجانبين، تدخل الرئيس كارتر ليدفعها من جديد، وكان جادا في ما يسعى ويفعل، وأكاد أقول إنه لولا رعاية إدارته للمفاوضات في كامب ديفيد ما كان اتفاقية السلام التي جرى توقيعها في مارس/آذار 1079 سوف ترى النور. وعلى الرغم من تشدد حكومة مناحم بيغين وقتها في إسرائيل وتعنتها، إلا أن الرئيس الأمريكي كان يمتلك من العزيمة الجادة ما يجعله يتغلب على التشدد والتعنت معا. وفي مرحلة تالية كان الرئيس بيل كلينتون يمارس عمله في البيت الأبيض، مدفوعا بروح أقرب إلى الروح التي كان كارتر يتحلى بها.. وقد اقترب كلينتون من اللحظة التي كان فيها يوشك أن يوقّع اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لولا أنهم اختلفوا في ما بينهم في اللحظة الأخيرة، فضاعت فرصة لن تتكرر في الغالب. وكان كلينتون آخر الرؤساء الأمريكيين الذي رغبوا في تقديم حل عادل للقضية في فلسطين، فمن بعده تعاقبت إدارات لا تقدم للقضية إلا الكلام، ولا تبذل في سبيلها إلا الوعود التي نكتشف في كل مرة أنها لا رصيد لها على الأرض. تبحث القضية عن رئيس أمريكي من نوعية كارتر أو كلينتون، فتبدو في كل المرات وكأنها تبحث عن الغول أو العنقاء أو الخل الوفي.

جميعنا ضحاياها

التداعيات المستمرة للعدوان الإسرائيلي الوحشي المستمر لم تعد قاصرة على الفلسطينيين فقط، فالعربدة الإسرائيلية سارت على المنطقة بأكملها وآخرها اغتيالها إسماعيل هنية. قتلت نحو 40 ألف فلسطيني وأصابت حوالي مئة ألف ودمرت معظم مباني قطاع غزة، وصار معظم سكانه نازحين، لكن الجديد من وجهة نظر عماد الدين حسين في “الشروق”، أن هذا الجنون والقتل الجماعي والاندفاع إلى ذرى من العنف وصل ضد بعض قطاعات المجتمع الإسرائيلي. فضيحة «سديه تيمان» ربما تكون خير مؤشر على سوس التفكك الذي ينخر في جسد هذا الكيان غير الطبيعي. معتقل «سديه تيمان» أو المعسكر الميداني اليميني هو قاعدة عسكرية إسرائيلية متعددة الوحدات تابعة للقيادة الجنوبية وتقع على بعد 5 كيلو مترات شمال غرب بئر سبع، ويتم فيه سجن الفلسطينيين كمكان احتجاز وطالب العديد من الجمعيات الحقوقية بإغلاق المعتقل لانتهاكه حقوق الإنسان. إسرائيل أقامت معتقلا كبيرا في صحراء النقب اسمه «سديه تيمان» تسجن فيه مئات الفلسطينيين من قطاع غزة، من دون أسس وقواعد قانونية. وفضحت صحف عالمية ما يجري من أهوال داخل ما سمته «غوانتانامو إسرائيل»، خصوصا قيام جنود باغتصاب أسير فلسطيني حتى أعجزوه عن الحركة، وبعد النشر تحركت الشرطة العسكرية للتحقيق في الأمر، ورفض الجنود تنفيذ الأمر وهاجموا قوات الجيش، لكن المفاجأة كانت أن العديد من الوزراء والمسؤولين والنواب ساندوا تمرد الجنود وهاجموا الشرطة والنيابة العسكرية التي حاولت التحقيق في القضية.

الكيان يتحلل

بعض المقالات التي وصفها عماد الدين حسين بالجريئة في الصحافة الإسرائيلية توقفت عند الخطورة الكبيرة في هذه القضية غير المسبوقة، صحيفة “هآرتس” مثلا كتبت أن إسرائيل تمر بمرحلة متقدمة جدا من التفكك تحت حكم بنيامين نتنياهو، وأن اقتحام معتقل “سديه تيمان” بمشاركة وزراء ونواب يعكس تعفنا مستمرا ينخر في جسد الدولة. في تقدير “هآرتس” فإن أولى درجات التعفن بدأت بامتناع الجنود عن الاستجابة لأوامر تسليم أنفسهم، بل هاجموا المحققين، ثم وصول عشرات المتظاهرين والنواب واقتحام بوابة المعتقل، وبينهم وزير التراث المتطرف أميحاي إلياهو الذي كان يهتف: «الموت للإرهابيين»، وهو ما يعني أن أعضاء اليمين المتطرف يتصرفون كأفراد ميليشيا، المرحلة الثالثة للتفكك أن رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست يولي أدلشتاين أعلن فتح تحقيق مع المحققين، الذين حاولوا استجواب الجنود المتمردين، وهو ما يعني أن الأمور انقلبت رأسا على عقب، ثم جاء تصريح وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش «اتركوا مقاتلينا الأبطال» ليكشف أن إسرائيل صارت بلا قانون أو عدالة، في اللحظة التي اندفع فيها حوالي 200 شخص لاقتحام قاعدة بيت ليد أثناء نقل الجنود التسعة المتهمين، وقيام عضو الكنيست بتسحاق كروزر بتهديد المدعية العامة بقوله: «ارفعي يدك عن مقاتلينا». “هآرتس” وصفت المشرعين الإسرائيليين بأنهم يتصرفون مثل الملثمين الذين يشبهون المجرمين الحقيرين. الخلاصة أن دولة نتنياهو فقدت السيطرة على اليمين المتطرف، ومن يزرع الفوضى سوف يجنيها، وإن لم يتم وقف هؤلاء عند حدهم فإن الأمر سوف ينتهي بتفكيك إسرائيل. نتنياهو ظل صامتا لساعتين بعد الحادثة، ولم يدنها إلا بإلحاح من قادة الجيش الذين حذروه من عواقب اقتحام قواعد للجيش من دون حساب. والمعروف أن إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، طالب بإعدام السجناء الفلسطينيين بإطلاق الرصاص عليهم بدلا من تزويدهم بالطعام، ورد على طلبات إغلاق المعتقل بقوله: “أنا المسؤول ولست مستعدا لإغلاق سديه تيمان”.

لعلهم يسمعون

نعم.. والكلام للدكتور زياد بهاء الدين في “المصري اليوم”، حان وقت الإصلاح السياسي، أو على الأقل البدء في طريقه الطويل؛ لأن المهم هو البداية أيا ما كان الوقت المطلوب والجهود اللازمة للوصول به لنتائج ملموسة. وما يقصده الكاتب هنا ليس المسارات الرسمية التي ترعاها الدولة وتقدم من خلالها رؤيتها الخاصة للإصلاح السياسي، بل إن ما يتحدث عنه هو إصلاح أكبر وأعمق يتناول قوانين ونظم الأحزاب والانتخابات، ومساءلة الحكومة، وإلغاء المواد الجنائية المخالفة للدستور، ودعم وتعميق منظومة العدالة، وحرية التعبير والتنظيم السياسي السلمي، وغير ذلك من الإصلاحات الضرورية المتماشية مع معايير العصر. وهي تستهدف في نهاية الأمر تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: (1) الشراكة والتداول في الحكم. (2) الحرية في التعبير والتنظيم. (3) خضوع المواطنين والمؤسسات كافة لنظام قانوني عادل ومواكب للعصر. لا يهم بعد ذلك أن نطلق على ما سبق وصف الديمقراطية، أو الشراكة أو الحوكمة أو أي تعبير آخر، طالما أن المسار الذي نسلكه يؤدي في النهاية إلى تحقيق هذه الأهداف الثلاثة. وهذا ليس انتقاصا من قيمة المشاركين في الحوار الوطني السياسي، ويسعون من خلاله لتحقيق تقدم محدود قد يؤدي مع الوقت والإصرار لمكاسب أكبر.. ولكن أي حوار سياسي تديره الدولة، وتضع برنامجه وتصوغ مخرجاته سيظل مقيدا ومحدودا بمساحات محددة سلفا.

الإصلاح السياسي الحقيقي

الإصلاح السياسي الحقيقي الذي يرى الدكتور زياد بهاء الدين أن وقته قد حان هو التغيير الشامل والتدريجي والسلمي والتفاوضي، الذي يُفضي إلى الأهداف الثلاثة التي ذكرتها: الشراكة في الحكم، والحرية السياسية، ودولة القانون. وهذا الإصلاح السياسي ليس رهنا بإشارة الدولة وحدها، بل من الطبيعي أن يجد تحفظا ومقاومة، وربما رفضا من جانبها. ولكن ليس سقف التغيير وحدوده هو ما يقرره الحكم فقط، بل التغيير السلمي والإيجابي يكون نتيجة تفاعل عدة عوامل.. قد يكون منها السلطة نفسها ورغبتها في فتح مساحة للحرية والمشاركة.. وقد يكون منها وجود أشخاص ومجموعات سياسية مخلصة مستعدة لخوض معارك التغيير المبكرة.. ولكن الأهم أن يكون هناك رأي عام مقتنع بضرورة التغيير، وبحقه في الاستفادة من مكاسبه ولو لم يشارك إيجابيا في العمل لتحقيقه. ومن دون هذا الرأي العام الضاغط، فإن ما تقدمه الدولة من خطوات للانفتاح السياسي سيكون محدودا ومقيدا وقابلا للإلغاء، كما أن جهود المجموعات السياسية الفاعلة ستضيع هباء، من دون ظهير شعبي يساندها ويدعم مطالبها. من هذا المنطلق فإن اقتناعي بأن الوقت حان لإصلاح سياسي يستند إلى هذا الاعتبار الثالث والأهم.. أن الظروف الحالية جعلت الرأي العام جاهزا وراغبا في مثل هذا الإصلاح والتغيير. والظروف التي يقصدها الكاتب هي مجموعة من العوامل التي رسخت لدى الناس الشعور بأن الأسلوب الحكومي الحالي في إدارة المصالح العامة يحتاج لمراجعة وضبط وتغيير. وعلى رأس هذه العوامل: (1) الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي عانى الناس منها، ولا يزالون، واتضح معها أننا نعاني من أزمة إدارة وحوكمة لا أزمة موارد. (2) إن مجرد تعديل مادة قانونية تتعلق بالحبس الاحتياطي في الحوار الوطني تحول لموضوع معقد استغرق شهورا وجلسات واجتماعات. (3) إن هناك أجيالا من الشباب باتت تتابع ما يجري في العالم وتدرك أبعاده، وترى كيف تطورت المجتمعات والنظم السياسية في كل أرجاء الكرة الأرضية، بما فيها من كان منغلقا حتى وقت قريب (4) إن الناس لا تريد إصلاحا يأتي مع الفوضى أو العنف أو الاضطرابات، بل تطمح لتغيير تدريجي مؤسسي يأخذ البلد لمساحة جديدة من الشراكة والعدل والإدارة الرشيدة. لا أقول إن الناس أصبحت مكترثة بالديمقراطية التقليدية وشعاراتها وممارساتها، بل الحقيقة أن الديمقراطية فقدت الكثير من قيمتها بسبب ممارسات حول العالم كرست السيطرة الإعلامية والتفوق المالي والشعبوية والكراهية لكسب أصوات الناخبين. ولكن في تقديري أن هناك رغبة متزايدة في البلد للعيش في مجتمع تسوده الحرية ويُدار اقتصاده بكفاءة وينعم فيه الناس بمظلة القانون. وهذه مقدمات الإصلاح السياسي المنشود، الإصلاح الذي لا يهدد الاستقرار، ولا الوحدة الوطنية، ولا الأداء الاقتصادي، ولا الأمن والأمان، بل يدعم كل ما سبق.

يا حبيبتي يا مصر

اهتم الدكتور محمود خليل في “الوطن”، بإحصاء تعليقات متنوعة خاصة بالجدل المثار حول اسم مصر، الذي التصق بها منذ فجر التاريخ وحتى الآن، وكيف تغير هذا الاسم في حقب معينة، فتلون بكلمات أخرى، وآن الأوان ليعود رسميا اسما للدولة. تابع محمود خليل: لا أجدني بحاجة إلى التذكير بأن اسم «مصر» هو الاسم الراسخ لهذا البلد الطيب في القرآن الكريم والكتب السماوية، وقد ورد صراحة وبالكناية عدة مرات داخل آيات الذكر الحكيم. فمصر كانت دولة قبل الزمان بزمان، وقد ظل هذا الاسم ملتصقا بهذا الجزء من أرض الله، حتى قامت ثورة يوليو/تموز 1952، فتغير لأول مرة في التاريخ. اسم «مصر» بعد ثورة 23 يوليو له قصة مثيرة، حيث بات موضوعا للتغيير والتعديل المستمر، كجزء من حالة المفاصلة التي أرادها النظام الجديد عن العهد السابق أو «العهد البائد» بمصطلح تلك الأيام. وقد بدأت فصول القصة بالتحديد يوم السبت 26 يوليو 1952، حين طلب الضباط الأحرار من الملك فاروق الخروج الآمن من مصر، والتنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد، وقد استجاب الملك وغادر البلاد واصطحب معه نجله، وتشكل مجلس وصاية ينوب عن الملك الوليد في حكم البلاد، بعضوية الأمير محمد عبد المنعم، والقائمقام رشاد مهنا، وبهى الدين بركات. ظلت مصر تحمل اسم «المملكة المصرية» أو «مملكة مصر» طيلة هذا الوقت، وهو أمر لم يكن يروق الحكام الجدد للبلاد الذين يريدون كنس أي شيء يذكّر الناس بالعهد البائد، وكانت أول خطوة ناجحة في هذا الاتجاه طرد الملك، وتكوين مجلس شكلي للوصاية.

نظام سياسي جديد

كان من المهم وفق ما أخبرنا الدكتور محمود خليل التخلص من الملكية نفسها، تمهيدا لتدشين نظام سياسي جديد يختلف بشكل كامل عن العصر الملكي، وقد بدأت إرهاصات التفكير في هذا التحول، بعد ما يقرب من 6 أشهر من طرد الملك فاروق من مصر، مع تشكيل ما أطلق عليه «لجنة الدستور» في 13 يناير/كانون الثاني 1953، وتشكَّلت من 50 عضوا، باتت مهمتهم صياغة دستور بديل لدستور 1923. يسجل المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي في كتابه «ثورة 23 يوليو 1952» أن لجنة فرعية تتشكل من 5 أعضاء انبثقت من لجنة الـ50 تولت تحديد نظام الحكم المتوقع بعد حركة الضباط، تكونت من: عبدالرزاق السنهوري، عبد الرحمن الرافعي، مكرم عبيد، السيد صبري، عثمان خليل عثمان، وقد اتجهت اللجنة إلى بحث: هل يكون ملكيا أو جمهوريا؟ وكلنا بالطبع يعلم أن إجابة اللجنة التي اشتملت على هذه المجموعة من الأسماء اللامعة قد انحازت إلى الحكم الجمهوري، وبرر أعضاؤها ذلك بقولهم: «إن الملكية قامت في أصلها التاريخي على زعم أن الملوك يستمدون سلطتهم من عند الله، وإنهم خلفاء الله في أرضه، ومن ثم نبتت نظرية الحق الإلهي للملوك»، ثم أردفت اللجنة: «وقد نبه علماء الدستور إلى ما بين النظام الملكي والحكم الديمقراطي من مجافاة وتعارض». وبناء على ما سبق، خلصت اللجنة إلى ضرورة تخليص مصر من النظام الملكى الذي يظن من يجلس على منصته أنه خليفة الله في الأرض، ورغبة من الأعضاء الخمسة في الأخذ بيد مصر إلى ديمقراطية حقيقية لم تتحقق في ظل الملك، ولا بد لها من نظام جمهوري يلوِّن الدولة بلون مختلف تماما عن لون العهد البائد، ويحولها من مملكة إلى جمهورية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية