غزة تحترق والأطراف منشغلة بإرسال رسائل متباينة حول كيفية إشعال المنطقة

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

غزة تحترق، وإسرائيل، حكومة وجيشا وشعبا عازمة على تحويل القطاع إلى أرض يباب، ففي صباح السبت ارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة في حي الدرج شرق غزة راح ضحيتها أكثر من مئة شخص، وتحدث شهود العيان عن الجثث المتفحمة جراء الهجوم، وقبل ذلك بيوم قصف مدرسة أخرى في خان يونس، وبات الجيش يشن حربا ضد المدارس بعدما أنهى حروبه ضد المستشفيات، ولا أحد يعرف المعركة القادمة بعد تدمير كل المدارس، ولا حاجة للقول هنا إن النظام التعليمي بكامله أصبح مدمرا، وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) إن 70 في المئة من مدارسها بغزة أصبحت مدمرة بالكامل أو متضررة بشكل كبير. وكعادته في كل مرة يبرر الجيش الإسرائيلي مجازره بأنه استهدف «مركز قيادة وتحكم» لحماس أو أن قادة الحركة كانوا مختبئن في المدرسة بين النازحين.
ولم تغير إسرائيل من استراتيجية الانتقام الشامل والعقاب الكامل لغزة، فقد دخلت الحرب شهرها 11 ولم تغير من طريقة إدارة الحرب القائمة على زيادة الضغط على السكان وبالضرورة على حماس كي تستسلم وتفرج عن الأسرى الإسرائيليين لديها وبدون أن يضطر نتنياهو لوقف الحرب أو الخروج من غزة ولا التوقف عن إرسال آلة القتل هناك.

إشعال المنطقة

ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي عازم على إشعال المنطقة كلها، فقد نقل المعركة للخارج حماية لمصالحه الشخصية وإرضاء للمتطرفين في حكومته، حسب جون سويرز، مدير المخابرات البريطاني السابق بمقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» (5/8/2024) فبعد قتله رئيس المكتب السياسي لحماس، اسماعيل هنية والقائد العسكري لحزب الله فؤاد شكر واصل تهديداته بالرد القاسي والجاهزية للرد على فعل انتقامي من حزب الله وإيران التي قتل هنية على أراضيها. وبنقله الحرب إلى قلب الضاحية الجنوبية في بيروت وطهران، خرق نتنياهو قواعد الاشتباك وكشف عن أولوياته واستراتيجيته، فهو مستعد لتصعيد التوتر في المنطقة بدلا من التهدئة، وهو يرى أن هناك فرصة لتقوية مصالح إسرائيل على المدى البعيد وترسيخ مكانته السياسية وحشر إدارة بايدن في زاوية سياسية ضيقة ومساعدة دونالد ترامب العودة إلى البيت الأبيض. كما أثبت اغتيال هنية عن عدم اهتمام نتنياهو بصفقة وقف إطلاق النار مقابل تحرير الأسرى لدى حماس. وقال المسؤول الأمني السابق إن إسرائيل هي التي استخدمت مبرر سقوط صاروخ على ملعب كرة قدم بمجدل شمس بمرتفعات الجولان المحتلة لتوجيه ضربة إلى حزب الله.

رسالة حماس

ورغم رغبة المتحاربين بتجنب المواجهة المباشرة إلا أن الشرق الأوسط يقف على حافتها وفي حالة ترقب. ويعول نتنياهو على الدعم الأمريكي له. وهذا واضح من زيارات قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط ، إريك كوريلا، المتكررة لإسرائيل 10 مرات منذ بداية حرب غزة، ومرتين في أسبوع للبحث على ما يبدو في تنسيق الرد الإسرائيلي على هجمات مرتقبة من إيران وحزب الله. واتسم الأسبوع الذي تلا مقتل المسؤولين برسائل متباينة ومتعددة من كل الأطراف، رسائل إسرائيلية وأمريكية ومن حماس ومن إيران وحزب الله ورسائل عربية وإسلامية.
وكانت رسالة حماس هي انتخاب يحيى السنوار زعيما لها، وهو الذي تتهمه إسرائيل بتدبير هجمات تشرين الأول/أكتوبر والمطلوب الأول على قائمة القتل الإسرائيلية. وقد تعددت التفسيرات عن سبب اختياره رئيسا للمكتب السياسي، فهناك من رأى أنها رسالة عن تأثير إيران على الحركة، وأنها صعود للتيار المتشدد في حماس، كما ورد في تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» (7/8/2024). وذكرت الصحيفة أن السنوار أرسل رسالة إلى المسؤولين في الخارج الذين اجتمعوا للتداول في اختيار خليفة لهنية، بأن المسؤول المنتخب يجب أن يكون مقربا من إيران. لكن اختيار السنوار كان رسالة إلى إسرائيل أيضا فهي تأكيد على دور السنوار في المرحلة الراهنة. وتؤكد حماس أنه ظل من مخبئه يلعب دورا حيويا في المفاوضات على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، رأت مجلة «إيكونوميست»(6/8/2024) أن اختيار السنوار يجعل وقف إطلاق النار أقل احتمالا وهو رسالة واضحة للعالم من أن الجناح المتشدد من حركة حماس هو الذي يتولى القيادة في الوقت الراهن، وهو ما يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والحركة. ورأت المجلة أن ميول الحركة تجاه القوى الخارجية وتفضيل قيادات حماس ليحيى السنوار على خالد مشعل – حيث توقع مراقبون عودته لقيادة المكتب السياسي لحماس بعد مقتل هنية، هي دليل على حجم التقارب بين السنوار وإيران. وهو ما كان سببا في تفضيل السنوار، وخاصة أن الحركة تحتاج في المرحلة الحالية لدعم طهران القوي. وترى المجلة أن اختيار السنوار، سيهمش دور الزعماء الخارجيين الذين يتسمون عادة بالاعتدال والدبلوماسية.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» (6/8/2024) إن ترقية السنوار للمكتب السياسي رسالة واضحة لإسرائيل وتحسم الانقسام بين الداخل والخارج بالحركة. وسيعزز القرار سلطته بينما تخوض الحركة حربا مع إسرائيل في قطاع غزة. ومن غير المرجح أن يغادر غزة، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي مطاردته. وربطت الصحيفة بين اختياره واستعدادات إيران وحزب الله والحوثيين للرد على مقتل هنية وشكر. وتشير الصحيفة إلى أن قادة الجناح السياسي لحماس، كانوا ولسنوات يقيمون خارج غزة أو في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، ما أدى إلى خلق هيكل سلطة منقسم، فمن عام 2007 حتى بدء الحرب العام الماضي، حكمت حماس غزة، وتركزت قوتها العسكرية هناك.

رسالة طهران وحزب الله

وإذا كان اختيار السنوار تأكيدا على وحدة الساحات التي تحدث عنها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، فما هي رسائله وإيران بشأن الضربة الانتقامية المتوقعة؟ فبعد تعهد الطرفين بتوجيه ضربة، وتفريق نصر الله بين الإسناد لغزة والعمل الانتقامي ضد إسرائيل، عاد يوم الثلاثاء في حفل تأبين شكر ببيروت للحديث عن الانتظار وأنه جزء من اللعبة، ما دفع المراقبين للتكهن بأن إيران وحزب الله يعيدان النظر في كيفية الرد، وخاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة، بأنها سترد على أي هجوم إيراني.
ورأت صحيفة «الغارديان» (8/8/2024) بأن إيران لم تحظ بدعم واسع من الدول الإسلامية بشأن الضربة الواسعة على إسرائيل، في وقت تلقت رسالة من الأردن بأنه لن يسمح بتحويل أراضيه إلى ساحة حرب بين إيران وتل أبيب. مع أن إيران مضطرة للقيام بعمل، نظرا لتعهد القيادة ولحفظ ماء وجهها نظرا لخطورة عملية الاغتيال. وربما كان المخرج لإيران هو أن هنية ليس إيرانيا، مقارنة مع تدمير إسرائيل القنصلية الإيرانية بدمشق في نيسان/أبريل ما اقتضى ردا إيرانيا، وإن كان مقيدا من ناحية إعلان طهران عنه مقدما وتحضير الولايات المتحدة له من خلال حشد مجموعة من الدول، منها عربية لإسقاط الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وما وصل منها تصدت له القبة الحديدية الإسرائيلية.

معضلة إيران

مع أن مجلة «إيكونوميست» (8/8/2024) ترى أن إيران تواجه معضلة هذه المرة، فردها في نيسان/أبريل على الضربة الإسرائيلية لسفارتها ألغى قواعد الاشتباك القديمة، وأكد على معيار جديد في المواجهة وهو الرد على أي هجوم إسرائيلي. ما أدى لنهاية افتراضين، الأول هو اعتماد إيران على الجماعات الوكيلة عنها بالمنطقة لضرب إسرائيل، أما الثاني فهو منع الحرب من التطور إلى حرب شاملة.
إلا أن إيران وبالضرورة حزب الله مصممان على الرد هذه المرة لأنها لو تراجعت، فهي تعترف بأنها غير قادرة على ردع إسرائيل. ولكنها وهي تفكر بالرد المباشر، تجد نفسها أمام واقع غير مريح. فلم يكن اعتماد إيران على الجماعات الوكيلة وسيلة لإبعاد النزاع عن أراضيها فقط، بل وللتغطية على ضعف قواتها التقليدية، على حد قول المجلة.
وحتى لو هدد الدبلوماسيون الإيرانيون بشن حرب شاملة، فإن الجيش الإيراني لا يمكنه القيام بحرب كهذه. وهناك إشكاليات أخرى تقف أمام إيران مثل الجغرافيا التي تفصل بينها وإسرائيل. ورغم قدرتها الصاروخية، فعلى هذه الصواريخ السفر لمسافات طويلة حتى تضرب أهدافها، ما يعني منح فرصة للعدو كي يحضر نفسه. وعليها الاعتماد والحالة هذه على حزب الله، القريب من إسرائيل، ما يقود إلى رد من خلال قصف جوي على لبنان أو غزو بري، ورغم عدم قدرة إسرائيل على تدمير حزب الله إلا أنها قد تكون قادرة على إضعاف قدراته العسكرية التي أنفقت طهران عقودا على بنائها. والخطر هو ألا تتوقف إسرائيل عند حزب الله، فإذا كانت قادرة على إرسال مقاتلاتها لضرب ميناء الحديدة في اليمن والذي تسيطر عليها جماعة الحوثي، فالمدن الإيرانية الكبرى ليست بعيدة عن إسرائيل بعد الحديدة عنها. وربما تساءل الإيرانيون عن تحويل شكل المواجهة، التي اعتقدوا أن الرد على هجوم القنصلية بدمشق سيخلق ردعا، ليكتشفوا أنه أدى إلى حرب مفتوحة باتت تعرضهم ووكلائهم للخطر. ولا يعرف كيف سترد إيران في هذا السياق، فهي تمر بمرحلة انتقالية ورئيسها الجديد مسعود بزشكيان، منشغل بتشكيل حكومته التي قال إنها لن تكون حكومة إصلاحيين فقط بل ووحدة وطنية. والأمر يصدق على لبنان، الذي يعاني أصلا من أزمات اقتصادية خانقة. وبات سكانه يحضرون للحرب من خلال تخزين المواد الغذائية وملء خزانات مركباتهم بالوقود والهروب من بيروت إلى الجبال، فيما أصبح الجنوب شبه فارغ من سكانه بسبب التراشق الصاروخي منذ أكثر من عشرة أشهر. وكان اغتيال إسرائيل لقائد في حماس بمخيم عين الحلوة، قرب صيدا، سامر الحاج، رسالة أخرى عن استمرار سياسة الاغتيالات لقيادات حماس في الداخل والخارج.

توقعات إسرائيل

وفي وقت تضرب فيه إسرائيل في كل الاتجاهات، حيث يزعم رئيس وزرائها أنها لا تقاتل في غزة ولبنان بل وعلى أكثر من جبهة فإن حكومتها أخبرت الإسرائيليين هذا الأسبوع بتخزين الطعام والماء في غرف آمنة محصنة، بينما تستعد المستشفيات لنقل المرضى إلى أجنحة تحت الأرض وتمركزت فرق البحث والإنقاذ في المدن الكبرى. وفي ظل المحاولات الأمريكية لخفض التوتر بالمنطقة، حاول المسؤولون الإسرائيليون استشفاف طبيعة الرد المقبل، ذلك أن المعلومات الاستخباراتية نادرة وتتغير بشكل متكرر، حسب صحيفة «نيويورك تايمز» (8/8/2024) وقال مسؤولون إسرائيليون ومسؤول استخبارات غربي كبير إنه استنادا إلى أحدث المعلومات فمن المرجح شن حزب الله هجوم منفصل في البداية، قبل أن تقوم إيران بالرد.
ولكن المحللين العسكريين يقولون إن إسرائيل مستعدة بشكل أفضل لبعض السيناريوهات مقارنة بغيرها. وأشاروا إلى جهاز دفاعي بنته إسرائيل منذ تسعينات القرن الماضي، وبمليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية، في حين اشترطت بناء ملاجئ معززة في المنازل والمباني السكنية. إلا أن إيران وحزب الله يمكنهما إطلاق ما يكفي من الذخائر دفعة واحدة لإرباك دفاعات إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، فإنها قادرة على إطلاق أسراب من المسيرات، والتي تحلق على ارتفاعات منخفضة في مسارات غير متوقعة وتترك بصمة رادارية ضئيلة، ما يجعل تعقبها وتدميرها أكثر صعوبة من الصواريخ والقذائف.
وتساءلت صحيفة «واشنطن بوست» (8/8/2024) عن قدرة إسرائيل على رد هجوم من التحالف الإيراني القوي. فهي تستعد لهجوم من إيران – مثل تزويد الطائرات المقاتلة بالوقود ووضع بطاريات الدفاع الجوي والتنسيق مع واشنطن بشأن وضع الأصول العسكرية الأمريكية، مع أن هناك مخاوف متزايدة بشأن أحد أكثر خطوط دفاعها أهمية: وهو التحالف العربي بقيادة الولايات المتحدة الذي ساعد في إحباط الهجوم الإيراني الأخير.
فقد ظهر التحالف السري الذي يضم الأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الملأ ليلة 13 نيسان/أبريل، عندما ساعد إسرائيل في اعتراض 99 في المئة من أكثر من 300 طائرة بدون طيار وصواريخ أطلقت من إيران – وهي أول ضربة مباشرة من نوعها من قبل طهران بعد عقود من الحرب الخفية مع إسرائيل. وقد أشاد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بالتعاون في ذلك الوقت باعتباره يمهد الطريق أمام «فرص جديدة للتعاون في الشرق الأوسط». وقال مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جون كيربي إن ذلك أرسل «رسالة قوية حول مكان إسرائيل في المنطقة مقابل مكان إيران في المنطقة».
وبعد أشهر على تلك العملية، باتت إسرائيل أكثر عزلة، وهو ما سيعرضها للخطر، حسب محللين عسكريين. وهناك مخاوف من عدم قدرة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، حتى بدعم أمريكي كامل التصدي لوابل الصواريخ والمسيرات الإيرانية ومن حزب الله.
وتضيف الصحيفة أن الدول العربية، مثل السعودية والأردن، حاولتا نفي أي دور لهما بصد هجمات إيران في نيسان/أبريل خوفا من رد إيراني انتقامي والغضب الشعبي على ما يجري من فظائع في غزة. وفي هذه المرة أبعدا نفسيهما عن أي مشاركة في الجولة المقبلة من العنف. وأعلنت السعودية والأردن عن عدم رغبتهما بتحول اجوائهما لساحة حرب، أما مصر فقد أعلنت عن عدم مشاركتها في أي محور لرد هجوم إيراني. وقال مسؤول إسرائيلي بارز إن تصريحات كهذه «مثيرة للقلق الكبير» مضيفا أن «إسرائيل تعمل بوحدها» الآن.

رسائل بايدن

وكعادته، رد الرئيس بايدن بإرسال البوارج البحرية التي سحبها قبل شهر للدفاع عن إسرائيل، فيما استدعت البنتاغون البارجة ابراهام لينكولن من منطقة الباسيفك وأرسلت الطرادات والمدمرات إلى جانب سرب من مقاتلات أف-22. وتعلق مجلة «فورين بوليسي» (5/8/2024) على أن نقل الأرصدة العسكرية الأمريكية من أماكن مهمة إلى الشرق الأوسط، يوزع قدرات الجيش الأمريكي، وينقل أرصدة كان من المفترض بقاؤها في مسرح مهم للولايات المتحدة، مثل بحر الصين الجنوبي. ونقلت المجلة عن مسؤول دفاعي بحري قوله «لا نستطيع مواصلة هذه اللعبة الدفاعية حيث نظل نلعب في نصف الملعب بدون الهجوم». وزادت الولايات المتحدة من الحشد بالإفراج عن 3.5 مليار دولار ضمن حزمة دفاعية لإسرائيل أقرها الكونغرس في نيسان/أبريل وبقيمة 14.1 مليار دولار، وهو ما أوردته سي إن إن الأمريكية.
وفي محاولة بايدن الجمع ما بين الردع- نشر أصول عسكرية ودبلوماسية- رسائل تحذيرية لإيران عبر الدول العربية والسفارة السويسرية في طهران وبعثة إيران الدائمة في الأمم الأمم المتحدة، وتذكيرها بالثمن الاقتصادي والعسكري الذي ستدفعه لو قررت ضرب إسرائيل. ورأى ديفيد إغناطيوس من صحيفة «واشنطن بوست» (6/8/2024) أن بايدن أجرى جولة مكثفة من الدبلوماسية والتحضيرات العسكرية لمنع وقوع حرب كارثية في الشرق الأوسط. وشملت جهود البيت الأبيض محادثات سرية مع إيران لحثها على ضبط النفس، وتحذيرات قوية لنتنياهو بعدم عرقلة وقف إطلاق النار في غزة، بالإضافة إلى إرسال أسطول بحري وجوي أمريكي لحماية «إسرائيل» وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين إذا فشل الردع. وأضاف أن خطر اندلاع حرب إقليمية مدمرة لا يزال مرتفعا بشكل غير مريح. وأوضحت الرسائل الأمريكية لإيران أيضا أن خطر التصعيد الكبير مرتفع للغاية، مع عواقب خطيرة على استقرار حكومة الرئيس الجديد مسعود بزشكيان. ويعيش بايدن وهم أنه استطاع احتواء الحرب في غزة ، مع أن قواعده العسكرية بالعراق تتعرض لهجمات، وتنفق قواته الملايين في حرب مكلفة ضد الحوثيين في اليمن، وهو ما كشفت عنه مجلة «بوليتيكو» (7/8/2024).
ثم جاءت الرسالة الأمريكية المصرية القطرية بضرورة العودة للتفاوض على وقف إطلاق النار وبأقرب وقت، حيث تم تحديد يوم 15 آب/أغسطس كموعد للمفاوضات. ولكن نتنياهو سيجد طرقا لتخريبها، إما بمطالب جديدة، واتهام حماس بعرقلة المفاوضات أو القيام باغتيالات جديدة، ومواصلة المجازر في غزة مع أن هذه لم تعد تلفت انتباه أحد، فالعالم منشغل بالألعاب الأولمبية واضطرابات كينيا ونيجيريا والانتخابات الأمريكية، واختيار كامالا هاريس رفيقها في بطاقة الديمقراطيين وهو حاكم مينسوتا تيم والتز، والجدل الذي يلاحق حملة الديمقراطيين بشأن الموقف من غزة. والملايين التي تدفعها جماعة اللوبي إيباك للتخلص من نقاد إسرائيل التقدميين، وكانت كوري بوش الأخيرة.

انحطاط مجتمع

وفي النهاية لا عزاء لغزة ولا أحد انتبه لانتهاكات المعتقلين الفلسطينيين التي ثار اليمين المتطرف على اعتقال جنود بتهم انتهاكات جنسية. فالفاشية لا تتوقف عند قتل أطفال المدارس وحرقها بل وتمتد إلى مجتمع لم يعد يهتم ويدافع عن القاتل كما ورد في تقرير بمجلة «نيويوركر» (6/8/2024) حيث قال يهودا شاؤول مؤسس مركز أوفيك معلقا على مواقف الرأي العام «لكنني لا أعتقد أن هناك غضبا. وأعتقد أن هناك شريحة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي ترى أن الاعتداء الجنسي المزعوم على المعتقلين يبدو معقولا في نظرها. ويبدو معقولا في نظر أعضاء الكنيست اليوم وفي نظر الوزراء في الحكومة. لقد رأيت الآلاف من الإسرائيليين يقفون ويدافعون عن هؤلاء الجنود، حتى مع ما يزعم أنهم ارتكبوه. وهذا هو مدى الانحدار الذي وصلنا إليه. لقد وقفت شريحة كاملة من المجتمع الإسرائيلي والطبقة السياسية والحكومة للدفاع عن هذه الإجراءات».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية