ضربت إسرائيل في قلب طهران والضاحية الجنوبية لبيروت. تلذَّذ رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في مَسِيره على حافة الهاوية لاستعادة قوة الردع التي كانت تتباهى بها بلاده قبل عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. رأت إيران في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية على أراضيها إهانة لها، ولا مفر من الرد لاسترداد بعض من هيبتها وكرامتها، وتوعّد «حزب الله»، الذي قتل سلاح الجو الإسرائيلي مسؤوله العسكري الأول فؤاد شكر في عقر دار «الحزب»، بأن يردَّ بهدف استعادة توازن الردع وقواعد الاشتباك التي كانت سائدة ما قبل 31 تموز/يوليو الماضي. يُدرك «محور إيران» أن الرد الجماعي المتناسق بين مكوناته العسكرية على إسرائيل سيكون مداه وصداه أكبر، خصوصاً أن إسرائيل وجَّهت ضرباتها الموجعة بشكل متناغم لتطال جماعة «الحوثي» في الحديدة اليمنية، والميليشيات الموالية لإيران في منطقة جرف الصخر العراقية، و«حزب الله» في حارة حريك في الضاحية البيروتية، وطهران الراعية لجبهات أذرعها العسكرية. لكن الذهاب الى رد انتقامي موحَّد من شأنه أن يُعطي رئيس الوزراء الإسرائيلي مبرراً لتوسيع المواجهة وتحويلها إلى حرب شاملة. حرص الأمين العام لمجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو، الذي زار طهران مؤخراً، على مناقشة المخاطر الجمة المتأتية على الشرق الأوسط جراء التصعيد الأخير.
يقول عالمون بالموقف الروسي أن موسكو قلقة من أن يُقدم نتنياهو على حرب موسَّعة مع إيران ما سيدفع أمريكا إلى التدخل، الأمر الذي سيُغيِّر من المعادلات في المنطقة. أبدى شويغو تعاطفاً مع القيادة الإيرانية المحرَجة من استهداف هنية في قلب طهران. حمل الرجل توصية من رئيسه فلاديمير بوتين بوجوب ضبط الأعصاب بعدم الرد، وأن يكون مدروساً إذا جاء القرار بالرد الحتمي. شرح بالتفصيل مدى الضرر الذي سيصيب «الحليفين» (موسكو وطهران)، وأذرع «المحور» وتبدلات في مواقع وموازين مختلفة للاعبين في الشرق الأوسط. حضَّها على عدم السماح لإسرائيل باستدراجها إلى الحرب الشاملة، مصارحاً إياها بأنه إذا انخرط الأمريكيون مباشرة، فليس في مقدور روسيا فتح جبهة جديدة في المنطقة، وستكون في وضع صعب بحيث لا يمكنها أن تصطف إلى جانب «محور إيران» ضد إسرائيل، فالعلاقة بين موسكو وتل أبيب لا تتسم بالعداوة والحروب، ولها خصوصياتها.
يؤكد القريبون من إيران أن قرار القيادة العليا الاستراتيجي هو عدم الدخول بحرب شاملة أو موسّعة، لكن عليها أن تكون مستعدة للحرب إذا ما ذهب نتنياهو إليها. وهي تالياً بحاحة إلى دفاعات جوية ورادارات. سبق لموسكو أن زودت طهران بمنظومة «إس 300» وجرى التوافق على تزويدها بمنظومة «إس 400»، وقد شهدت الأيام الماضية جسراً جوياً مفتوحاً بين البلدين، حصلت معه إيران على دفاعات جوية تُمكّنها من أن تُصعِّب مهمة زعيم اليمين الإسرائيلي في ضرب البرنامج النووي الإيراني والذي هو هدف دائم لديه.
كيفية الرد
لا يزال «المحور» يبحث في كيفية الرد. فإذا كان فردياً، تذهب التقديرات إلى أن «حزب الله» هو الذي سيضرب أولاً، نظراً إلى المرونة التي يتمتع بها بفعل قرب الجغرافيا والوسائل العسكرية التي يمتلكها وفاعليتها من مسيَّرات يستخدمها وصواريخ دقيقة ما زالت في مخازنه. وسيكون بمقدور إيران بناء حساباتها السياسية والعسكرية استناداً إلى نتائج الضربة.
تُقرُّ إيران و«حزب الله» بأنهما تلقّيا ضربتين موجعتين، لكن مقرَّبين من «المحور» يعتبرون أن ما سعى إليه نتنياهو من الاغتيالين في البعد الاستراتيجي لم يصمد طويلاً، فهو كان يراهن على كبح واشنطن لطهران، لكن الأمريكي جاء بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة ليس للضغط فقط على إيران ورسم حدود لها، بل أيضاً لردع إسرائيل عن الذهاب إلى حرب موسَّعة. فالإدارة الأمريكية لا تريد، على أبواب الانتخابات الرئاسية، تصعيداً غير محسوب أو انزلاق المنطقة إلى حرب كبرى يمكن أن توثر سلباً على حظوظ كامالا هاريس مرشحة الحزب الديموقراطي البديلة للرئيس الحالي.
ولطهران حسابات مركّبة، ومنها ما له علاقة بالأمريكيين تحديداً. ولكن ما يؤكده منظرو «المحور» أن إيران بعد إعلان المرشد الأعلى علي خامنئي أنّ «الانتقام واجب» يستحيل عليها عدم الرد، ما يعني أن إلغاء الرد هو خارج أي نقاش، وأن الخيارات المتاحة محصورة بين حدّي تخفيف الرد أو تأجيله. يدور الكلام عن مسار مباشر مفتوح بين الأمريكيين والإيرانيين. ويُشير منظرو «المحور» إلى أن الجانب الأمريكي طرح على الإيرانيين الضغط على تل أبيب للقبول بوقف إطلاق النار مقابل «رد محدود ومدروس» على غرار هجومها في 14 نيسان/أبريل في أعقاب القصف الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية في دمشق أثناء اجتماع لقادة في الحرس الثوري، ما أدى إلى مقتلهم.
تعتبر إيران أن وقف إطلاق النار في غزة بما يحفظ بقاء حركة «حماس» وبندقيتها ورايتها يُشكِّل انتصاراً للمحور الذي تقوده. سبق أن أعلن الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله عن هذه المعادلة منذ أشهر، وزاد عليها قبل أيام بأن الأولوية الآن ليست لتحرير القدس بل لبقاء المقاومة. تبدَّلت الأولويات بعد عشرة أشهر من جحيم الحرب الإسرائيلية في غزة. ينتظر قادة «المحور» بفراغ الصبر لحظة إعلان وقف إطلاق النار ومشهدية أن يخرج يحيى السنوار من النفق ليرفع إشارة النصر، وهي مشهدية تحمل في معركة الوعي قيمة معنوية من النصر يوازي مستوى الهزيمة في الحرب. اختيار «حماس» للسنوار رئيساً للمكتب السياسي خلفاً لهنية تنظر إليه جماعة «المحور» بكثير من الارتياح. تنظر تلك الجماعة للرجل على أنه مَن رسم داخل الحركة مفهوم «المحور»، ورسَّخ مفهوماً عملاتياً بأن غزة «حلقة من حلقات قتال محور المقاومة، وأنه ساهم في تجاوز مرحلة الاشتباك الذي وقع بين «جماعة المحور» مع الإخوان المسلمين بعد اندلاع الثورة السورية». نظرة تصل إلى حد اعتبار أن خط إيران داخل الحركة هو الذي انتصر، وإنْ كان فلسطينيون كثر يعتبرونه أنه «رجل غزة» أولاً وأخيراً.
تنتظر إيران ما ستُسفر عنه دعوة الثلاثية (قطر، ومصر، والولايات المتحدة) لكل من إسرائيل وحماس لاستئناف المفاوضات في القاهرة أو الدوحة في 15 آب/أغسطس الجاري لسد كل الفجوات المتبقية والبدء بتنفيذ الاتفاق دون مزيد من التأخير. وقال البيان الثلاثي إن الوقت حان لإبرام اتفاق وقف إطلاق نار والإفراج عن الرهائن والمعتقلين بالاستناد إلى مبادرة بايدن التي أقرَّها مجلس الأمن. سيتفاوض السنوار من موقعه السياسي – العسكري عبر وسطاء مع إسرائيل. لم يُطح الموقع السياسي الجديد للسنوار بالمفاوضات ولا أضاف إليها عناصر تعقيد، فكل الوسطاء ومعهم تل أبيب يدركون أنه المفاوض الأساسي وله تعود كلمة الفصل. سيتم الضغط على الطرفين من أجل جولة جديدة من المفاوضات علّها تفتح الباب أمام اختراق فعليّ.
ما يجري، وفق قراءة المحور، محاولات حثيثة على خطين متوازيين: إما اتفاق عبر الوسطاء المصريين والقطريين يُنهي الحرب في غزة من خلال هدنة، أو اتفاق كبير بين الإيرانيين والأمريكيين يحوطه ربط نزاع يتضمن نوعاً من الهدنة في هذه المرحلة لتمرير الاستحقاق الانتخابي وضمان بقاء الحزب الديموقراطي في «البيت الأبيض»، وبالتالي إمساكه بالقرار بما يؤول إلى تنفيذ الاتفاق.