الدوحة ـ «القدس العربي»: تُعدّ ألمانيا من الدول الرائدة في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، بما في ذلك البطولات الكروية. وعبر تاريخها، استضافت عدة بطولات ناجحة، ما جعلها تتبوأ مكانة مرموقة في هذا المجال. ومع ذلك، فإن تنظيم كأس أوروبا الماضية أظهر تحديات وإكراهات كشفت عن نقاط ضعف غير متوقعة في البنية التحتية والتنظيم، ما عرى صورة ألمانيا أمام العالم، خاصة وأن صوتها كان ضمن الاصوات الأكثر ارتفاعا في الحملة على التنظيم القطري لكأس العالم في دورته الأخيرة قبل سنتين. إلى الحد الذي أوقف البلدين على أعتاب أزمة ديبلوماسية كبيرة، شكلت تصريحات وزيرة الداخلية الألمانية حينها نانسي فيزر في شهر أكتوبر/ تشرين الاول من سنة 2022، النقطة التي أفاضت الكأس، ما أدى إلى استدعاء الخارجية القطرية للسفير الألماني وتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، حيث تضمنت المذكرة «رفض دولة قطر التام لهذه التصريحات بحق دولة تمثل استضافتها لبطولة كأس العالم إنصافا لمنطقة ظلت تعاني من صورة نمطية ظالمة لعقود»، وأكدت المذكرة حينها أن «قطر ماضية في تنظيم واحدة من أفضل البطولات من أجل إظهار حضارة المنطقة وتراثها لكل العالم، وتعزيز قيم التسامح بين كافة الشعوب». وهي الحقيقة التي أسفرت عنها تجربة التنظيم القطرية تلك، بشهادة قادة الاتحاد الدولي لكرة القدم والمئات من الخبراء والإعلاميين الذين تحدثوا، بعد انتهاء البطولة، عن تجربة عربية ناجحة ومبهرة خطت ملامحها قطر.
لكن الانتقادات التي رافقت تجربة تنظيم ألمانيا لكأس أوروبا الأخيرة، لا تعني أن المانيا لم يسبق لها تحقيق استضافة لبطولات ناجحة في السابق.
الاستضافات الناجحة
الألعاب الأولمبية في ميونيخ 1972: التي كانت أكبر تظاهرة رياضية تنظم في تاريخ ألمانيا، عقب خروجها هيكلا محطما من هزيمة الحرب العالمية الثانية، وشكل تنظيم هذه الدورة نوعا من إعادة إدماج الألمان في السياق الأوروبي ودعما لعملية إعادة بناء البلد على أسس جديدة.
كأس العالم 1974: كانت أول استضافة لألمانيا لكأس العالم ناجحة للغاية، حيث تم تقديم بطولة رائعة شهدت تتويج المنتخب الألماني (الغربي) باللقب.
كأس العالم 2006: عرفت هذه البطولة بتنظيم ممتاز وأجواء احتفالية، حيث أُطلق عليها «أحسن كأس عالم في التاريخ» بفضل الفعالية في التنظيم والبنية التحتية المتميزة.
بطولات أخرى: نظمت ألمانيا عدة بطولات أخرى بنجاح، بما في ذلك كأس أوروبا تحت 21 سنة وكأس القارات.
وعلى ضوء تلك النجاحات، سعت ألمانيا لاستضافة كأس أوروبا لهذه السنة، بوضع خطط طموحة وتجهيزات متقدمة، متطلعة إلى تقديم تجربة رياضية متميزة. وتضمنت الاستعدادات تحسين الملاعب والبنية التحتية، وتطبيق أحدث التقنيات في إدارة المباريات والأمن، والاستفادة من التجارب السابقة لضمان فعالية التنظيم. ومع كل هذه التحضيرات، برزت عدة تحديات وإكراهات أثرت سلبًا على التنظيم.
فشل تنظيمي
في هذا السياق برزت عدة أمثلة على فشل التنظيم خلال البطولة.
البنية التحتية: كشف هطول الأمطار الغزيرة خلال البطولة عن هشاشة البنية التحتية في بعض الملاعب، حيث لم تتمكن بعض الملاعب من تصريف المياه بكفاءة، ما أدى إلى تأجيل مباريات وتلف أجزاء من الملاعب. وهو ما أظهر ضعفًا في التخطيط والتجهيزات اللازمة لمواجهة مثل هذه الظروف.
النقل والمواصلات: عانى بعض المدن المستضيفة من اختناقات مرورية وصعوبة في التنقل بين الملاعب، مما أثار استياء الجماهير والفرق المشاركة.
إدارة الحشود: على الرغم من التجارب السابقة، ظهرت مشكلات في تنظيم دخول وخروج الجماهير من الملاعب، مما أدى إلى فوضى وتأخير في بعض المباريات.
الأمن والسلامة: على الرغم من التدابير الأمنية المشددة، شهدت بعض المباريات حوادث شغب وفوضى بين الجماهير، مما أظهر ضعفًا في إدارة الحشود وضمان سلامة الجميع.
الخدمات اللوجستية: تأخيرات في النقل والمواصلات، بالإضافة إلى نقص في الخدمات الأساسية في بعض المناطق، أثرت سلبا على تجربة الجماهير والفرق المشاركة.
وعلاوة على ذلك، كانت هناك مشكلات لوجستية في توفير بعض الخدمات للجماهير، مثل الطعام والشراب والمرافق الصحية، بالإضافة إلى النقص في عدد الفنادق والغرف المتاحة في بعض المدن، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير أدى إلى استياء كبير في صفوف الجماهير الحاضرة.
نقد ألمانيا
قبل تنظيمها لكأس العالم 2022، تعرضت قطر لهجوم وانتقادات حادة من بعض وسائل الإعلام والمسؤولين في ألمانيا. كانت الانتقادات تركز على عدة جوانب، من بينها قدرة قطر على استضافة حدث رياضي عالمي بهذا الحجم، وظروف العمل في مشاريع البنية التحتية، ومعايير حقوق الإنسان. هذه الانتقادات لم تكن فقط محصورة في وسائل الإعلام، بل شملت أيضا تصريحات رسمية من مسؤولين رياضيين وسياسيين ألمان. وكان هناك تشكيك واضح في قدرة قطر على تحقيق معايير التنظيم العالية التي يتطلبها حدث كبير مثل كأس العالم.
ومع ذلك، عندما حان وقت البطولة، أثبتت قطر قدرتها على تنظيم حدث استثنائي بجودة عالية غير مسبوقة. نجحت قطر في تقديم بنية تحتية متميزة، إضافة إلى ملاعب متطورة، وخدمات لوجستية فعالة. ما جعل التجربة الكروية للجماهير واللاعبين متميزة على جميع الأصعدة. التحضيرات القطرية شملت تحسينات كبيرة في وسائل النقل، مرافق الإقامة، وتقنيات البث، بالإضافة إلى تجربة جماهيرية غنية ومتنوعة. استحقت قطر على إثرها إشادة واسعة من المجتمع الدولي ومنظمي البطولات الرياضية، وأصبحت معاييرها التنظيمية مرجعًا جديدًا ذا قيمة مضافة في تنظيم البطولات الكروية العالمية.
وفي المقابل، عندما نظمت ألمانيا كأس أوروبا الحالي، واجهت العديد من التحديات التي كشفت عن نقاط ضعف غير متوقعة في هيكلها التنظيمي، تم الإشارة إليها بتفصيل.
وفي ضوء هذه التحديات، أصبحت الانتقادات الألمانية لقطر قبل تنظيم كأس العالم 2022 تبدو غير مبررة. حيث أن قطر لم تكتفِ بتنظيم بطولة مبهرة فحسب، بل أثبتت أيضا قدرتها على التغلب على التحديات وتحقيق معايير تنظيمية عالية. في المقابل، كشفت تجربة ألمانيا في تنظيم كأس أوروبا عن نقاط ضعف في التخطيط والتنفيذ، مما جعلها غير قادرة على الوصول إلى مستوى التنظيم الذي حققته قطر، رغم الفارق الشاسع في مستوى البطولتين، بطولة عالمية من حجم كأس العالم، وبطولة قارية مثل كأس أوروبا.
هذه الفوارق في التنظيم تسلط الضوء على أن الانتقاد يجب أن يكون مبنيًا على قدرة واقعية على تقديم أداء متميز عند تولي زمام الأمور. الفشل الألماني في تنظيم كأس أوروبا بالمستوى المطلوب أظهر أن الانتقادات التي وجهتها لقطر كانت غير عادلة وغير مبنية على فهم دقيق للتحديات التي تواجهها الدول المضيفة للأحداث الرياضية الكبرى. بقدر استنادها على رؤية استشراقية نمطية مرفقة باستعلاء واضح يتقمص دور أستاذية غير مستحقة، تعتبر أن العرب عاجزون بطبيعتهم عن تنظيم بطولات كبرى، عجزَهم عن النهوض الحضاري العام. وهو موقف يضاف لنفس المنطق الثاوي خلف الموقف الرسمي الألماني الحالي مما يجري من إبادة للشعب الفلسطيني من طرف كيان الاحتلال الصهيوني، بدعم مؤسساتي غربي، باعتبار أن المساواة في الحقوق الإنسانية بين الإنسان الأبيض الغربي والإنسان العربي وغيره من أولئك الذين لا ينحدرون من نسل الإنسان الأوروبي وامتداده الاستيطاني، لا يمكن التسليم به، لذا يحق للغرب ما لا يحق للعرب من حقوق.